أقف بين نارين حائراً من أين آتيك يا مصر، يا مالكة قلبى منذ الطفولة، يا عروس النيل؟ أى جبهة تحميك لأقف إلى جانبها؟ أى صف يحكى عن وجع وطموح الشباب فأشعر أنه يمثلنى بحق؟ أنا عربية، مصر أمي، وهما يؤرقنى فكيف أستريح لأنام؟ خائفة عليها، تائهة أحاول أن أجمع بين أهلها وأن أقف عند نقطة الانطلاق الصحيحة كى نمشى معاً جميعاً- نحو غد أفضل. مستحيل أن نجتمع جميعاً على رأى واحد، ولا يجب أن يكون هناك رأى واحد وخط واحد، وإلا وقعنا فى الديكتاتورية المطلقة، والصوت الواحد أو الصوت الميت أمام جبروت القبضة الواحدة. ما يحدث اليوم هو جزء من مخطط كبير يتم تنفيذه فى الداخل، أم هو من صنع أهل مصر أنفسهم؟ حين أتأمل المشهد السياسي، والذى أصبح خبزنا اليومى وتحولت حياتنا العادية إلى كتلة من الكلام فى السياسة، وكل ما فيها يتأثر مباشرة بالأحوال العامة فى البلاد، وكل فرد اكتشف فجأة أنه فقيه فى السياسة، وكلام المقاهى أصبح «دردشات سياسية»، والبرامج التليفزيونية كلام وكلام وكلام.. وطلبة المدارس والجامعات «مسيَسون» أيضاً.. حين أتأمل هذا المشهد أشعر بخوف وشيء من الحيرة، أخاف على بلدى وأخشى ان نقع فى آتون الإرهاب الذى يسعى أن يزعزع أمن مصر بكل ما أوتى من قوة وقوى. صدور حكم البراءة على الرئيس الأسبق حسنى مبارك وابنيه ووزير داخليته ومساعديه، أعاد تفرقة الناس وفرزهم بين «فلول» و»موال» و»خائن» و»ثوري».. عادت التسميات وتصنيف البشر والاتهامات تلقى هنا وهناك لينقسم الأصدقاء وأهل البيت من جديد. من يتذكر الشهداء وينادى بالقصاص لقتلتهم، يرى فى «البراءة» ظلم وإعادة قتل الشهداء مرة ثانية. ومن يوافق على الحُكم يدرك جيداً أن هؤلاء ارتكبوا جرائم بحق مصر كمجتمع وأوصلوها إلى حال الانهيار والضعف فنهش الإخوان جسدها واستغلوا الضعف والوهن والانهيار ليلعبوا على الحبال ويكونوا الطرف الثالث الذى يقتل الطرفين الآخرين ويسيطر على الحكم ويتحكم بالناس.. لكن هؤلاء المتهمين خلف القضبان لم يأمروا بالقتل كما يرى هؤلاء. من رجع إلى الوراء خطوة يوم صدور «البراءة» ليحكم عقله لا عواطفه؟ من تحلى بالصبر ليقرأ المشهد من كل الجوانب ويفهم ما قاله القاضى كلمة كلمة؟ العزة تأخذ الناس فيغضبون لأنهم أصدروا حكمهم الشخصى على مبارك منذ سجنه، ولم يعد لديهم أى استعداد لإحكام العقل أو سماع أى صوت غير صوت رغبتهم بالقتل. فهل الحكم بالمؤبد أو الشنق كان هو القصاص العادل؟ وأين الدليل القاطع بأنهم أصدروا أوامرهم بالقتل؟ هناك أدلة كثيرة تؤكد أن طرفاً ثالثاً أوقع بين الشرطة والثوار، أين الطرف الثالث ولماذا لم يعد أحد يتحدث عنه ونسيه الناس؟ «الإخوان» ومخابرات الدول المساندة لهم والساعية إلى خراب مصر، يحاولون بلا ملل زرع الفتنة كى تقوم حرب أهلية، ولعل النماذج فى الدول المجاورة تعطى لمن لا يدرك ولم يفهم بعد، صورة عن أشكال الحروب كيف يبدأها أطراف وتتحول إلى حرب أهلية تقضى على الأخضر واليابس وتترك بلاداً قائمة على الأنقاض وجثث الأموات والشهداء الأبرياء. فهل نترك لهم مصر لقمة سائغة ونحن نتصارع على الفتات وننصب أنفسنا فى كل المناصب لنصدر الأحكام ولا نرى ما الذى يحصل حقيقة أمامنا وعلى بعد أميال قليلة من بيوتنا؟ ماذا يحصل فى المدارس والجامعات؟ من يخترق عقول الطلبة ويخترق أمن المؤسسات التربوية كى يزرع الفتنة ويزرع الموت؟ هؤلاء الذين يتسللون إلى عقول الشباب، يراهنون للأسف على بعض المثقفين أيضاً، ويتسللون إليهم من أبواب غير مباشرة مستغلين نزعتهم للثورة، كما فعلوا فى 25 يناير، حين استغلوا الثورة ولبسوا ثوبها ومشوا فى الشوارع يهتفون مع أبنائها، ثم انقلبوا عليهم وعليها وسقطت الأقنعة حين سيطروا على الحكم. ارجعوا قليلاً إلى الوراء، فمنذ قيام ثورة 25 يناير، والعواصف تأخذنا فى اتجاهات متناقضة، حتى وصلنا إلى 30 يونيو ومن بعدها ساد التفاؤل من جديد وشعر أهل مصر ومعهم كل عربى مخلص أن الانتخابات الرئاسية هى انتصار حقيقى على الإرهاب وعلى التنظيمات التى كانت تسعى إلى السيطرة على الحكم أولاً ومصر بأكملها ثانياً. ولو استطاعت تلك الجماعة والتنظيمات الخارجة من رحمها، من النجاح فى إحكام قبضتها على بلاد طيبة، لقلنا على العالم العربى السلام. وصول الرئيس عبد الفتاح السيسى إلى كرسى الرئاسة فتح أبواباً خارجية أمام مصر، وحرّك عجلة الحياة فى الداخل، وبقيت قلة قليلة تعاند وتحاول إحباط الاستقرار الأمني. لذا نقولها من جديد: وحدة العمل بروح وطنية خالصة، وبإحكام العقل والوعي، يمكِن مصر من الخروج من الأزمة وانتصارها اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا تفرقة الصفوف تُضعف البلاد وتعيدها سنوات إلى الوراء كى يسود الطرف الثالث من جديد. هذا لسان حال كل شاب وفتاة عربية ينظرون إلى المشهد من بعيد ويدركون أن مصير بلادهم مرتبط بمصير مصر، وأن أمن وأمان مصر هو أمن لكل هذه الأمة التى بدأت تتبعثر أوراقها، وتتفتت جغرافيتها وتقسمت إلى شيَع وأحزاب لا هدف وراءها سوى نشر الخراب. فلتكن للقضاء كلمته، ولتعمل الأجهزة المعنية على الكشف عن هوية مرتكبى جرائم القتل من الطرف الثالث حتى تبرد نار أهلهم وذويهم، ولينصرف الشعب إلى العمل لأجل نصرة مصر الحياة. لمزيد من مقالات مارلين سلوم