بسبب انخفاض الدولار.. شركات السياحة تتعرض للخسارة    نيوزيلندا تحذر من تسونامى إثر زلزال عنيف بقوة 7.4 درجة على مقياس ريختر    مصرع أكثر من 40 شخصا جراء موجة حر بولاية "بيهار" شرق الهند    حوار بن سلمان ومؤامرات قطر وإيران والوضع في السودان.. أبرز ما جاء ب صحف الإمارات    زيارة الرئيس السيسي ل مقر تدريبات منتخب مصر تتصدر عناوين صحف الأحد    توقف حركة المرور بطريق الفيوم الصحراوى بسبب تصادم سيارتين    الأرصاد تحذر من طقس اليوم    السيطرة على حريق داخل شقة سكنية فى بولاق الدكرور دون إصابات    البترول: مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الوقود    شيرين توجه رسالة مثيرة ل محمد صلاح    «ميرور»: صلاح رفض عرضين من ريال مدريد ويوفنتوس    ننشر النتيجة النهائية في سباق انتخابات الغرفة التجارية ب الغربية    فرار الآلاف فى فنزويلا إلى بيرو عبر الإكوادور لسوء الأوضاع الاقتصادية    ملك ماليزيا يزور متحف اللوفر أبو ظبى بدولة الإمارات    حاول القفز في الترعة.. ضبط مستريح جمع 50 مليون جنيه من ضحاياه في طنطا    لقاء سري بين عباس ورئيس المخابرات الإسرائيلية    «ريدكون» تنفذ مشروعات لصالح إعمار مصر وكابيتال جروب بقيمة 1.5 مليار جنيه    كولمبيا تتغلب على الأرجنتين في أولى مباريات بطولة كوبا أمريكا    اليوم.. طلاب الثانوية الأزهرية القسم الأدبى يؤدون امتحان الجغرافيا    بالصور والأرقام .. تفاصيل الحملة الأمنية المكبرة بمديرية أمن الغربية    تدمير مقر تخزين طائرات مسيرة للحوثيين في صنعاء    فيديو.. عمرو أديب لريا أبي راشد: بحقد عليكي    «المصارف العربية» يطرح المستجدات المتعلقة بغسيل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم الإلكترونية بشرم الشيخ.. الشهر المقبل    مصرع طفل داخل حمام سباحة بمنطقة السلام    والد الطالبة مريم: الأحكام ظالمة.. وهلجأ لمحكمة العدل الدولية لو تطلب الأمر    النتائج الأولية لعمليات فرز الأصوات لصندوقين في غرفة بورسعيد التجارية    «كريدى أجريكول» يضخ 500 مليون جنيه فى القروض المشتركة فى الربع الأول من العام    موجز «التوك شو».. حفيد الشعراوي يدافع عن جده.. وأصداء زيارة السيسي لمعسكر المنتخب    قائمة الملاح ب السويس تفوز بمقاعد الغرفة التجارية    6 أفلام وثائقية على منصة "watch it" لا تفوتك مشاهدتها    ندوة أدبية لرابطة شعراء العروبة بجمعية الشبان المسيحية بالقاهرة| صور    متحدث المترو يزف بشرى سارة بشأن أسعار الاشتراكات    محافظ أسوان يكرم مدير المديرية المالية لبلوغه السن القانونية    اليوم.. أبو الغيط في زيارة هامة للسودان    كاف يختار محمود الخطيب سفيرا لكأس الأمم الإفريقية 2019    حزب الوفد يشكل لجانا عمالية ب المحافظات    مواعيد مباريات الأحد 16-6-2019 والقناة الناقلة لآخر اختبار لمصر قبل كأس إفريقيا    توصيات الاجتماع الرابع لهيئات مكافحة الفساد بإفريقيا..    ماذا لو رحل ناصر فى 9 يونيو؟    عشناها يوما بيوم    اجتهادات    انقسام داخل إدارة ترامب حول التعامل مع طهران    فرسان «الغرب» فى حوار لم يسمعه أحد فى مدينة المتعة..    منمنمات ثقافية    بإختصار    عند مفترق الطرق    غنى عن البيان    طريق الإتقان    هوامش حرة    هل يمكن لعواطفك أن تدمر صحتك؟.. تعرف على الجذور النفسية للأمراض العضوية    «دور المراكز البحثية في خدمة المجتمع» ضمن مشروعات التخرج ب«إعلام الأزهر»    بالصور- المنتخب يحتفل بعيد ميلاد صلاح في برج العرب    وزيرة الصحة تعلن اختيار زي الفرق الطبية بمنظومة التأمين الصحي الشامل    الإفتاء تحدد الأحق بدفن المرأة المتوفاة    رئيس جامعة طنطا يشارك في المؤتمر السنوي لإدارة المعامل بالغربية    بالفيديو.. خالد الجندى : هناك علماء يفتقدون العقل    يمكن للمرأة استعمال "المانيكير" دون أن يؤثر في صحة الوضوء.. بشرط    «العربية للتصنيع» توقع بروتوكولاً لتوفير السرنجات الآمنة ل«الصحة»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





سعيد صالح ..المشاغب !
نشر في أخبار الأدب يوم 16 - 08 - 2014

في الأيام القليلة الماضية غيب الموت الفنان سعيد صالح، ونعي البعض رحيله مقترناً بمسرحيتيه الأشهر وهما مدرسة المشاغبين، والعيال كبرت. وقال البعض عبارة شهيرة إن "العيال كبرت وماتت" دلالة علي رحيل الثلاثي أحمد زكي ويونس شلبي وسعيد صالح. هذا ما يستدعي قراءة ثقافية للمسرحيتين ونجومية ابطالهما وخاصة الفنان سعيد صالح ، لتقصي الصورة الذهنية التي ترسبت في أذهان المتفرجين.
عرضت مسرحية "مدرسة المشاغبين" في بداية السبعينيات من القرن الماضي وكتبها للمسرح علي سالم وأخرجها جلال الشرقاوي، أما مسرحية "العيال كبرت" فقد عرضت في نهاية السبعينيات وكتبها بهحت قمر واخرجها سمير العصفوري، ولا تزال تحظي المسرحيتان بشعبية وجماهيرية وأصبحتا علامة لجيل السبعينيات، كما ظل ابطالهما يتصدرون المشهد الكوميدي لسنين طويلة.تدور مسرحية مدرسة المشاغبين حول بعض الطلاب المشاغبين في إحدي المدارس من خلال بعض المواقف التي تكشف فقدان التواصل بين الطلاب والمدرسة. يحتوي خطاب المسرحية علي طبقتين معرفيتين الأولي طبقة التلاميذ المشاغبين يمثلون الأبناء، والثانية طبقة المعلمين ويمثلون نموذج الأب، الطبقة الأولي بها العديد من أنماط الطلاب المشاغبين مختلفي الميول مثل مرسي الزناتي والمهتم باقامة علاقات غرامية مع الفتيات والشهير بقوته العضلية والذي يريد أن يصبح رجل أعمال، وبهجت الأباصيري عقل المجموعة والذي يريد أن يصبح بحاراً وعاطف ابن الناظر الذي عنده عيوب في النطق، لطفي الذي يريد أن يصبح فناناً، ما عدا حالة أحمد الشاعر اليتيم بلا أب، لذا، هو متسق مع ذاته. أما الطبقة الثانية وهي طبقة المعلمين فيمثلها عبد المعطي ناظر المدرسة، وعلام الملواني أستاذ الفصل، والمدرسة الجديدة عفت عبد الكريم. لقد تصارع هذان النموذجان طوال المسرحية، وفشل جميع الأساتذه في ترويض هؤلاء الطالب المشاعبين، حتي نجحت المعلمة عفت عبد الكريم في السيطرة علي هؤلاء الطلاب عندما أدركت أن المشكلة الحقيقية هي اختيار الآباء مستقبل ابنائهم بصرف النظر عن رغباتهم (كما نلمحه في حالة بهجت الأباصيري الذي يريد أن يصبح بحاراً ووالده يريده أن يلتحق بكلية التجارة)، ويكمن نجاحها في أنها اعطت لهم الأمل في تحقيق رغباتهم من خلال بعض المفارقات طوال المسرحية.
أما المسرحية الثانية وهي "العيال كبرت" تدور حول الأب موجه اللغة العربية الذي سافر إلي إحدي دول الخليج وعندما عاد إلي مصر، قرر فتح شركة استثمارية ليواكب الحياة الجديدة في مصر، تبرز المسرحية خلل العلاقة داخل مؤسسة الأسرة بين الأب الذي يريد الزواج من سكرتيرته وابنائه الأربعة من الابن الأكبر الفاشل في التعليم، والإبن الثاني الذي يريد الزواج من امراة لديها اربعة أطفال، والابنة التي تريد أن تشتغل راقصة، والإبن الأخير المتيم بالفنانات وتحدث بعض المفارقات الكوميدية لاستعادة الأب مرة أخري إلي حضن الأسرة وينجح الأبناء في النهاية.
وعلي الرغم من أن تيمة المشاغب تم تقديمها قبل ذلك في العديد من الأعمال الفنية، إلا أن المسرحيتين تعرضتا لسهام النقاد في تلك الفترة وأصبحتا نموذجاً لهدم القيم في المجتمع. فقد رفضتهما المؤسسة النقدية المسرحية في حينها، واتفق معظم النقاد علي استبعادهما لأسباب فنية بوصفهما تمثلان الذوق الردئ، أو لأسباب أخلاقية لأنهما تدمر قيم المجتمع بل وصفها البعض بأنهما دمرتا جيلاً كاملاً ووصل النقد إلي مداه في أنهما أفسدتا مؤسستي التعليم والأسرة نتيجة لإظهار المعلم والأب بصورة سيئة ومثار للسخرية.
ويمكن إرجاع جماهيرية المسرحية إلي أنها تتصل بوضعية مؤسستي التعليم والأسرة التي لا تجاري الواقع في أساليبها التعليمية التي تلقي بظلالها علي الأجيال المختلفة، وفقدان الثقة مازال موجوداً حتي هذه اللحظة. ويبدو أن ضحكنا المتواصل علي أحداثها ما هو إلا نوع من الضحك علي المشكلة التي لم تجد لها حلاً حتي الآن. كما يستدعي خطاب المسرحيتين دائرتين معرفيتين دعمتا حضورها وجماهيريتها، هما: الدائرة الأولي حيث تتداخل مع دائرة الأسرة، كحالة الطفل الصغير الذي يأتي بتصرفات مشاغبة ليلفت انظار أبوية إليه في حالة الانصراف عنه ليعيد اهتمامهم به، أما الدائرة الثانية وهي علاقة الدولة بالمواطن فهي الدائرة الأهم وتتصل بمفهوم الأبوي للدولة المصرية، والوضعية الدراماتيكية بينهما.
من ثم، حظيت المسرحيتان بجماهيرية تتعدي حدودهما الفنية لأنها اتصلتا بأكثر من دائرة ثقافية، وولدت في سياق شهد بداية انكسار الحلم القومي نتيجة نكسة يونيو 1967، وسقطت من خلالها أوهام المؤسسة الستينية الأبوية بقدرتها علي صناعة المعني في المجتمع وعلي صياغة الواقع، ففقدت مصداقيتها من قبل جيل جديد شاهد علي هذه النكسة. مما عمق الفجوة بين الدولة والمواطن، وازدادت هذه الفجوة في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي مع تخلي الدولة عن دورها الأبوي في رعاية مواطنيها وحافظت علي أبويتها في دورها التسلطي. من هذا الوضع المعرفي الذي نشأ من فقدان الثقة بين الدولة ومواطنيها، ولدت مسرحيتا مدرسة المشاغبين والعيال كبرت، .
لقد تمثل الفنان سعيد صالح شخصية المشاغب التي اداها في مسرحيتيه وحولها ولكن بصور مختلفة تحمل نفس الخطاب وهو الصراع بين الأب والأبناء، ولكن بمنطق مغاير في بقية مسرحياته التي تناول فيها نقد الأب السياسي، وتحول المشاغب من البعد المتخيل الفني إلي الواقع المعاش لدي الفنان سعيد صالح وتمثله في العديد من اعماله المسرحية ودخل في صراع مباشر مع الأب السياسي مثل مسرحية كعبلون.وحدث قلب للعلاقة بين الآباء والأبناء في المتخيل الفني التي أدت إلي التصالح بينهما، بدلاً من فكرة احتواء الأب ونزوله عن رغباته لصالح رغبات اولاده كما حدث في مسرحية "مدرسة المشاغبين"، أو احتواء الأبناء للأب والتعديل من سلوكهم للحفاظ علي مؤسسة الأسرة في مسرحية "العيال كبرت"، قام الأب السياسي بإقصاء الفنان سعيد صالح وتحويله للمحاكمة بتهمة التطاول عليه، وتم الحكم عليه بالسجن في الثمانينيات.
لقد كشف تَمَثُل الفنان سعيد صالح للمشاغب من المتخيل الفني والواقع المعاش كشف عن أن حياته كانت تراجيكوميدي، فاذا كان سعيد صالح واخوته استطاع أن يصل في مسرحيتي مدرسة المشاغبين والعيال كبرت وصلا إلي صيغة توافق بين الآباء والأبناء، إلا أنه في الواقع المعاش حدث عكس ذلك، ولم يستطع الابن سعيد صالح احداث توافق مع الأب والذي اغتاله معنوياً لمشاغباته له وابكانا مصيره بالحكم عليه بالسجن لنقده الأب السياسي في مسرحياته المختلفة. وكأن ضحكنا المتواصل في المسرحيتين يكشف عن تراجيديا واقعية عاشها الفنان سعيد صالح حاضرة في المجتمع ويعيشها ابناء المجتمع مع الآباء (الثقافي، السياسي) في الواقع، ونتيجة لعدم الوفاق تحول المجتمع إلي جزر، ويشكل كل جيل أو جماعة وطناً خاصاً به. وما ضحك الأبناء المتواصل في المجتمع مع تعاقب الأجيال المختلفة علي المسرحيتين من المعلمين والآباء بوصفهم ممثلي السلطة إلا كنوع من التعويض النفسي لفقدان رغبة التحقق من الجيل الجديد في الواقع.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.