بينما الحاضر يقف مكبلا على عتبات التاريخ يحاول استشراف ملامح المستقبل بلا جدوى، خرج شباب مصر فى 25 يناير ليقلب المعادلة رأسا على عقب، متجاوزا كل مدارات السرب المحلق فى فضاءات الوطن، ليصنع تاريخًا جديدًا، متحديًا كل إكراهات الواقع وعقباته. إذا كانت مفاهيم الصراع الاجتماعى ومنطلقاته تنشأ وتتبلور فى ضوء العلاقة بين المركز بكل ما يمثله من مؤسسات السلطة وأدواتها، والأطراف بكل ما تمثله من تكتلات وحركات سياسية وحزبية، فقد خرج شباب مصر من مناطق أخرى نشأت بعيدًا فى الهامش، بفعل عجز الآخرين عن التواصل معه، أو تقديم حلول لاشكالياته المزمنة، غير مدركين أنه يمتلك بنية يمكن فى حال تنظيمها أن تشكل قوة تمثل تهديدا لسلطة المركز وقدرة على تعطيل فعاليته الميكروفيزيائية، وهو ما حدث فى 25 يناير، وتكرر فى 30يونيو 2013. ويبقى تحقق المشاركة الفعالة رهنًا بتوظيف تلك الكتلة الأدائية الفاعلة الممثلة فى شباب مصر، عبر تشكيل وعى جمعى من خلال تفكيك ال «أنا» فى سياق مشروع وطنى لا يحل محل الذات، وإنما يتمركز حول مجموعة من الأحلام والطموحات التى تقع خارجها، فيحققها أى الذات ويرتقى بها فى مدارج التقدم والازدهار . على سبيل المثال، نشأت روابط الألتراس بحثا عن تلك الذات المنسحقة تحت وطأة الأحلام المؤجلة، ونتيجة لعجز «الأنا» عن تحقيق الذات لأسباب خارجية قاهرة، كان الاتفاق الجمعى على تفكيك الأنا وصهرها فى بوتقة واحدة تسعى لتحقيق انتصار رمزى يتجاوز فى دلالته المشهد الرياضى الكلاسيكى بكل أبعاده، حيث خرج شباب مصر من الهامش بكل آلامه وانكساراته تعبيرًا عن ذلك الصراع الوجودى المحموم مع المركز، وتجسيدا لانزياحات الألم الذاتى باتجاه خلق واقع جديد تبرز تشكيلاته من خلال استدعاء كل مبررات الحياة وأحلام الواقع المستلب واسقاطها على الفريق المنتصر، فى تصاعد مأزوم يعكس حالة من الاغتراب النفسى، ليتولد فى الذات المنغرسة فى آلام الواقع غضبا دفينا ورفضا لكل أنواع الوصاية، فى هروب قصدى يحاولون من خلاله استكناه الممكنات لذات جماعية تبحث عن واقع جديد. فماذا لو نأخذ من التجربة إيجابياتها، ونقطف أولى ثمار الجماعية، ماذا لو خرج من كل قرية، وكل منطقة وحارة فى مصر روابط ألتراس تحمل اسم القرية أو المنطقة، وتبدأ منافسة من نوع جديد: تجميل وتنمية وصناعات صغيرة ومعارض وصالونات فكرية ومنافسات رياضية، ومهرجانات ترسم البهجة وتمنح أملا فى المستقبل، بل وتصنع هذا المستقبل بعيدا عن إكراهات البيروقراطية، والصراعات السياسية التى مزقت أوصال الوطن، وصنعت يأسًا من الخلاص. هنا تتماهى المشاركة ونسق الحراك الجماعي، ليتخذ شكل الدلالة والقانون والهوية، وهو ما يعالج انسحاب الذات الهامشية التى تعانى هذا النوع من الغياب أو التيه الذى تقاطع جزئيّا أو كلّيّا مع كلّ دلالات الوعى الجماعي؛ وهو ما يؤدى إلى خلخلة حالة القلق والغربة، ويخلق فضاءً مغايرًا يفضى إلى جواب حقيقى عن إشكالات الواقع وهمومه. فيتشكل وعى جديد يعبر عن المجموع الكلى للعمليات العقلية التى يتمكن بواسطتها الإنسان من إدراك الواقع والتفاعل مع مكوناته، لكونه - أى الوعى - شكلا متقدما من أشكال انعكاس الواقع الموضوعى الذى يتفاعل معه الإنسان فى ضوء أهدافه ومنطلقاته، وبالتالى يصبح قادرًاً على كشف أولوياته لكونه نتاجاً من نتاجات التطور الاجتماعي. يستطيع شباب مصر عبر اقتحام فضاءات المشاركة، أن يصبح رقما رئيسا فى المعادلة، وأن يفرض املاءاته، ويصلح ما أفسدته الصراعات السياسية، فقط عليه أن يأخذ زمام المبادرة، وأن يشارك بقوة، وقتها سيعمل له الجميع ألف حساب، لأنه بات ببساطة يحمل فوق سواعده أحلام وطن، ومقدرات أمة باتت تستند إليه، لما يمتلكه من بنية كيفية تعبر عن مجموعة من العناصر المتماسكة فيما بينها، ودينامية تستطيع الفكاك من مخالب الواقع، وشراك الانتهازية، فلا يقف منبهرًا بتجارب غيره من الأمم والشعوب، لأنه يستطيع أن يفعل أكثر من هذا بكثير، ولأن التاريخ يقول إنه يفعل متى أراد، فمنذ فجر الضمير الإنسانى خرج شباب مصر عن تابوهات الزمان وعوائق المكان، فصنع حضارة أذهلت الدنيا، وقهر المستحيل حين أدرك أنه أى المستحيل لا وجود له سوى فى خيال البائسين، وأوهام الضعفاء. إن معركة المشاركة، وإزاحة كل قيود الماضى هى المعركة الأهم، ليخرج شباب مصر من غيابات جب الانسحاق والانسحاب، بكل ما يعنيه ذلك من تشكل ذوات أدائية فاعلة ضمن تلك الكتلة البشرية الهائلة، تتمركز حول مشروع وطنى شامل تتصدر من خلاله المشهد المصري، لتعلن قوة منظمة تخرج من الهامش، ويمتد نشاطها إلى مساحات مغايرة لما هو متوقع، فتتجاوز فى حراكها محدودية تأثير الأجهزة البيروقراطية، وهو ما يمنح مصر الثورة رئة جديدة للتنفس، بظهور نموذج غير مألوف لشباب أدرك أن الوطن هوية وانتماء، وأن البكاء على اللبن المسكوب لن يجدى نفعا، وأن عليه استغلال كل الفضاءات المفتوحة، وقد أصبح المجال العام مفتوحا أمام كل المبادرات، فقط عليه أن يعلم أنه بجوار النافذة المطلة على عوالم الأحلام أبواب غير موصدة، متى تجاوزها أصبح سيدًا فى وطن بلا عبيد. لمزيد من مقالات د. سامح محمد إسماعيل