سؤال بريء خالص: ما السر وراء تلك الحالة من الدهشة والإعجاب والصخب التى انتابت الكثيرين منا، نحن المصريين، عندما نظرنا إلى مواقع التواصل فرأينا حبيبنا كلنا محمد صلاح يقرأ كتابا؟ هل صلاح هو أول أو آخر من يقرأ الكتب؟ أبدا.. فكم بيننا من قارئين لا يشعر بهم أحد. إذن ما تفسير حضرتك لهذا الهوس الذى بلغ حد ارتفاع مبيعات الكتاب بصورة غير مسبوقة على الرغم من أن الكتاب صدر عن دار نشر هاربر كولينز، فى نيويورك، منذ ما يقرب من العامين؟ ملحوظة: لسنا هنا فى وارد استعراض فحوى الكتاب، أو المعانى التى تضمنها، فالكتاب موجود فى الأسواق الآن، سواء فى نسخته الأصلية (الأمريكية)، أو فى نسخته المترجمة التى نظرنا فرأيناها بين يدى صلاح على مواقع التواصل.. ومن ثم فليقرأه من أراد القراءة. إن سؤالنا ببساطة هو: لماذا الانبهار؟ لا شك فى أن الإجابات كثيرة كثرة عدد المنبهرين. ولعل الأولى منها، والتى ستقفز إلى الذهن بسرعة، هى أن كل ما يصدر عن صلاح من قول أو فعل أو تصرفات (أو إحراز أهداف) هو دائما محل انبهار، إذ الرجل محبوب من الجميع، ويعشقه كل شاب طامح، ويهوى مشاهدته كل محبى كرة القدم. إلا أن تلك الإجابة وحدها لا تشفى غليلا ولا تسد رمقا. لماذا؟ لأن الانبهار هذه المرة لم يكن متعلقا بالكرة أو فنونها، بل لأن صلاح ضُبط وهو يقرأ، وبالتالى فإن الأمر أعمق من مجرد الانبهار العادى المعتاد.. فما السر يا تري؟ آآآآه.. هنا مربط الفرس. إن لسان حال المنبهرين يكاد ينطق: وكمان يا صلاح أنت تقرأ الكتب؟ يا سلام ياولاد على الشطارة . طبعا المعنى المبطن فى هذا أننا لم نتعود من لاعبى الكرة أن يقرأوا الكتب، وعليه فإن صلاح إلى جانب عبقريته الكروية هو مثقف أيضا، وكأن اللاعب - أى لاعب- لا ينبغى له أن يقرأ أو أن يتثقف. معقول.. مو صلاح يقرأ؟ طيب هيا بنا نقلده.. وهكذا ارتفعت مبيعات الكتاب. وحتى المؤلف مارك مانسون خرج بتغريدة ( منبهرة هى الأخري) يعرب فيها عن حبه لصلاح ويتمنى أن يكون الكتاب قد أمتعه. الإجابة الثانية قد تكون: أن الانبهار سببه عنوان الكتاب نفسه «فن اللامبالاة لعيش حياة تخالف المألوف».. (على فكرة.. هذا ليس العنوان الأصلى للكتاب، وإنما هو ترجمة عربية تناسب ذهن القارئ العربى وتقاليده.. لكن ما علينا). إن الصورة لصلاح وهو يقرأ جاءت فى وقت عانى فيه صلاح من بعض المواقف التى أرقته، سواء للخروج المؤلم للمنتخب من كأس العالم، أو للأحداث التى واكبت مشاركة صلاح ونعرفها جميعا. وبالتالى ربما يكون البعض قد فهم أن صلاح اختار هذا الكتاب تحديدا لإبلاغ رسالة ما مؤداها: (أنا خلاص نسيت فليتكم أنتم أيضا تنسون!). وقد لا يكون هذا التصور صحيحا. أما الإجابة الثالثة فهي: لماذا لا يكون العقل الباطن لصلاح (مثلا مثلا) يقول له فى تلك اللحظة: إقرأ علشان تنسي؟ الله الله الله.. يا عم قف عندك والزم حد الأدب فمن أنت حتى تغوص فى النوايا، أو تتفلسف فى العقل الباطن وما اعرفش إيه؟ يا باشا الزم حدودك وبلاش هلفطة. ماشي.. لكن ما الضير فى محاولة الفهم طالما أننا نبحث عن أسباب الانبهار؟ ثم أليس الكتاب نفسه الذى قرأه صلاح يوصينا بأن نحاول أن نفكر بطريقة مختلفة.. فلماذا تصادرون علينا المحاولة يرحمكم الله؟ وثمة إجابة رابعة ( ومعلهش احنا بنتكلم): أليس من الجائز أن حديث الكتاب عن فن اللامبالاة، ومخالفة ما هو مألوف، قد مسّ وترا حساسا عند كل من رأى عنوان الكتاب فى يديّ «أبو صلاح» خاصة بين الشباب؟ لكن هو يعنى إيه أصلا تلك اللامبالاة؟ هل هى بالضبط ما نبحث عنه كلنا الآن لنسيان ما نحن فيه من تشتت وحيرة وانخفاض لليقين؟ هل أتت أفكار الكتاب لتلخص مأزقنا الراهن (ليس فى مصر وحدها، ولا فى أمريكا فقط، وإنما فى العالم كله؟).. على أية حال ربما أرشدتنا قراءة الكتاب إلى الإجابة. كنا قد بدأنا المقال بالتأكيد على أننا لا يعنينا هنا عرض ما تضمنه الكتاب، لكن فى هذه النقطة تحديدا (مسألة اللامبالاة).. لا مانع من استعراض بعض عناوين الفصول التسعة للكتاب سعيا إلى المزيد من البحث عن أسباب الانبهار (..ونحن هنا ننقل عن النسخة الأمريكية): الفصل الأول حمل عنوان:لا تحاول، والثانى عنوانه: السعادة هى المشكلة، والثالث: اعلم أنك لست متميزا، والرابع: قيمة المعاناة، والخامس: أنت الذى دائما سوف تختار، والسادس: أنت مخطئ فى كل شيء، والسابع: الفشل طريقك إلى الأمام، والثامن: أهمية أن نقول لا، والأخير: ثم إنك ستموت فى النهاية. ومن مجمل هذه العناوين ربما استطعنا الوقوف على معنى اللامبالاة التى يدعونا الكتاب إلى تبنيها ونحن نخوض غمار الحياة.. فهل هذا ما شد انتباه مو صلاح فى الكتاب؟ لا أحد يعرف ! .. وتبقى إجابة خامسة خجولة، ربما يكون مسموحا تخيلها على استحياء ونحن نفتش عن سر كل هذه الموجة من التفاعل مع صورة محمد صلاح على الفيس بوك وفى يده كتاب. أليس من الممكن أن يكون الشباب الذين رأوا الصورة قد سألوا أنفسهم: ولماذا لا نفعل مثله ونقرأ نحن أيضا؟ هل ما أعجبنا فى الصورة احتمال أن يكون صلاح يحث الشباب على القراءة ؟ لو أن ذلك كذلك.. فشكرا مجددا لك يا «مو».. يا حبيبنا كلنا. لمزيد من مقالات ◀ سمير الشحات