الحوار مع الدكتور جاستن ويلبى رئيس الطائفة الإنجليكانية ورئيس أساقفة كانتربرى يكتسب أهمية خاصة، فهو الزعيم الروحى لأكثر من 85 مليون انجليكانى فى العالم، وزعيم كنيسة انجلترا وله موقع متميز فى كل المناسبات الوطنية هناك، فحسب البروتوكول البريطاني، يأتى بعد العائلة المالكة، وقبل رئيس وزراء انجلترا، والسبب هو أن رئيس أساقفة كانتربرى هو المسئول عن تتويج الملكة أو الملك، وهو بصفة موقعه لورد من أعضاء مجلس اللوردات البريطاني. وذلك إلى جانب مواقفه الجريئة من عدد كبير من الأحداث التى تقع فى العالم مثل رفضه لتصريحات المرشح الرئاسى الأمريكى دونالد ترامب ضد المسلمين، وإعرابه عن تفاؤله بمستقبل مصر وتأييده دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسى لتجديد الخطاب الديني، والعلاقة الوطيدة التى تربطه بالأزهر الشريف، ووصفه تنظيم داعش ب «هيرودس العصر الحديث»، ودعوته بأن تكون مدينة القدس مفتوحة للأديان الثلاثة. وعلى اللقاء الذى شهدته مدينة أبوظبى بين مجلس حكماء المسلمين برئاسة فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر وبين رئيس الطائفة الإنجليكانية ورئيس أساقفة كانتربري، كان للأهرام هذا الحوار مع الدكتور جاستن ويلبي. ◄ لقد زرت مصر من قبل والتقيت الرئيس عبدالفتاح السيسي، فما هو انطباعك عن هذا اللقاء؟ الرئيس السيسى ذو رؤية ثاقبة ويعرف تماماً ماذا يريد أن يحقق لشعب مصر من استقرار، واننى أقدر رغبته فى أن تتعاون الدول معاً لمكافحة الارهاب. وأدعو الله أن يحفظ مصر لتؤدى دورها المعهود عبر التاريخ، وأن يعود الاستقرار والرخاء لشعبها، وأنا مازلت متفائلا بمستقبل مصر. ◄ ماهو موقفكم من دعوة الرئيس لتجديد الخطاب الدينى وتصويب المفاهيم المغلوطة؟ إننا نقدر تماما هذه الدعوة الممتازة و التى جاءت فى وقت يستخدم فيه الدين كمبرر لاستخدام العنف و الإرهاب، ولاشك أننا فى عالم اليوم نحتاج إلى خطاب دينى ينبذ العنف و يدعو على تقبل تنوع الآراء و يصنع السلام بين الشعوب على اختلاف اديانها. ◄ لديكم علاقات قوية مع الأزهر الشريف، ما الذى تطمحون للقيام به معا؟ نحن نريد أن نتفهم فكر بعضنا البعض لأن هذا يساعدنا أن نعمل معا من أجل خير مجتمعاتنا خصوصا فى مجال تنمية مجتمعاتنا ، وايضا يساعدنا هذا التفاهم أن نشترك فى صنع السلام و حل الصراعات ذات البعد الدينى . ◄ هل تعتقد أن الجولات التى يقوم بها الإمام الاكبر د. أحمد الطيب فى دول العالم تسهم فى تحقيق هذا الهدف؟ الإمام الاكبر عالم جليل يتسم بعمق الرؤية والسماحة وهو يعطى صورة كلها أمل من خلال بناء الجسور والتعاون مع القادة الدينيين لمكافحة العنف والارهاب الذى يحدث باسم الدين، ولا يوجد أفضل من اللقاءات المباشرة لانها تساعد على توطيد العلاقات والتفاهم بين القادة. ◄ هل جولات الحوار بين الشرق والغرب التى تشاركون فيها مع الأزهر الشريف ومجلس حكماء المسلمين يمكن أن تفتح آفاقا جديدة للتفاهم وقبول الآخر والتعاون البناء بين المسلمين والمسيحيين فى أنحاء العالم؟ بالتأكيد الحوار له آثار إيجابية كثيرة علينا جميعا، ولا يوجد بديل للحوار اليوم اذا كنا نأمل فى عالم يسوده السلام . ◄ وماهى أهم النتائج التى ترون أنها تحققت من اللقاء التاريخى الذى جمعكم فى أبو ظبى بمجلس حكماء المسلمين ؟ كما أوضحنا فى البيان المشترك فنحن نناشد القادة الدينيين والسياسيين وغيرهم من أصحاب القرار والتأثير العمل على تحقيق التعاون والعدل والسلام للبشرية جمعاء دون تفرقة بسبب الدين أو الجنس أو العرق أو أى سبب آخر ، وسوف نواصل العمل على خلق عالم متفاهم ومتكامل ، من خلال بناء حوار مجتمعي،إسلامى مسيحي،يكون فيه المجتمع المدنى فاعلاً لتضييق الهوة فى فهم الآخر، ومن ثم فإن هذا الحوار سيسهم فى الحد من ظواهر التطرف والإسلاموفوبيا، ولذا فإن دعوة المجتمع إلى الانضمام لمثل هذه الفاعليات و الأطراف الفاعلة مجتمعيًا سيسهم فى إضفاء روح السلم المجتمعى فى جميع المجتمعات. إلى جانب إقامة لقاءات شبابية متبادلة من طلاب بالجامعات بين المسلمين والمسيحيين، تتخللها محاضرات تؤكد على التسامح والتعايش. وإنتاج عدد من الأفلام الوثائقية التى تبرز تجارب التعايش التاريخية والمعاصرة، مع بث هذه الأفلام بعد ترجمتها إلى لغات عالمية عدة على شبكة الإنترنت ومحطات التلفاز انطلاقًا من الأهمية القصوى للإعلام فى النشر والتأثير بصورة أكبر من الملتقيات والمنتديات. وبناء برنامج أكاديمى مشترك مدته خمس سنوات للبحث فى أسس وقيم التسامح والتعايش فى الإسلام والمسيحية يشترك فيه باحثون من الجانبين، ويصدر عدداً من الدراسات التى تترجم إلى اللغات الحية ، الأمر الذى من شأنه أن يسهم عمليًا فى الحوار الإسلامى المسيحى مع ربط هذا البرنامج ببرامج الدراسات العليا فى الجامعات المعنية. ودعم المبادرات التى تسعى لتأكيد قيم التسامح والعيش والمشاركة وعلى رأسها تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة،التى ضمت وزارةً للتسامح هى الأولى من نوعها فى العالم، وكذلك تجربة بيت العائلة فى مصر، الذى يتميز بالعمل على أرض الواقع من خلال لجانه المختلفة وعلى رأسها لجان التعليم والمرأة والشباب والذى استطاع منذ إنشائه أن يحقق نموذجًا من المواطنة الحقيقية بين أبناء الوطن الواحد من المسلمين والمسيحيين . وضرورة العمل على نشر ثقافة الحوار على جميع الأصعدة ونحن نؤكد على احترام عقيدة الآخر على جميع المستويات . وأخيرا نحن نلزم أنفسنا بالعمل معا من أجل تحقيق الخير العام عبر مكافحة الأمية والفقر والمرض . ◄ وكيف ترون المسئولية التى عليكم كقادة دينيين ؟ علينا كقادة دينيين أن نساند وندافع عن حقوق الانسان، لاننا ندرك انها مسئوليتنا أمام الله الذى خلق الانسان مكرماً وحراً، وحرية الانسان هى التى تحقق ازدهار المجتمعات، الا أن الحرية لا تأتى من فراغ بل علينا أن ننادى بها وندعمها ولا تخلو الحرية من المسئولية والتحدى أمامنا أن نستطيع أن نضع خطوات عملية تضمن تحقيق الحرية الدينية فى المجتمعات التى نمثلها. ◄ هل تعتقد أن العالم يعيش الآن أجواء حرب عالمية ثالثة؟ وهل للتطرف الدينى علاقة بذلك؟ العالم اليوم يعيش العديد من الصراعات والحروب التى لها بعد دينى مثل العراق و سوريا و كشمير و السودان وأيضا ماتفعله داعش فى الشرق الأوسط. وبعض هذه الصراعات سياسى ويتخذ من الدين غطاء له، ولاشك أن هذا يمكن أن يتطور إلى الأسوأ إن لم نعمل جميعا فى صنع السلام. ◄ هل تشعر بالقلق على أوروبا من ظهور أنصار لداعش بها ؟ وبماذا تفسر ذلك؟ لا شك اننى أشعر بالقلق من ظهور اى فكر متطرف ليس فى أوروبا وحدها لكن فى كل أنحاء العالم و انتشار هذه الافكار يرجع إلى أزمة الهوية التى يعانى منها العديد من الشباب و أيضا استخدام الجماعات المتطرفة للوسائل التكنولوجية الحديثة للوصول إلى الشباب. وقد سبق أن وصفت تنظيم داعش ب»هيرودس العصر الحديث» لكن حكم الله نبأ سار لأنه يعد بإحقاق العدل، ومسلحو هذا التنظيم يكرهون الاختلاف أكان من مسلمين يفكرون بشكل مختلف أم أيزيديين أم مسيحيين، وبسببهم بات المسيحيون معرضين للزوال من منطقة ولد فيها الإيمان المسيحي. ◄ لماذ أعلنتم رفضكم لدعوة المرشح الجمهورى للانتخابات الرئاسية الأمريكية، دونالد ترامب، لحظر دخول المسلمين للولايات المتحدة؟ لأن دعوة ترامب لحظر دخول المسلمين لأمريكا، لا تمت للمسيحية ولا للمنطق بشيء، وإذا كنا نحن المسيحيين نحافظ على حقوقنا ونطالب بها فمن واجبنا المحافظة على حقوق الآخرين.. ◄ مازالت القدس هى حجر الزاوية فى أى محاولة للوصول إلى تسوية سلمية فى الشرق الأوسط، ونحن نعلم أن لديكم موقفا محددا بهذا الصدد؟ إن مدينة القدس يجب أن تبقى مدينة مفتوحة مع حرية العبادة للاديان الثلاثة، والكنيسة الانجليكانية تدعم حرية الوصول الى الاماكن المقدسة، وقد زرت القدس من قبل والتقيت رؤساء الكنائس الذين يسودهم الوحدة واطلعت على العمل الذى يتم من اجل المدينة المقدسة من قبل الكنائس، وعلينا ان نستمر فى عملنا من خلال الخدمة فى المدارس والمستشفيات والعيادات من اجل رفاهية الناس. إن دور الكنيسة هو نشر المحبة فى المجتمعات التى حولها وخصوصا فى مدينة القدس، حيث يكمن مركز العالم، وكما قلت ان مدينة القدس يجب ان تظل مفتوحة مع حرية العبادة للاديان الثلاثة وعلينا ان ندعم هذا التوجه وندعم حرية الوصول الى الاماكن المقدسة . إن التحديات تكمن هنا فى مواجهتنا والتى نقودها من اجل السلام والعدل والامان لكل شعوب المنطقة ، ولن يكون هناك امن دون عدل وسلام، كما من المهم ايجاد طرق للعيش معا، من اجل التغلب على المصاعب والمآسى التى تسود المنطقة منذ سنوات وهذا يشكل تحديا كبيرا، وسنستمر فى العمل مع العالم من اجل كل سكان الشرق الأوسط من أجل السلام المبنى على العدل والأمن.