بث مباشر| انطلاق مؤتمر التنوع البيولوجى بحضور الرئيس السيسى    تباين أسعار العملات.. الدولار يسجل 17.78    محافظ البحيرة يستقبل وزير الرى لافتتاح محطة طابية العبد الجديدة برشيد    الفاكهة تستقر.. واليوسفي ب6 جنيهات    بالصور.. محافظ البحر الأحمر يتابع إنشاء المدينة الصناعية بالغردقة    الإسكان: الانتهاء من تنفيذ 16608 وحدة ببدر    "حماية المستهلك" يُعلن الحرب على مافيا قطع الغيار المغشوشة    خالد بن سلمان يكشف حقيقة استدراج خاشقجي لتركيا    رئيس الصين يحذر من تأثير السياسة الحمائية على النمو العالمي    الأرجنتين تعلن العثور علي حطام الغواصة المفقودة منذ عام    إشارة "أجيرى" تشعل غضب الاتحاد التونسى    تقديم موعد مباراة الأهلى و«ذئاب الجبل»    وزيرة الهجرة: متعلقات ومستحقات الصيدلي المقتول بالسعودية ستعود لأسرته    اليوم.. الحكم على المتهمين ب"خلية طنطا"    النشرة المرورية.. سيولة مرورية وانتظام في حركة السيارات    ضبط 8 قطع سلاح غير مرخصة بالمنيا    مصرع ربة منزل بحادث تصادم في البحيرة    انطلاق معرض للكتب المترجمة عن الروسية بمشاركة 10 دول عربية    صابر الرباعي يواصل تسجيل ألبومه الجديد    محافظ جنوب سيناء يطلق إشارة البدء لمهرجان الإضاءة السنوي ب«سوهو سكوير»    مديرة المتحف المصري توضح تفاصيل الاحتفال بذكرى تأسيسه: تذاكر مجانية    فيديو معلوماتى.. 11 عادة صحية تساعدك على النوم    محافظ القليوبية: فحص أكثر من 2 مليون مواطن للكشف عن فيروس سى    خبراء فى نزيف المخ وأورام الكبد والرئة والكلى والعظام    بالفيديو.. الأرصاد تحذر المواطنين من ارتداء ملابس خفيفة    ضبط مخدرات واسلحة بحوزة متهمين في المنيا    تعرف على وجهة محمد صلاح عقب فوز منتخب مصر على تونس    منتخب إيطاليا يسعى لطرد شبح ال«سان سيرو» وانتزاع الصدارة من البرتغال    ارتفاع عدد ضحايا حرائق كاليفورنيا إلى 71 قتيلا    رئيس الوزراء الروسي يدعو إلى تطوير التعاون في قطاع الطاقة بمنطقة «آبيك»    اليوم .. انطلاق فعاليات مؤتمر قمة التعليم الإبداعي EduVation summit    "المحافظين" يعقد ندوة لقانون الأحوال الشخصية.. اليوم    مجلس الأهلي يتابع اليوم اجتماع خطة "ثورة تصحيح قطاع الكرة"    استدعاء سفير روسيا في فنلندا بسبب تشويش على نظام تحديد المواقع    الخارجية الأمريكية تبدي قلقها من اعتقالات الناشطين والصحفيين في تركيا    «الاتصالات» أنشط القطاعات المدرجة بأسبوع بتداولات 372 مليون ورقة    ندى بسيونى ضيفة برنامج "كلام ستات" اليوم    بالصور.. مدير أمن البحيرة يتفقد خدمات الكنائس بدمنهور    أسرة الشهيد ساطع النعماني تتسلم جثمانه عقب وصوله إلى مطار القاهرة    رئيس الوزراء يغادر إلى أديس أبابا للمشاركة فى قمة الاتحاد الأفريقي    تهنئة من وزارة الهجرة لطبيب القلوب"يعقوب" بعيد ميلاده    فى ذكرى الحبيب    اللجنة العليا لحقوق الإنسان تنطلق برئاسة شكرى    يوم التسامح العالمى: «الأوقاف» تخطب ضد التطرف.. و«الإفتاء» تدعو للرحمة    حظك اليوم.. توقعات الأبراج السبت 17 نوفمبر 2018    مشادة ساخنة بين برلماني وداعية سلفي لهذا السبب    المغرب تهزم الكاميرون وتقترب من التأهل لنهائيات أمم إفريقيا    شاهد| حسين الشحات يكشف موقفه من الانضمام للأهلي في يناير    شاهد| نيمار يقود البرازيل لفوز صعب على أوروجواي    تكريم ملكى.. الأمير تشارلز يكرم النجم توم هاردى في قصر باكنجهام    احتفالات «نبى الرحمة» تضىء المحافظات    أفكار    قال يا مقال    5 مليارات جنيه و70 ألف وظيفة دعماً لذوي الإعاقة    الرئيس يكلف القوات المسلحة ببناء "سندوب الجديدة"    حصر الفراغات بالمدارس لإعلان المرحلة الثالثة برياض الأطفال    "الموسيقي العربية" .. مهرجان النجوم وملتقي الكبار    اعتباراً من أول ديسمبر وتغطي 11 محافظة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





صباح الخير أيها الحزن!!
نشر في الأهرام اليومي يوم 27 - 06 - 2014

قبل أن يرفع آذان الفجر من مآذن الحى المتباينة فى مواقعها كانوا قد تجمعوا كعادتهم كل ليلة عند زاوية المبنى الإداري، يقف بعضهم ويجلس اثنان منهم على مقدمة إحدى السيارات، ويتبادلون المواقع عبر جلسة سمرهم. تعلو أصواتهم فى موجات متتالية من الضحك الهيستيرى. أميز بين ضحكاتهم ضحكة خليعة توحى أن جلسة الليلة تضم فتاة ساقطة فلما تتكرر أتبين أنها لواحد منهم!!
ويبدو أن دوره يقتصر على إطلاق هذه الضحكات الخليعة ل«تسخين» الجلسة!!
فى الخلفية، عند أطراف الحديقة تمارس جماعات من الكلاب والقطط أعمالها فى فحص أكوام القمامة. يختلفون على الأنصبة، يتشاجرون فيعلو وسطهم مواء أو نباح حازم فسرعان ما يتوافقون، فالقمامة كثيرة والخير وفير يكفى الجميع ولا داعٍ للشجار. يستمر رغم ذلك المواء والنباح متقطعا ومتزامنا مع جلسة السمر المنعقدة فى المقدمة!!
يصمتون فجاة وينفلت من بين سحابات ضباب صمتهم صوت خافت يسيطر عليهم لدقائق تليها ضحكات أكثر جنونا وهيستيرية، يبدو أن صاحب الصوت كان يحكى لهم حكاية قذرة تؤرخ لمغامراته وغزواته ‹المتخيلة› فى ‹بلاد› الجنس الآخر، فلما أنصتوا اكتشفوا أنها ليست بالقذارة المطلوبة فعوضوا النقص بزيادة جرعة الهيستيريا فى الضحك.
الآذان جميل وسلس، صوت المؤذن عذب، لابد أنه تسجيل من إذاعة القرآن الكريم. تقتحم أذنى بقايا كلمات من أطراف حوارهم.. والدها، أخوها، الكلب، عضو من أعضاء جسدها، الجورب، الحجرة، إضافة إلى تشكيلة متناثرة من ألفاظ سباب واضحة بعضها لا أفهمها لكن معظمها ينتهى بتاء التأنيث خاصة تلك التى أعتقد أنها تستهدف أمهات هؤلاء الشباب المتسامر.
كان لهم نصيب من دعائى فى الفجر لكنهم، رغم ذلك، استمروا فى هزلهم. لا يهم، فجر غد لى موعد آخر معهم!!
اقترب منهم رجل يتمشى متثاقلا ظننت أنه سيوبخهم لكنه انحرف يميناً قبل أن يصل اليهم واختفى داخل المبنى الإدارى، صَلَّيْتَ ركعتي السنة. نفس الآلية تتبع عند كل جولة من جولات الحوار.. الصمت ثم ارتفاع الضحك الهيستيرى المصاحب بحركات أكروباتية صبيانية حمقاء وغير مكتملة أو التصفيق بأكف واهنة فى حماس هيستيرى!!
أقيمت الصلاة ولم يتوقف الضحك.
عاد الرجل الذى اختفى فى المبنى الاداري وبدا الآن أنه كان يقضى حاجته فى إحدى دورات المياه العمومية بالمبنى. مر بهم بمشيته المتثاقلة فلم يلتفتوا إليه كأنه كلب ضال مر بحلقة سمرهم.
أنهيت صلاة الفجر ووقفت خلف نافذتى المفتوحة فى تأهب لنسمات اليوم الجديد... إن هى إلا دقائق وتشرق الأرض بنور ربها.
لم توبخهم، فى حدة، خشونة صوت ذكورى واحد تنطلق من أى نافذة من النوافذ المغلقة.. تأمرهم بالصمت والانصراف، غداً يوم عمل، اتقوا الله، أو ما ذنب التلاميذ الذين لديهم امتحانات فى الصباح ؟!
كان الجو يغلب عليه بشكل عام حالة من السلام أو ما يطلقون هم عليه ‹بيس›، لولا صياحهم الصبيانى وضحكاتهم الهيستيرية وزئير أجهزة التكييف المتناثرة على مسافات مختلفة!!
حيث أقف.. أراهم ولا يرونى، يغلب الإجهاد على أصواتهم، أبدأ فى ملاحظة الفروق بين نبرات أصواتهم وملابسهم.
أتبين فى أصواتهم التى ما تزال تتشبث بصبيانيتها نبرة حزن تتبع كل موجة من موجات الضحك الهيستيرى، مضى وقت طويل بعد انقضاء الصلاة وبدا نور الصباح ينبلج.
لن يكون فى انتظارهم أم منهكة قلقة تنظر من نافذتها كل دقيقة خوفا على مصير فلذة كبدها، أو أب قاهر مقهور متوعد، لن تفوتهم محاضرة مهمة لتلقى العلم أو يترقب وصولهم رئيس عمل يبتهج لتأخر أحدهم عن موعده ليمارس هوايته فى الخصم من مرتبه وكأنه المرابى شايلوك يقتطع رطلا من اللحم من جسد ضحيته كل يوم جديد.
بعد دقائق قصيرة وإن طالت سيصبح جراب الضحك الهيستيرى خاويا، وكذلك تنفد كلمات السباب بكل صنوفها، ويتبخر الحماس للضحك المتعمد والابتسامات القسرية، حتى لفائف السجائر ستخفت جاذبيتها عندما يتعارك دخانها مع أحماض المعدة الخاوية التى هضمت ساندوتشات الفول والطعمية فى الصباح منذ ساعات، وتنتظر فى صمت أن ياتى المدد!!
يظهر جامعو القمامة بعرباتهم الخشبية تجرها أسراب من الحمير، فتفر من أمامهم جماعات الكلاب والقطط، يتفحصون أكوام القمامة بعزم صارم، ينقسمون الى جماعات منظمة يفرزون القمامة الى أكوام زجاج وورق مقوى وبقايا طعام وبلاستك ومعدن، يفرغون أكياس القمامة من محتوياتها التى أوشكت على التعفن.
يضعون ما يرونه مفيدا فى عرباتهم ويطرحون تجاه أحواض الحديقة ما ليس له قيمة، فيما تنتظر بعض القطط إنتهاء مهمة جامعى القمامة ومغادرتهم المكان لتستأنف بحثها عن رزقها، وآثر الكلاب السلامة فتقهقروا إلى الزاوية البعيدة من الحديقة وتشاغلوا بنباح ثرثار قتلا للوقت.
يتناقص عددهم، تكركر عربة صاحب المكتبة فيما تقترب من المبنى الاداري، وتعلو كركرتها مع ازدياد اقترابها، يصفها أمامهم ويخرج منها هو وابنه الشاب لإفراغها من أكوام الجرائد الجديدة. يزحف الصمت ليحتل مساحات أكبر من الجلسة، يستيقظ فجأة صاحب الضحكات الخليعة ليطلق دفعة حديثة من ضحكاته فى محاولة يائسة لبث الحياة فى مغامرة مساء احتضر بالفعل.
يتوافد حراس العقارات على المكتبة التى تراصت أمامها تلال الجرائد والمجلات تحمل فى فخر وادعاء أخبار الصباح الجديد فى حين أنها فى حقيقة أمرها أخبار انفجارات ومظاهرات ومسيرات وحملات انتخاب وسقوط شهداء وارتقائهم يوم مضى!!
يتدافع بلا حياء أو كلل أمام صاحب المكتبة وابنه حراس العقارات فى معركة حقيقية للغنيمة بجرائد الصباح.
أدار الليل ظهره لسماره الذين إثر إشعار خفى يهبون من جلستهم، يتمطعون، يتثاءبون، يقاومون عبثا سطوة انبلاج النور.
يتوزع أغلبهم فى خطوات متثاقلة على سيارات تنتظرهم لتبتلعهم وتأخذهم فى رحلة العودة الى أماكن بعيدة أو إلى الناصية التالية!
فى مكان ما فى بيت صامت ينتظرهم فراش شاغر ترقد عليه وسادة باردة وتحت حاشيته نسخة بالية من مجلة إباحية، منبه أبكم، صنبور رتيب، ريموت مهجور متبلد، شاحن ماكر يختبىء عن عمد، أطباق عشاء متسخة سبقتهم إليها حشرات المنزل فى حوض مطبخ يئن من أحماله.
يعود حراس العقارات مظفرين يحملون غنائمهم، يتصفحونها على عجل قبل أن يصلوا إلى عقاراتهم فيجبرون عندئذ على تسليم الغنائم إلى أصحاب رؤوس الأموال قبل الاستمتاع بها ولو لثوان معدودة.
يتجلى الصباح بكامل ضيائه فيختفي بقيتهم وكأنهم تبخروا فى هواء الصباح البارد الذى بدأت الشمس فى تسخينه فور ظهورها فى المشهد، أو كأن أحدهم قد أضاء نور ‹المطبخ› الكونى ففرت كل كائنات الليل الصغيرة إلى مخابئها !


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.