القرار الأمريكى بنقل سفارتها للقدس، قرار جائر ومناف للقانون الدولي، ويقوض أسس عملية السلام، ويؤجج المشاعر، ومستنكر وغير مبرر ومرفوض، هكذا وصف المجتمع الدولى قرار الرئيس الأمريكي، وعليه تنطبق كل تلك الصفات على صاحب هذا القرار الخطير. ولم تمر أيام قليلة حتى بدأ ما يمكن أن نسميه بالخسائر الاستراتيجية المتوالية على الولاياتالمتحدة وعلى إسرائيل، على من اصدر القرار ومن حرض دوما عليه. عاد القرار الجائر فى أول المكاسب للقضية الفلسطينية والخسارة الاستراتيجية لإسرائيل وحليفها ترامب وإدارته، ليعيد قضية فلسطين لصدارة المشهد الاقليمى والدولي، فبعد سنوات من الحروب والنزاعات بالمنطقة من سوريا إلى العراق إلى ليبيا واليمن، ومع تفشى الإرهاب على مساحة خريطة المنطقة، وما روج له البعض بأن القضية الفلسطينية قد توارت ولم يعد لها نفس المكانة المركزية كما كانت على الدوام وغطت عليها صراعات قائمة عادت فلسطين محور الارتكاز وفى القلب منها القدس الشريف. الخسارة الاستراتيجية الثانية هو تعميق هوة انعدام الثقة، وابتعاد أوروبا عن الولاياتالمتحدة لسياسات ترامب المتهورة، المنحصرة حسب سياساته فى سياسة أمريكا أولا، معاديا حتى لمصالح شركائه متهما اياهم بالثراء على حساب بلاده، ومتهما أوروبا وأعضاء الناتو بعدم تحمل مسئولياتهم، ويصر على ابتزازهم ماديا، وقد وجه له وزير الخارجية الألمانى منذ أيام قليلة فى خطبة علنية، ان الولاياتالمتحدة لم تعد شريكا فى تحمل مسئولياتها الدولية،، ومن الخسائر التى تتحملها الآن إسرائيل هى تلك الانتفاضة المقدسية وامتدادها لكل المدن، لتعود المواجهة مع قوات الاحتلال لتعرى وجوده وممارساته اللإنسانية، وتعرض من جديد لمشاهد عنفه وجرائمه، فيعود الاحتلال الإسرائيلى بوجهه القبيح ليتصدر نشرات الأخبار فتدين المشاهد على الأرض كل يوم جريمة الاحتلال، والخسارة التالية مرتبطة بعدم تقدير الرئيس ترامب تبعات قراره جيدا فعرض أمن الولاياتالمتحدة القومى للخطر والتهديد، بل وأمن إسرائيل ذاتها فكان كل رئيس سبقه يرجيء القرار وعلى مدار سبعة عشر عاما وكل ستة أشهر بخطاب للكونجرس يطلب إرجاء تعهد وتكليف نقل السفارة للقدس لأسباب تتعلق بالحفاظ على الأمن القومى الأمريكي،. الخسارة الاستراتيجية التالية ستكون حتما فقدان الولاياتالمتحدة لمركزية دورها فى إدارة عملية السلام، هذا الدور الذى اعطاها على الدوام تأثيرا طاغيا على دول المنطقة وقادتها، وفى الساحة الدولية والمنظمات، وكانت واشنطن مقصدا سنويا لكل زعماء المنطقة، وبقرارها المتهور سوف يتعرض هذا الدور لهزة كبيرة بل قد يجردها العالم من ميزة كونها وسيط السلام بعد أن اثبتت انحيازا غير مسبوق إلى إسرائيل. التلاقى العربى هو أحد مكاسب هذه المرحلة وحتما هو من بين خسائر إسرائيل، وربما الولاياتالمتحدة، فمنذ فترة طويلة لم يتفق الموقف العربى على انتقاد الولاياتالمتحدة ورئيسها، وإسرائيل ورئيس وزرائها المحرض الرئيسى على هذا النحو، والخطر والصفعةالاكبر أن تنشأ ديناميكيات للحركة الإقليمية المضادة للموقفين الأمريكى والإسرائيلي، تسعى لتحقيق تهدئه مع جيران المنطقة خاصة تركيا وإيران، فى ظل ما تمثله القدس من رباط جامع لكل ما هو عربى وإسلامي، فقد تنشأ آليات للتواصل تفتح بابا للحوار والمكاشفة، لإعلاء سياسة حسن الجوار، ويحرم من يخطط لمواجهة شاملة بالمنطقة تخذم مصالح الولاياتالمتحدة وإسرائيل، ولعل لجانا من الحكماء تتشكل فينشأ قدر من التفاهم الاقليمى على بدء عملية لرأب الصدع تمتنع فيه تلك الجارتان المتوغلتان على الأمن القومى العربى ليمتنعا عن ذلك، ويكون ذلك أبلغ الردود والصفعة الأقسى والأكثر إيلاما لمن ضمر شرا بفلسطين والأقصي. من بين خسائر قرار القدس على اصحابه أنها فتحت الباب لبحث تأسيس مرجعية جديدة لعملية السلام، بعيدا عن الولاياتالمتحدة، وتفتح الطريق أمام آليات دولية مستجدة، ودخول عناصر وإرادات جديدة، ستغير طبيعة التأثير والدور الأمريكى ومداه، مع التباعد الاقليمى والدولى عن دور غير مسئول وضيق الأفق ومتهور للولايات المتحدة. ختاما زيارة الرئيس الروسى فلاديمير بوتين القاهرة، هى مؤشر يجب تسجيله فى حساب الخسائر الاستراتيجية، فالدور الروسى يتعاظم فى المنطقة، رغم أن الزيارة ثنائية ومتفق عليها إلا أن توقيتها لا يمكن فصله عن الأحداث، وعندما يحل الدب الروسى ضيفا على المنطقة وفى القاهرة، فالرسالة ستسمع فى عواصم عدة، وعلى واشنطن إعادة تقييم حساباتها وإدراك الموقف والتراجع عنه قبل أن يفوتها قطار الشرق الأوسط. لمزيد من مقالات ◀سفير د. محمد حجازى