ليس كل مايعرف يقال ، هكذا تقول الحكمة العربية ، وبالتالى فإن التاريخ الذى نتداول سيره فيما بيننا عبر الأجيال والعهود ، ليس كل الحقيقة ، فهناك كواليس كثيرة تقف خلف كل قرار أو موقف للاشخاص أو الحكومات والدول ، ومن هنا فإن كتابة التاريخ لاينبغى أن تكون بالأهواء أو الانتماءات حتى إن الحكماء يقولون (الحق ماشهدت به الأعداء) فى إشارة الى أن شهادة العدو دائما ما تأتى منصفة حتى وإن كانوا على النقيض تماما من الشخص أو الحدث ، ومثال ذلك ماشهدت به العرب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، من أنه الصادق الأمين رغم عدم اعترافهم ببعثه ورسالته، وهناك مئات الشهادات من المفكرين والمستشرقين عن عظمة سيدنا محمد رغم أنهم لم يعاصروه ولم يؤمنوا برسالته، غير أن التاريخ الحديث وبالتحديد فى القرن العشرين ، لم يكن على ذات الدرجة من الدقة فى التأريخ والتوثيق للأحداث ، فلعب الهوى دوره فيها ، حتى اختلط على المحايدين الأمر ، ووقفوا حائرين أمام تعدد الآراء فى المسألة الواحدة ، ولعبت المذكرات التى دونها بعض أصحاب القرار دورا فى غياب الحقيقة المجردة ، فكل واحد من هؤلاء دون ماعايشه من وجهة نظره وحده ، متناسيا أنه ربما يكون علم شيئا وغابت عنه أشياء ، لذا لم تتضح الصورة الكاملة لحدث ما فى القرن العشرين ، ولعبت الدراما دورا سلبيا ، وزادت فى حيرة المتابعين للأحداث. ولنا فى مسلسل الملك فاروق المثل ، اذ جاءت احداث المسلسل لتروى لنا قصصا تتعارض مع ما استقر عليه فهم العامة عبر نصف قرن من الزمان ،ما أثار جدلا واسعا آنذاك ، وانهالت الاتهامات على الدكتورة لميس جابر مؤلفة العمل بأنها تجمل صورة العهد الملكي، وهاهو مسلسل الجماعة للكاتب الكبير وحيد حامد يثير ذات الضجة ويتعرض لانتقادات حادة ، بعضها يتهمه بأنه يجمل وجه الإخوان ، والبعض الآخر يتهمه بالاستسهال باعتماده على مراجع تاريخية غالبيتها كتبها منتمون للجماعة التى باتت الآن فى مواجهة علنية مع المجتمع بكل أطيافه منذ ثورة 30 يونيو 2013، وتفرغ المتابعون للمسلسل من سياسيين ونقاد ومؤرخين وعامة الى الحديث ليس عن جودة العمل وتقنيته ، وإنما عن المراجع التى احتكم اليها المؤلف والشخص الذى راجعها معه واتهموه بأنه يصفى حسابات مع ثورة يوليو التى أراد أن يشوهها من وجهة نظر البعض، بتلميحاته إنها خرجت من رحم الإخوان ، والتأكيد على أن زعيمها جمال عبد الناصر كان عضوا بها ، وهو ماتطلب ردا من سامى شرف سكرتير الرئيس الراحل، أكد فيه عبر وسائل الإعلام مرئية ومقروءة ، أن عبد الناصر لم يكن يوما عضوا بالإخوان ولكنه كان متصلا بكل التيارات السياسية التى كانت على الساحة المصرية وقتها بهدف التعرف عليها وعلى إمكانية تعاونها مع الجيش من أجل الوطن ، ولما لم يجد فيها مايرجوه ركز على تنظيمه الذى أسسه داخل الجيش باسم الضباط الأحرار. واذا كان ماجرى قبل ستين عاما لايزال يخضع للجدل وتعارض المعلومات ، فالغريب مايجرى على الساحة المصرية والعربية هذه الأيام عن أحداث جرت قبل ست سنوات ، ولم يتفق كثيرون ممن عايشوها على تسميتها فهناك من يراها ثورة ، وأخرون يرونها مؤامرة، وهناك من يصفها حتى الآن ورغم كل مجرى من أحداث سلبية بالربيع العربى وأخرون كثيرون يرونها خريفا دمرالبلاد وشرد العباد وبدد الثروات ، ومن عجب أن أصحاب الدراما كانوا الأسرع للتوثيق رغم أن التعليق على الأحداث التاريخية لايكون وقت حدوثها وانما بعد فترة من الزمن ليكون التقييم موضوعيا، لكننا فوجئنا بأعمال درامية تتحدث عن أحداث وقعت قبل بضعة شهور قليلة ، وبالطبع كل واحد من مؤلفيها ترك العنان لخياله ليدون الحدث حسب رؤيته، وانتمائه لهذا الفصيل او ذاك، وهناك من صنع من شخوص ابطالا فى الحدث تبين بعد ذلك أنهم أبعد مايكونون عن البطولة والوطنية، حتى الاتهامات التى نثرها البعض فى وجه النظام السابق أثبتت الأيام وبأحكام قضائية كذب ماروجوه من اتهامات، ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعى التى باتت متاحة للجميع، وتحول المستخدمون لها الى مفكرين او مؤرخين يدلون بدلوهم فى قضايا هامة تمس الأمن القومى للوطن ، ومن عجب أنهم يفعلون ذلك تماشيا مع الموجة أو تاييدا لفصيل أو مكايدة للنظام الحالي، والأخطر فى الأمر أنهم يقفون على طرف النقيض ممن يخالفهم الرأى بل ويجاهرون باتهامه بالخيانة العظمى وكأنهم يحتكرون صك الوطنية وحدهم، وكل هذا أبعد مايكون عن التأريخ والوطنية، حفظ الله مصر من الجدل وعثرة الرأى التى تهدم ولاتبنى . لمزيد من مقالات أشرف محمود