تتمتع مكتبة الإسكندرية بإمكانيات ضخمة ترشحها لتكون المنبر الثقافى والحضارى الأهم فى مصر والعالم العربى ، فهى ذاخرة بالباحثين من ذوى الخبرات الرفيعة ، كما تمتلك المكتبة القدرات المالية التى تمكنها من الاستعانة بأصحاب الخبرات النادرة ، سواء لتدريب باحثيها أو لمراجعة أعمالها، وقد تمكنت المكتبة فى غضون سنوات قليلة الوصول لمركز متميز فى المحفل الثقافى العالمى ، فصارت وبحق أحد أبرز الجسور التى تربط الشرق بالغرب .والمكتبة تتنوع مشروعاتها بين إصدارات كتب تاريخية، إلى توثيق تاريخ دور صحفية، إلى عقد ندوات وأنشطة متنوعة أخرى ، ومن أبرز أنشطتها موقع «ذاكرة مصر المعاصرة» الالكترونى ، الذى يحتوى على عدد كبير من الصور، بالإضافة لالاف الوثائق والصحف والمجلات والطوابع والمعلومات التى تتناول الحياة فى مصر خلال قرنين.وكنا نأمل أن يصبح موقع ذاكرة مصرالمعاصرة الذى تشرف عليه مكتبة الاسكندرية مرجعاً للكتاب والصحفيين، والإعلاميين ، والدارسين العرب والإجانب، ولكن للأسف الشديد تمتلئ جنبات موقع الذاكرة بكم هائل من الأخطاء التاريخية، التى تراكمت منذ تأسيس الموقع ليتحول لفخ للباحثين والدارسين وعشاق التاريخ.وبنظرة شاملة على الموقع نجد أن أخطاءه تتجاوز الحدود المسموح بها لمشروع توافرت له كل الإمكانيات المادية والبشرية والمعنوية، لتقديم خدمة ثقافية متميزة، فيما كان هدف المكتبة منه أن يكون الموقع مرجعاً تاريخياً وثائقياً يعتد به لدى الباحثين والدارسين، لا أن يكون هو نفسه مصدراً للمشاكل التاريخية .وأخطاء موقع ذاكرة مصر المعاصرة التابع لمكتبة الاسكندرية تتنوع وتنتشر فى كل أقسام الموقع ، فنجد أخطاء فى التعرف على الصور الشخصية المنشورة على الموقع ، وأخطاء أخرى فادحة فى تعليقات الصور، وتضاربا فى وضع الصور فى أماكنها الصحيحة ، وتناقضات فى المعلومات التاريخية الواردة فى الصفحة الواحدة ، وأحيانا الفقرة الواحدة ، وأحيانا الاعتماد على حكايات وشائعات للتوثيق دون التأكد من صحتها .
وعلى سبيل المثال لا الحصر نرصد جزءا من هذه الأخطاء التاريخية التى يمتلئ بها موقع ذاكرة مصر المعاصرة:
تناقضات تاريخية فى نفس فقرة الكتابة:
أولاً: فى موضوع الملك أحمد فؤاد الثانى نجد فقرة تقول: (بعد عزل فاروق وتنازله عن العرش لابنه)
وهنا لايجوز الجمع بين الحدثين ( العزل والتنازل )، فإذا كان فاروق قد تم عزله فإنه لايملك أن يتنازل عن الحكم لولده، واذا هو تنازل إذن فانه كان ملكاً يملك واستخدم حقه فى منح العرش لابنه .
ثانياً: فى موضوع الأمير عمر طوسون نجد الفقرة التالية:
(ولد الامير عمر طوسون فى مدينة الاسكندرية يوم الأحد الموافق 5 رجب 1289/ 8 سبتمبر1872 وهو الابن الثانى للأمير طوسون بن محمد سعيد بن محمد على، والدته هى الأميرة فاطمة اسماعيل 1853- 1920 إحدى بنات الخديو اسماعيل تزوجت عام 1871 من الامير طوسون بن محمد سعيد والى مصر، توفى والداه وهو فى الرابعة من عمره فربته جدته لابيه وأشرفت على تعليمه).
والتناقض هنا انه بلغ عامه الرابع عام 1876 وكانت والدته الاميرة فاطمة على قيد الحياة طبقا لتاريخ وفاتها المذكور فى الفقرة فلماذا ذكر الباحث انها توفيت ، وان جدته تكفلت به، مالم تكن فاطمة اسماعيل هى ليست والدته وإنما هى زوجة ابيه والسؤال يحتاج الى إجابة من الفريق البحثى فى المكتبة.
توثيق دون سند تاريخى معتبر:
ومن الأخطاء الفادحة التى وقع فيها موقع ذاكرة مصر المعاصرة أن بعض الشائعات التاريخية التى ليست لها أصول وثائقية معتبرة، ختمتها المكتبة بختم التاريخ دون سند أو دليل مادى ، لتجعل من نفسها مصدرا للدارسين العرب والاجانب لوقائع ليست سليمة مثل ما ذكر فى صفحة أحمد حسنين باشا فجاء على الموقع ما يلى:
أصبح أحمد حسنين رئيسا للديوان الملكى وتزوج من الملكة نازلى ( أرملة فؤاد )
ولم يكن من حق المكتبة أن تكتب هذه الجملة مالم يكن فى أرشيفها عقد الزواج الأصلى أو على الاقل نسخة منه بين كل من أحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى ومن الملكة نازلى.
ومن أمثلة أخطاء الصور:
مثلا نشر صورة لشخص واحد فى مكانين وفى كل مكان يطلق عليه اسم مختلف عن الثانى، ونجد مثالا لهذا فى صورة نشرت فى ملف الخديو توفيق، وكتبت تحتها أنها للخديو توفيق ثم نشرت نفس الصورة فى ملف السلطان حسين كامل وكتبت تحتها إسم السلطان حسين كامل
وفى المكان الخاص برؤساء الوزارة، نجد مثالا آخر، صورة خطأ لمصطفى باشا فهمى وهى ليست مجرد خطأ عادى، فإن النظر إلى الصورة الخطأ وسط الصورة التى قبلها والصورة التى بعدها، تكشف عن طريق الملابس أن الصورة لابد أن تكون خطأ لعدم تناسبها مع ملابس عصرها، وبالتالى لا تحتاج الصورة إلى خبير فى الصور القديمة لاكتشاف انها خطأ بل تحتاج لمجرد شخص يمتلك رؤية.
تناقضات تاريخية وغياب الرؤية والمراجعة
ومن مشاكل الموقع التى تؤكد أنه يفتقد للرؤية والمراجعة مع كثرة التناقضات التاريخية:
أولاً: نجد فى صفحة الملك فؤاد أنه أنجب أربع بنات وولدين، هما فاروق الذى تولى العرش وإسماعيل الذى توفى صغيراً، بينما فى صفحة الملك فاروق ابن الملك فؤاد نجد عدد البنات خمس وولد واحد هو فاروق، والسؤال إذا اراد باحث أومثقف معرفة كم عدد من أنجب الملك فؤاد من البنات ومن البنين، فأى الصفحتين تكون هى الأصح تاريخياً، أم إن الصفحتين بهما أخطاء وتحتاجان للتصحيح.
ثانياً: وهو نفس الامر الذى نجده فى موضوع الوصاية على عرش الملك أحمد فؤاد الثانى، فنجد فى صفحة الملك فاروق أن الامير محمد على كان وصياً على إبنه أحمد فؤاد الثانى، بينما فى صفحة الملك أحمد فؤاد الثانى نجد مجلس الوصاية عليه كان يتكون من الامير محمد عبدالمنعم وبهى الدين بركات ورشاد مهنا .
ثالثاً: وفى موضوع حريم الحكام نجد مفارقات عجيبة فالموقع يشير إلى أن والدة توفيق كانت احدى محظيات الخديو اسماعيل، بينما ذكر الموقع أن والدة فؤاد هى زوجة الخديو اسماعيل، والواقع أن كثيرا من أمهات أبناء الخديو اسماعيل، كنّ من الجوارى اللاتى تحولن إلى مستولدات بعد إنجابهن، وأن والدة توفيق تحديدا تزوجها الخديو اسماعيل بعقد رسمى فى عقب تولى الامير توفيق منصب ولى عهد مصر، ولذا كنا نتمنى أن يكون هذا الموضوع الشائك له فلسفة ورؤية حين يتم ذكره لأن الألفاظ قد تؤدى لأخطاء تاريخية .
نقل واقتباس من المصادر دون فلسفة أو توثيق:
وهنالك حالة من النقل فى الموقع لأجل النقل وزيادة كم المحتوى دون أى رؤية ومن أمثلة هذا النقل كتاب صدر باللغة الانجليزية عن عصر الخديو عباس حلمى الثانى، تم نقل معظم صوره إلى الموقع كما هى دون وعى أو منطق تاريخى، ومن أمثلة ذلك فى باب «المندوبون الساميون» فى عهد عباس توجد ثلاث صور واحدة للورد كرومر والثانية لجورست والثالثة بدلا من أن تكون لكتشنر ثالث من تولى المنصب فى عهد الخديو عباس الثانى، نجد الصورة الثالثة لزوجة جورست التى لم تتول منصبا رسميا ، ولكن لأن الكتاب نشر هذه الصور الثلاث فقد تم نقلهما كما هى دون أى تدخل من القائمين على الموقع لنشر المناسب والصحيح لطبيعة الموقع فى ظل عدم الاشارة لمصدر هذه الصور.
أخطاء الكتب الفادحة:
وقد تسللت أخطاء الموقع الى الكتب الصادرة عن المكتبة والتى تكلفت الملايين وتوضع نسخ منها فى كبرى المكتبات حول العالم ، باعتبارها نموذجية فى التوثيق لتاريخ مصر الحديث، وعلى سبيل المثال الكتاب الصادر عن تاريخ مجلس الشورى الذى صدر بالتعاون مع المجلس وبه قائمة من الكتاب والمراجعين، تجعلنا لا يتسلل لنا أدنى شك حول وجود أدنى خطأ وهو غير صحيح للأسف ، فنجد مثلا صورة مكرم عبيد مكتوبا تحتها أنه كان عضوا فى لجنة الثلاثين التى وضعت دستور 1923 ومن المعروف أن مكرم تم نفيه مع سعد باشا زغلول وأن سعد باشا كان يهاجم اللجنة التى وضعت دستور 1923 ، وكان لها وصف شهير بأنها لجنة الأشقياء هذا الى جانب أخطاء اخرى ربما تدفعنا لنشر موضوع تال عن أخطاء الكتب .
أخيراً..
ربما تكون المعضلة الحقيقية هى قرار المكتبة تنظيم معارض خارجية لنشر تاريخ مصر وذلك للمصريين فى الخارج، واذا كان للباحثين فى مصر فرصة للتعرف على هذه الاخطاء، فإنه بالتأكيد سيكون الامر بالغ الصعوبة للمصريين فى الخارج ، كما أنه لن يتبادر لذهن عاقل أن موقع مكتبة الاسكندرية به أخطاء تاريخية فادحة قد تشوه تاريخ بلادهم فى ذاكرة ابنائهم .
إن الأخطاء فى الموقع كثيرة تتعدى الالاف فمن النادر أن تجد موضوعا أوصورة بلا أخطاء، وأعتقد أن تصحيح الموقع يحتاج لسنوات ، لذا حفاظا على المال العام أرى أنه من الأنسب غلق الموقع ، وإعادة بنائه من جديد وفق أسس ورؤية، ونقترح أن يحتذى الدكتور اسماعيل سراج الدين بجمعيات حقوق المستهلك وذلك فى تعامله مع الباحثين والدارسين، فيحترم حقوقهم فى المعرفة ويصدر بيانا يعتذر فيه لهم، ويغلق الموقع ويحول الموضوع برمته إلى جهات التحقيق المختصة لاتخاذ إجراءات فاعلة وفعلية ضد العابثين بتاريخ مصر.