للمكانة والأهمية الكبيرة التي تحظي بها آراء المفكر وأستاذ الاقتصاد الكبير د. جلال أمين، اعتقد وكواحد من جيله ومتابعيه ومعجبيه، أن ما جاء في مقاله الأخير (اهرام 15 الحالى) من تحاليل واستنتاجات بشأن الإصلاح في مصر وكونه من السهل الممتنع، يحتاج الي بعض التوقف وإمعان النظر وذلك حتي يمكن للقراء عامةً وللمثقفين والمسئولين خاصةً أن يستفيدوا مما سيذكر من اقتراحات وحلول في مقال مقبل بناء علي ما جاء في المقال الأول. أُعَرج سريعاً علي تجارب الدول المذكورة في القارات الثلاث لكي أُذِكَر أولا بما أصبح مسلماً به من اختلاف طبيعة الاصلاحات بين الدول طبقا لاختلاف بيئاتها الإجتماعية والسياسية والجغرافيا، وطبقاً لتغيرات الزمان وتجلياته التقنية والتواصلية بينهم وفي داخلهم. وأُذِكَر ثانياً بأن نجاحات هذه الدول لم تكن كلها وليدة إصلاحات سهلة ممتنعة كانت أو غير ممتنعة؛ فقد كان عدد منها وليد ثورات حمراء أو بيضاء أو ذا عمر قصير يفتقد للاستمرارية والدوام. أعتقد أن الإصلاح في مصر ليس من قبيل السهل الممتنع بل هو من قبيل الصعب غير الممتنع، لسبب واضح هو أن معوقات الإصلاح باتت من التعدد والتداخل والتركيب بحيث أصبحت في الواقع في درجة من درجات التعقيد التي لا يمكن أن تتتابع معها الخطوات الصحيحة (وبسرعة) اذا بدأنا في اتخاذ خطوة واحدة صحيحة. ولعل فيما ضُرب لنا من أمثلة علي سهولة الإصلاح في مجالات التعليم والفكر الديني والإصلاح الاقتصادي خير شاهد ودليل: أولاً - بدايةً أزعم أنه لا توجد حلول سهلة حتي لبعض مشكلات التعليم مثل المناهج أو إعداد المدرسين أو أحجام الفصول... إلخ، ونهايةً ليست هذه المشكلات هي اصل الداء ولا منبع الدواء.أزمة التعليم في مصر، سنامها هو كيفية تهيئة العقل المصري للتفكير العقلاني وليس العاطفي (كما أوضحه فيلسوفنا الكبير د. ذكي نجيب محمود) وتكوين مدرسة للتعليم المصري مثل المدرسة العسكرية المصرية وأختيها مدرسة الري ومدرسة الطب واللتين كانتا موجودتين في السابق. ثانياً - لما كان الفكر الديني أساسا هو جزء من الفكر الجمعي للأفراد، فان إصلاح التعليم بالمعني السابق بيانه سيسهم بالضرورة في إصلاح الفكر الديني شريطة ألاّ يستقل دارسو العلم الديني عن أقرانهم في المراحل قبل الجامعية، وهي المراحل التي يتشكل فيها التفكير والإدراك والسلوك الجمعي. ولا أعتقد أنه ثبت حتي الآن علي الأقل في مصر حدوث تحسن واستقامة للتفكير الديني بمجرد تحسن الظروف الاجتماعية والاقتصادية، فتحسن هذه الظروف كان ويمكن أن يكون عاملاً مساعداً أو معجلاً لا أكثر (إلا عند اصحاب مدرسة فلسفية محددة). وأزعم أن جدلية «فكر الفقر وفقر الفكر» لمفكرنا وأديبنا الكبير د. يوسف إدريس قد حُسمت لصالح اعتبار فقر الفكر هو المحرك الأساسي في علاقة السببية بين الاصطلاحين. ثالثاً - في المحاولات العديدة للإصلاح الاقتصادي فقد وضعنا علي طول تاريخنا كل أنواع الخطط؛ القصيرة والطويلة، المتحررة والمقيدة وتلك التي تجمع بين الاثنين ولم يؤت الاصلاح الاقتصادي بثماره المنتظرة، لا بل ازداد الوضع الاقتصادي سوءا. المشكلة هنا إذن ليست في خطة جديدة بل، كما أوضحت في البداية، هي في التداخل والتشابك والتعقيد لمشكلات الأوضاع المجتمعية بحيث لا يمكن أن تظهر نتائج معتبرة للإصلاح في أي من جوانبه إلا بدايةً بفك هذا التشابك والتعقيد عن طريق الإصلاح المتزامن للمشاكل الأساسية الحاكمة، وبذلك تتفكك الحلقة المفرغة للمعوقات . وللوصول الي هذه النتيجة، فالأمر يحتاج الي شرح وتفصيل للخطوات المطلوبة، وترتيب أولوياتها، وأماكن وأوقات تطبيقها، وتوفير الكفاءات اللازمة لتنفيذها، والمناخ والرأي العام الضامن لنجاحها وهي كلها أمور وإن كانت صعبة فإنها بالتأكيد غير ممتنعة، وهو ما قد افصله في مقال قادم بإذن الله. لمزيد من مقالات ◀ علاء عبدالعليم