طبل ورقص وزمر وزغاريد, تزف جنازة أحد الأموات بصعيد مصر, تلف علي صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت وتدور في وسائل الإعلام. مشاهد لا تقبلها فطرة سوية ولا دين قويم.. بل هي إحدي شطحات الدراويشب و المجاذيبب ليعلنوا أن ميتهم أحد أولياء الله الصالحين. صور صادمة تشوه صورة الإسلام بعجز العقل عن ربطها بالولاية المزعومة للميت, وتحار الأفئدة من صدور مثل هذه التصرفات في بلد الأزهر منارة الدين والعلم في العالمين العربي والإسلامي واستنكر العلماء مثل هذه الأفعال وأكدوا أن الإسلام برئ منها, وأن هؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال المخالفة للشريعة والسنة, يتلاعبون بالدين ويشوهون الإسلام بل انهم يسيئون إليه, ويجب أن يعودوا إلي الله ويتوبوا إليه, وطالبوا بالتحقيق في هذه المهازل المخالفة لكتاب الله وسنة نبيه صلي الله عليه وسلم أين الدعاة؟ ويقول الدكتور عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر, إن الله تعالي جعل الموت عبرة, قال تعالي:( هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا), ولذا شرعت زيارة القبور لهذه العبرة, ولا يتصور أحد في زماننا بلغ معشار ما بلغه الصحابة من الورع والتقوي, لأنهم خير القرون علي الإطلاق, وقد شهد الرسول صلي الله عليه وسلم لكثير منهم بالجنة, بل إن بعضهم كان عزيزا علي ربه, كسعد بن معاذ الذي اشتد زحام ملائكة الرحمن الذين حضروا لشهود جنازته, ومع هذا لم ير طبل ولا مزمار ولا زغردة في جنازته, ومن ترهات زماننا أن من حفظ القرآن صغيرا, وظهرت له بعض الأمور الموفقة, اعتبر وليا, ووصف بها, وبني المغلوبون علي قبره ضريحا يطاف به, وتؤدي له النذور في الصناديق المشدودة إلي ضريحه, إلخ الأجرومية المعروفة من صنع الموالد والرجبيات ونحوها, وتلك بدع هي أقرب ما يكون إلي الشرك بالله تعالي, فلا يستطيع أحد كائنا من كان أن يقطع بأن أحدا من الناس ولي الله, ولا يغلب علي الظن أنه كذلك, وتلك من الغفلة, فضلا عما يجب في تشييع الميت من السير بوقار واعتبار واستغفار لله. والسؤال الذي يطرح نفسه, أين الدعاة من هذه المنكرات التي تمت تحت سمع وبصر الكثيرين منهم, حيث لم نسمع من أحد منهم أنه أوقف أو زجر هذه المنكرات. يقول الدكتور مختار مرزوق عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر فرع أسيوط, إن ما تناقلته وسائل الإعلام في الأيام الماضية من الطبل والزمر والزغاريد خلف جنازة في محافظة سوهاج, يدل علي عدم معرفة الآداب والسنن التي علي من يشيع الجنازة أن يقوم بها, وأن يتجنب البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان, فإن من السنة علي من يمشي خلف الجنازة أن يصمت, وأن يتجنب الكلام حتي يتذكر ويتعظ بهذا الموقف, ولا سيما إن كان الأمر يتعلق بأمور الدنيا, ولكن إذا أراد الإنسان أن يتكلم فليكن كلامه عن تشييعه الجنازة بذكر الله عز وجل, أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لأن المقام هو مقام عظيم تتعظ به النفوس, وقال أهل العلم:( من لم يكن له الموت واعظا فلم تنفعه المواعظ). ليس من الإسلام ويضيف: مصاحبة الجنازة بالأشعار وبالطبل والزمر ليس من الإسلام في شيء, فلقد كانت هذه العادة موجودة في كثير من البلاد في صعيد مصر, ولكننا من خلال الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة, لم نعد نري مثل هذه الأشياء منذ أكثر من40 عاما, والأمر الذي رأيناه صادما للجميع, ثم إن هناك أناسا يتكسبون من وراء هذه الأشياء ويجب علي الدولة أن تمنع كل المخالفات التي تخالف الشريعة الإسلامية, وهذا هو واجبها, بل أننا نري كثيرا من المشيعين لا يعرفون كيفية صلاة الجنازة, وكثير منهم إذا عرفوها فإنهم لا يقومون بها, مع أن النبي, صلي الله عليه وسلم, قال:( من صلي علي جنازة ولم يتبعها رجع من الأجر بقيراط, ومن صلي عليها واتبعها إلي أن تدفن, رجع من الأجر بقيراطين, قيل وما القيراط, قال أحد الصحابة: مثل جبل أحد) ورد في الصحيحين. ومن السنن التي نعظ بها إخواننا الذين يشيعون الجنازة أن يقفوا أمام قبر المتوفي بعد دفنه, وأن يستغفروا الله له, فقد قال النبي, صلي الله عليه وسلم, لأصحابه بعد أن دفن أحد الأموات:( استغفروا لأخيكم فإنه الآن يسأل), ومن خلال هذه التعاليم النبوية الشريفة يتضح لنا أن الموقف موقف عظيم. وطالب المسئولين بالتحقيق في هذه الواقعة, حتي لا تشيع وتنتشر في البلاد, كانتشار النار في الهشيم, بعد أن قضينا عليها عقودا طويلة من الزمان. ويضيف الدكتور مختار مرزوق أن تصوير الجنائز بالصورة التي رآها الناس علي الفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعي بعيد عن آداب الشرع مع الجنائز فهذه الأشياء التي تجري بين الناس مدعاة للافتخار والتباهي علي الآخرين, بل إن بعضه يشغله التصوير عن صلاة الجنازة, والمفترض في المسلم الحق, أن يحضر الجنازة لثلاثة أمور: للصلاة عليها, ولتوديعها إلي القبر, ثم الاتعاظ للموت. والنواح حرام شرعا وأشار إلي أن البكاء علي الميت, أمر قد أجازه الشرع, فقد بكي النبي, صلي الله عليه وسلم, كما ثبت في الصحيح علي ابنه إبراهيم عليه السلام, فلما رآه الصحابة علي تلك الحال, قال النبي, صلي الله عليه وسلم:( إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا, وإنا علي فراقك يا إبراهيم لمحزونون), أما النواح فقد حرمه النبي, صلي الله عليه وسلم, تحريما باتا, فلا يجوز لمسلم أو مسلمة أن ينوح علي الميت, بل عده النبي, صلي الله عليه وسلم من أمور الجاهلية, فقال صلي الله عليه وسلم:( أربع في أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم, والنياحة), كما قال صلي الله عليه وسلم في الحديث نفسه:( والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب) رواه الإمام مسلم في صحيحه, ومن هذا الحديث الصحيح يتبين لنا حرمة ما تقوم به بعض النساء من نياحة علي المتوفي وهو موجود إلي الآن في كثير من البلاد. كرامات الأولياء من جانبه يقول الدكتور رمضان عبدالعزيز عطا الله رئيس قسم التفسير بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر, إن المولي تعالي شرع للإنسان بعض العبادات التي يسعد بها في الدنيا والآخرة, وذلك لأن الإنسان هو من أفضل وأكرم المخلوقات التي خلقها المولي عز وجل في هذا الكون, وشرع له أيضا بعض العبادات التي يتقرب بها إلي الله تبارك وتعالي زيادة علي الفرائض, حتي يصل إلي درجة من درجات القرب عند الله تبارك وتعالي, وحتي يقال عنه إنه من أولياء الله الصالحين, فالولاية لها شرطان: الإيمان والتقوي: فقال الله تعالي:( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون) فالولي هو من تولي شرع الله بالتنفيذ ومن تولاه الله بالعناية والرعاية, وللأولياء كرامات يظهرها الله علي أيديهم في هذه الحياة, وذكر القرآن الكريم طرفا منها في قصة مريم عليها السلام, وفي قصة الخضر مع سيدنا موسي عليه السلام, وفي قصة أصحاب الكهف, وذكرت السنة النبوية طرفا من هذه الكرامات التي يجريها المولي تبارك وتعالي علي أيدي عباده, بشري لهم في الحياة وبعد الممات, ولكن بين الحين والحين, يظهر بعض المنتفعين الذين لا علاقة لهم بالدين يقولون بأن هذا الميت الفلاني هو من أولياء الله الصالحين, ويحدثون بعض الأفعال التي لا تمت إلي الدين بصلة. آداب الجنازة وأضاف: إن الجنازة لها آداب ينبغي أن يراعيها الإنسان, أهمها الصمت وهؤلاء الذين قاموا بالطبل والزمر والرقص لا علم عندهم ولا فقه لديهم مما يدل دلالة واضحة علي أنهم لا علاقة لهم بدين الله أو شرعه, ومن آداب الجنازة أيضا الإسراع بدفنها كما ورد في الحديث, فإذا كانت صالحة وجدت الخير عند الله, وإذا كانت غير ذلك فشر يضعه الناس عن أعناقهم, وهؤلاء الذين يقفون بالجنازة ويشعلون النيران, ثم يقومون بالرقص والطبل والزمر, خالفوا سنة النبي, صلي الله عليه وسلم, مما يدل علي أنهم لا عقل عندهم, ولا فقه لديهم, وهم بعيدون عن منهج الله وسنة رسوله.