«التنمية المحلية» تطلق برنامجًا لتأهيل كوادر اليونسكو بمركز سقارة    برلماني: استكمال انتخابات المجالس المحلية يعزز كفاءة التخطيط ويعيد التوازن للمنظومة    استحدثتها الداخلية.. أبرز المعلومات عن منصة التحقق البايومتري والمصادقة    استعدادات مكثفة للاحتفال التاريخي بانضمام أول طائرة A350-900 لأسطول مصر للطيران    افتتاح معرض أهلا رمضان لتوفير سلع ومنتجات مخفضة لأهالى القرنة بالأقصر.. صور    باسل رحمى: نهدف لإتاحة تمويلات ميسرة للمشروعات الزراعية لضمان استمراريتها    وزيرا التخطيط والمالية: خطة 2026/2027 تترجم التكليف الرئاسى المواطن أولوية قصوى    واشنطن تجدد مطالبتها ل كابل بالإفراج عن معتقلين أمريكيين    ارتفاع عدد ضحايا الحرب الإسرائيلية على غزة ل72051 شهيدا و171706 مصابين    لجنة إدارة غزة: تسلّم المؤسسات محطة مفصلية.. ونشترط صلاحيات مدنية وأمنية كاملة    روبيو: الولايات المتحدة وأوروبا «قدرهما أن تكونا معا»    بالحنطور، الحساب الرسمي لليفربول قبل مواجهة برايتون: مغامرة مُمتعة رفقة الريدز الليلة    الأهلي يواجه الاتحاد في الجولة الثالثة بالدور قبل النهائي لدوري الطائرة    14 لعبة فى أولمبياد سيتي كلوب الرمضانية لتوسيع قاعدة اكتشاف المواهب    موعد مباراة ريال مدريد أمام سوسيداد في الدوري الإسباني.. والقناة الناقلة    محافظ أسيوط يهنئ نادي منفلوط الرياضي بصعوده رسميًا لدوري القسم الثالث    تشكيل ليفربول المتوقع أمام برايتون في كأس الاتحاد الإنجليزي    إغلاق ميناء العريش البحري بسبب سوء الأحوال الجوية    القاهرة 30 درجة.. الأرصاد تكشف تغيرات مفاجئة بالحرارة خلال ال48 ساعة المقبلة    إصابة 3 أشخاص فى حادث انقلاب سيارة على طريق أسيوط الغربى    موعد استطلاع هلال شهر رمضان 2026 وإعلان أول أيامه رسميا    مدير مدرسة إعدادي.. تفاصيل جديدة في واقعة ضحية خصومة ثأرية منذ 25 عامًا بقنا: أفرغ فيه 60 طلقة    أيمن بهجت قمر ينعي ابنة عمه    برنامج الصحافة على إكسترا نيوز يستعرض عدد اليوم السابع عن دراما المتحدة    درة تعود للدراما الشعبية بشخصية ميادة الديناري في علي كلاي    صحة الشرقية: تنفيذ 95 ألف زيارة منزلية خلال 72 أسبوعًا    انقطاع المياه عن مركزي أبنوب والفتح فى أسيوط اليوم    طقس الشرقية اليوم السبت: حار نهارا مائل للبرودة ليلًا.. والمحافظ يرفع درجة الاستعداد القصوى    انتظام عملية التصويت في انتخابات الإعادة للنقابات الفرعية للمحامين    وفاة إبراهيم الدميري وزير النقل الأسبق    زيارة كنسية ألمانية لأسقف الكنيسة اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة    كيف تستفيد السياحة من الرياضة؟.. محمد سمير يوضح    الكمامة وبخار الماء.. خطوات بسيطة لتفادي مضاعفات العواصف الترابية    «العمل»: 300 وظيفة للشباب بإحدى شركات تأمينات الحياة.. تعرف على الشروط    لازاريني يحذر من تقويض حل الدولتين بسبب تصعيد الاحتلال بالضفة الغربية    مواقيت الصلاه اليوم السبت 14فبراير 2026 فى المنيا    4 دول تعلن موعد أول أيام رمضان 2026| الأربعاء أم الخميس؟    نيوزيلندا.. فيضانات عارمة تتسبب في انقطاع الكهرباء وانهيار الطرق    وزير الخارجية ينقل تحيات رئيس الجمهورية للقادة الأفارقة والمسئولين الدوليين    وزير الخارجية: مصر أول دولة أفريقية تحقق مستوى النضج الثالث في تنظيم اللقاحات والأدوية    محاكمة 60 متهما بالهيكل الإداري للإخوان بالتجمع.. اليوم    جامعة القاهرة تتصدر المشهد العالمي.. فصل خاص في إصدار "Springer Nature" يوثق استراتيجيتها المتكاملة للتنمية المستدامة    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأرصاد تُحذر من طقس اليوم.. وقرار من النيابة في واقعة «بدلة الرقص»    «سايبر الشارع».. بداية طريق إدمان الأطفال للألعاب الإلكترونية    دارين حمزة: أدوار الشر سر نجاحي بمصر.. وانتظروا «سارة» في «الكينج»| حوار    الإدمان الرقمي.. المواجهة والعلاج    زكي رستم: أرفض الأسئلة عن الزواج والعمر| حوار نادر    هل طلاق الحامل صحيح؟.. الإفتاء تُجيب    الزواج ليس مجرد علاقة جنسية| استشاري أسري يوضح أساسيات العلاقة الصحيحة    ميشيل يوه تتوج بالدب الذهبي: السينما فوق كل شيء    بصوت جمع بين القوة والعذوبة، نادية مصطفى تتألق في عيد الحب بأوبرا الإسكندرية (صور)    تحت شعار "الحرب أو السلام".. ترامب يدعم أوربان قبل انتخابات مصيرية فى المجر    ديمبيلي ينتقد أداء باريس سان جيرمان بعد الخسارة أمام رين    "نيويورك تايمز": البنتاجون يستغل الوقت لاستكمال تجهيز الأسطول المتجه نحو إيران    علماء الدين والاقتصاد والتغذية يدقون ناقوس الخطر: الاعتدال طريق النجاة    الزمالك: تقييم تجربة جون إدوارد بنهاية الموسم.. ودعم كامل لمعتمد جمال    بعد وجبة رئيسية.. أفضل توقيت للحلوى دون ارتفاع السكر    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دفءٌ علي شاطئ الأطلسي
نشر في أخبار الأدب يوم 12 - 04 - 2014


وغادة خليفة وأشرف الشافعى و عماد غزالى فى الملتقى
" هل يستطيع الشعر أن يغير العالم ؟"
كان عنوان الدورة الثانية لملتقي آسفي الدولي للشعر طموحاً حد التطوح الكبير لحلم يصلح لمدينة ساحلية تمنحنا رائحة زهور لا نعرفها. آسفي ذات الخبز المغربي الساخن الزهيد في الطرقات، ذات زيت الأرجانة والزيتون بكل الألوان، مدينة تستطيع أن تقع في غرامها بسهولة لأنها طيبة نظيفة آمنة لا تستغل الغريب.
لم يبدُ أن الشاعر والناقد المغربي الذي تحملنا كثيراً عبد الحق ميفراني ينتظر إجابة سؤال الملتقي ولم نتأكد سواء قبل ذهابنا إلي آسفي أو عودتنا إلي بلدنا أو منافينا ( الشعراء المهاجرين بيننا كانوا كُثر ) من أن الشعر يقدر علي تغيير صاحبه. وجدنا بلاداً تمنينا أن تكون بلادنا مثلها وبهرتنا محبة التلاميذ للشعر وخاصة قصيدة النثر. رأينا الرقي والبراءة والإخلاص في العمل مع تفانٍ حقيقي والبعد عن استعراضية مقيتة ورسميات الوجهاء. أحببنا المنظمين بالجينز والجاكيتات الجلدية القديمة ، بغنائهم ورقصهم في ميكروباصات التنقل بين المدن التي ذكرتنا بالرحلات المدرسية. في المغرب تجدد حزني الذي عرفته حين زرتها وزرت آسفي نفسها من سنوات سبع ذات مؤتمر - حزن المقارنات.
في المغرب يفهم التلاميذ ويتابعون شعراء يقرؤون قصائد نثر بالفصحي والفرنسية، يشاهدون شعراء يبدون كالهيبيز بشعور طويلة يرقصون ويغنون أو يبكون أثناء إلقاء القصائد
إنهم لا يتحدثون الفرنسية فقط. هم يعملون مثل الفرنسيين بانضباط وإخلاص وجدية. هنا لا يسئ الظن بك رجل وهو يضمك لحظة وداع أو ترحيب. الثقافة الأمازيغية تبجل المرأة وهذا أحدث توازناً كبيراً لصالحها قد يراه البعض تحيزاً فيما يسمونه مُدونة الأسرة ونسميه قانون الأحوال الشخصية. التجربة الأميز في الملتقي كانت التلاقح بين شعراء غرباء من جنسيات مختلفة وتلاميذ مدارس بلدات ومدن مغربية تم تنظيم مسابقات شعرية لهم فاستمعنا لقصائدهم واستمعوا لنا. هذه "الندية" لا بد تفعل شيئاً أكثر من جوائز الكتب التي حصلوا عليها. يتم إشعارهم باحتضان وتنقيب الجهات والمبادرات الثقافية المستقلة وليس الرسمية فقط لاكتشاف وتنمية مواهبهم في بدايتها عبر ما يسمونه نوادي الأدب والمسرح والسينما (نعم هناك نوادٍ للسينما في مدارس المغرب) بل وحتي النوادي البيئية التي تُعني بالبيئة. هذا غير المكتبات بالمدراس والتي شاهدتها في ثانوية محمد الخامس إحدي أعرق وأقدم ثانويات المغرب. بدأت أيام الملتقي الشعري التي امتدت في الفترة بين 20 22 مارس 2014 بالتساؤل : " هل يستطيع الشعر أن يغير العالم ؟ "- دروة إيمي سيزار ( شاعر الزنوجة الكبير ) وتكريم اسم الشاعر الراحل محمد الصباغ. بدأت الفعاليات بجلسة قدم لها الشاعر عبد الهادي النعيم وبرئاسة خالد الدهيبة لتقديم قراءة نقدية لكتاب الشاعرة والروائية العراقية بلقيس حميد حسن "هروب الموناليزا" وفي اليوم التالي عقدت لقاءات شعرية وحلقات نقاش في عدد من الثانويات التأهيلية اشترك فيها عدد من الشعراء المدعوين أبرزهم زاهر السالمي (سلطنة عمان) ، أحمد العجمي (البحرين)، جميلة أبيطار (المغرب فرنسا)، حسين حبش (سوريا ألمانيا ) فرانسوا مينو ( فرنسا) إبراهيم الفلكي وفرات إسبر (سوريا- نيوزيلندا) حميد العقابي (العراق الدنمارك) عبد الرحمن الماجدي ( العراق هولندا ) محمد العزب (اليمن- أمريكا ) جاي سي (بلجيكا) موفق السواد (العراق-هولندا ). بدأ الافتتاح الرسمي بافتتاح المعرض الفني للتشكيلية المغربية نادية خيالي أعقبته كلمات الافتتاح.كان هذا الترتيب غريباً علينا كتقليد حيث كل شئ يبدأ في مؤتمرات مصر بعد الافتتاح الرسمي بكلماته الثقيلة المملة في العادة. تم تكريم اسميّ الروائي المغربي عبد الرحيم لحبيبي والكاتب المسرحي المغربي زكريا أبو مارية الفائز بجائزة الطيب صالح للإبداع الأدبي في حقل المسرح واختُتِم اليوم الأول بأولي الجلسات الشعرية التي ترأسها الشاعر عبد الحق ميفراني وبقراءات شعرية لفرات إسبر وحسين حبش وجاي سي وحميد العقابي وزاهر السالمي وفرانسواز روي وعبد الدين حمروش ووداد بنموسي.
الجمعة 21 مارس عقدت جلسة نقدية تحت عنوان "هل يغير الشعر العالم ؟" في كلية القاضي عياض المتعددة التخصصات بمشاركة الناقد والمترجم المغربي الكبير بن عيسي بوحمالة والناقد خالد بلقاسم والشاعرين كريستيان دودون وفرانسوا مينو (فرنسا). تحدثوا عن نماذج من الشعراء والمفكرين الذين ضحوا بحياتهم في سبيل الدفاع عن قيم الحرية وحقوق الإنسان وضربوا الأمثلة بشعراء حاولوا التأثير علي الواقع مثل ملحمتي الإلياذة والأوديسة والشاعرة سافو وأرسطوفان ونيرودا ولوركا وملارميه ودرويش والشابي الخ. وكان اليوم الجمعة لكن طلاب الجامعة يملؤون المدرج. سألت ببعض الاستغراب: اليوم يوم دراسي لا إجازة ؟ فجاء الجواب: "في المغرب العطلة يوما السبت والأحد. أراد الإسلاميون إضافة الجمعة بدلاً من استبدال أحد الأيام (يوجد ألوف من اليهود المغاربة) فكان الجواب الرسمي "كم عدد أيام الأسبوع التي ستصبح عطلة بهذا الشكل؟". في مساء نفس اليوم قدم الشاعر عبد الهادي نعيم الشعراء جميلة أبيطار وكمال أخلاقي ومصطفي بلعوني( المغرب) ثم قرأ عبد العاطي جميل وهو شاعر مغربي معارض قصيدة بعنوان " اغتيال الماء" حكي أنه كتبها عقب مقتل صديق له "عمداً في حادث سير ثم تم إلقاؤه علي جانب الطريق" بحسب كلامه، وأنهي بقصيدة من جملتين استلهمهما من واقعة القبض علي طفلين كما قال صبي وصبية بتهمة تبادل القبلات في الطريق فقال: " لم أعد أقوَ علي تحرير جملة / في وطن يعتقل قُبلة ".
بعد عبد العاطي، قرأت بلقيس حسن ثم قرأت التشكيلية والشاعرة المصرية غادة خليفة بعض قصائدها الجديدة وأيضاً من ديوانها " تسكب جمالها دون طائل ". صفق الحضور مرتين لغادة، ثم قرأ كريستيان دودون وموفق السواد وأحمد العجمي.
تم ضم الجلستين الشعريتين الثالثة والرابعة توفيراً للوقت وتقاسم القاص المغربي الشاب أيمن قشوشي والشاعر عبد الحق ميفراني تقديم الشعراء مع الجميل محمد المخاريق. هنا قرأ الشعراء محمد أمين، يونس الحيول، عبد الرحيم الخصار ، زينب الشروقي، صفية عز الدين، رشيد منسوم، عبد الجواد عوفير (المغرب)، محمد العزب، باتريك كي (الشاعر والأستاذ بجامعة نيس الفرنسية) مصاحباً لعزف رفيع من الصوفي المتفرد البرتغالي سيرجيو موراس، عبد الرحمن الماجدي ، فرانسوا مينو، باتريس أنجيبو( فرنسا) شريف الشافعي، غادة نبيل، سارة علام وعماد غزالي ( مصر ) وتريستان كابرال وباتريس لويس. وفي الفندق صباح اليوم التالي طلبت منا زهرتان مغربيتان صوفيا وزينب من عاملات المطعم العلوي بعض كتبنا ودواويننا أنا وموفق السواد وحسين حبش لشدة حبهما لقراءة الشعر! وطبعا استجبنا بفرح.
أعود للتجربة المهمة والبسيطة لتقريب الاحتكاك والتفاعل بين من قد يصبحون شعراء الغد المغاربة من أجيال الشبيبة المدرسية وبين شعراء من دول العالم. انعقدت مسابقات للإبداع التلاميذي وشاهدنا إزالة "حائط برلين" النفسي بين الكبير والصغير عمرياً. لا فصل عنصري تعسفي هنا مفروض من الأكبر سناً ومؤسسات الدولة وهياكلها، الفكرة تتجاوز المسابقة والجوائز بصورتها التقليدية.كان التلاميذ والتلميذات يقرؤون قصائدهم في حضور مدراء المدارس الذين جلسوا بيننا.لا احتكار سلطوي في هذا المشهد بل تبادل أدوار، تبادل "الأهمية والظهور" ليس قَدَر الأصغر سناً أن يظل في وضعية المستمع المحتاج دائماً للنصيحة لتفادي الخطأ المحتوم. بلغ عدد الثانويات التأهيلية المشاركة في المسابقة 11 ثانوية في آسفي وتوصلت أعمال تحكيم اللجنة الشعرية إلي تحديد الفائزين معلنة أنه قد تقدم 42 مشاركاً في مسابقة الشعر الفصيح حيث حصد الجائزة الأولي الطالب خالد الناصري عن قصيدة "كنف قصير" وحصلت سونيا شهيد علي الجائزة الثانية عن قصيدة "رحل" وحصلت آمال جنان علي الجائزة الثالثة عن قصيدتها "تلك". وشارك 13 فرداً في المسابقة الزجلية حيث حصلت سكينة زيروات علي الجائزة الأولي عن قصيدتها "حروف الجالية " وحصل عبد المنعم ناصر علي الجائزة الثانية عن قصيدته "لهفة " وحصل توفيق الألفي علي الجائزة الثالثة عن قصيدته "حال وأحوال " بينما تقدم 3 مشاركين في مسابقة الشعر المكتوب بالفرنسية وحصلت حفصة النويسي علي المركز الأول.
النُظّار يستمعون والتلاميذ يتكلمون
افتخرت إحدي الطالبات الفائزات بتقديم نفسها بوصفها طالبة في مدرسة "الهداية الإسلامية". كانت محجبة ترتدي الجينز.بعدها صعدت زميلتها بنفس المدرسة.كانت سافرة ترتدي الجينز وتي شيرت أحمر بكول مفتوح وقد استقرت فراشة من الترتر الأحمر علي صدرها. لما نزلت قام بتقبيلها علي الخدين ناظر مدرستها "الثانوية الإسلامية " الذي كان في الصف الأول من صفوف المستمعين. عرفت أن هناك عضوات منخرطات في حزب العدالة والتنمية الإسلامي لسن محجبات.
ونحن نزور ثانوية محمد الخامس في مراكش أكد لي محمد المخاريق أن كل المدارس الحكومية بالمغرب حتي الإسلامية مدارس مختلطة .تجدد حزني .حكيت له عن مصر وعن خادمتنا التي اعترفت رغم كل الدروس الخصوصية التي تنفق عليها لبناتها -أن ابنتها وصلت لمرحلة الإعدادية ولا تستطيع الكتابة وأنها اضطرت لرشوة المصححين الذين توصلت لهم لتضمن نجاح ابنتها صورياً .
في المغرب يفهم التلاميذ ويتابعون شعراء يقرؤون قصائد نثر بالفصحي والفرنسية، يشاهدون شعراء يبدون كالهيبيز بشعور طويلة يرقصون ويغنون أو يبكون أثناء إلقاء القصائد. يتكلمون معنا وينتظروننا خارج المدرسة لأنهم يريدون أن يقولوا بماذا أحسوا. هذا ما تحاول الملتقيات والمبادرات الثقافية ومدراء المدارس الذين كانوا يقدموننا لتلاميذهم بحديث عن مقاومة الظلام والانغلاق أن يحققوه: المواطن الإنسان الذي سينحاز للجمال والخير والحياة، الق در علي محبة المختلف ، الذي لن يقتل ويكره ويصادر ما يستغربه.كان التلاميذ يفهمون اللغات التي تمت قراءة القصائد بها أفضل منا نحن الضيوف وانبهروا بقصيدة ما زالت مادة للتهكم والسخرية الحادة في مصر قصيدة النثر - ليس فقط في دوائر خارج المثقفين بل بين شعراء العمود والتفعيلة لدينا من المسيطرين علي "مراكز قوي الشعر" ولجانه وبيوته ومجلاته بينما يواصل هؤلاء هذرهم عن معارضتهم لمبدأ التوريث المباركي بلا حياء.
بلغ عدد رعاة الملتقي 11 جهة ومؤسسة ومركز ووزارة في آسفي.شهدنا تطوع بعض الأدباء والعاملين في تلك الجهات أو خارجها لتدبير نقل الشعراء إلي مقرات الأمسيات بسياراتهم وهو تقليد تطوعي مستعار من مهرجانات دولية أكبر مثل مهرجانيّ "لوديف" و"سيت" الفرنسيين . بلغت تكلفة الملتقي ككل حوالي 150 ألف درهم مغربي تكفلت بها جهات حكومية والقطاع الخاص فمثلا مؤسسة هوريزون (من الرعاة) شركة خاصة معنية بتوفير الأبحاث في المجالات الحقوقية والسياسية والاجتماعية، تخصص 10٪ من أرباحها السنوية للعمل الثقافي والرياضي والمجتمعي في محافظة آسفي بإقليم عبدة وتتمثل مساهمتها السنوية في توفير ما يعادل 35 ألف جنيه مصري كل عام عبر التنسيق مع نوادي السينما والمسرح والشعر والبيئة والرياضة بالمدارس حيث أكد لي عثمان أجناتي من الشركة المذكورة أن "المؤسسة التعليمية في المغرب مفتوحة لكل الأنشطة والتظاهرات الثقافية ويكون من العار لو انعقد مؤتمر ولم تشارك فيه جهة حكومية ".
قوافل شعرية
بعد انتهاء الفعاليات انتقل الشعراء مع المنظمين في رحلة شعرية إلي كلميم ( تُنطَق جولمين بالأمازيغية ). كلميم بوابة الصحراء ، ننطلق بعدها إلي مدينة مراكش التاريخية ليومين ثم آخر محطة شعرية لنا في مدن الشمال خنيفرة الجبلية الجميلة كقري اليونان .في كلميم قامت جمعية "أدوار للمسرح الحر" بالتنسيق مع مؤسسة الكلمة بآسفي لتنظيم مهرجان كلميم الدولي للشعر الذي أطلقت علي دورته "دورة أحمد سالم لطافي" ابن كلميم الذي تم تكريمه لإسهامه في المجالات الفكرية والسياسية والتربوية ولدفاعه عن حقوق الفقراء. نهضت المغنية الكبيرة بفرقة "يمدح" تشكره وتُقبله "فهي التي تعرفه وتعرف أسرته من سنوات. امتد العنوان الفرعي للملتقي إلي كلميم "الكتابة الشعرية وأسئلة الراهن" علي مدي يوميّ 23 و24 مارس وانعقدت مائدة مستديرة شاركت فيها غادة نبيل وفرانسواز روي وباتريك كي وباتريس لويس.
" الشعر يُسمَع "
حين قال باتريك كي هذا أجهش للبكاء. ارتجف صوت الشاعر والأكاديمي العجوز لتصفق القاعة التي امتلأت بمعلمين ومعلمات تحت التكوين في الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بكلميم- السمارة. اشتركنا في نقاش مفتوح مع الطلاب الذين سيكونون أساتذة المستقبل بالمدارس بعد سنوات أو شهور. باتريك كي وكريستيان دودون يقرآن شعرهما كأنما يدخلان حكاية أسطورية. يرافق صوت كي ودودون "عزف" البرتغالي سيرجيو موراس. سيرجيو لا يعزف بل يتلقي الوحي. هذا ما نراه علي وجهه بعينيه المغلقتين طوال قراءة صاحبيه لشعرهما. حين رأيت موراس المرة الأولي تأملت طوله الفارع وشعره المعقوص إلي أعلي. قلت "تذكرني بناسك أو رجل دين هندوسي. وربما وشعرك هكذا - بالبوذا ".لما أسدل وشاحاً عاجي اللون علي شعره المرسل لاحقاً رأيت شيئاً آخر فُقلت: "الآن تبدو كالمسيح" . يميل إلي صمت. يتدلي من عروة جيب الجاكيت الذي يرتديه قلبٌ جلدي بدا كحافظة.سألته ماذا بداخله فأجاب : "أرواح".
حكي لي المنظمون والشاعرة المكسيكية فرانسواز أنه يعيش في كهف بأحد جبال فرنسا. سألتها: "وكيف يتدفأ أو يأكل؟" قالت"لا أعرف، لكنه يعالج الناس بالأعشاب دون مقابل مادي". عدت أسأل "طبيب أو ساحر القرية شامان ؟" فأكدت"شامان" وقالت أنه يعيش علي بعد مسافة قصيرة من بيت باتريك كي، لذا حين يحتاج شيئاً بدرجة ملحة يلجأ لباتريك. وُلِدَ في بلدة إفريقية وقضي السنوات العشر الأولي من عمره بالكونغو. لاحظت غرابة بعض آلاته الموسيقية .كنت أعتقد أنه من صنعها.كنت مخطئة .كانت معه آلة تُحدث رنيناً محلمياً غرائبياً كأنما أصوات غابة أسطورية. كان اشتراها من الكونغو وقد لائمت الثيمة والأداء الأسطوري لقراءة باتريك الشعرية المستوحاة من ملحمة جلجامش وشخصية أنكيدو.كنتُ في منطقة من الصفير والعواء في برّية تمازج بين الشعر والمسرح التجريبي وموراس يغلق عينيه داخلاً حالة تشبه الجذبة، يخلع حذاءه ليبقي بالجورب الصوف محاولاً استخراج الأرواح التي حكي لي عنها في "قلبه"، حالة أثيرية تفقد فيها الكلمات أوزانها لتعود كأصوات مكتومة.. إلي عالم ما قبل الكلام.
استمعنا إلي أشعار الطلاب بالعربية والأمازيغية والفرنسية في المركز الجهوي للتربية والتكوين بكلميم . سألوني"لماذا لا يعترف المشارقة بشعرنا المغربي؟". استشعرت مرارة تقليدية قديمة وكان ردي أني لا أظن أن الشعر المغربي الراهن أو القديم يحتاج أو ينتظر اعترافاً من أحد لكن المشكلة قد تكون لها علاقة بكسل التواصل مع التجارب الإبداعية البعيدة جغرافياً هذا قبل الثورة التكنولوجية".
سألني أحد الطلاب الجامعيين السلفيين بالإنجليزية"ما الذي فعله الشاعر المصري لتغيير الوضع الدموي في مصر ؟،كما طرح سؤالاً آخر يتصل بترجمة الشعر وما إذا كنت أؤيدها ؟كانت إجابتي أن الشاعر يكتب. لا أعرف إن كان بكتابته عن القبح والألم بجمال يكون مساهماً بدرجة ما في تجميل الواقع وبالتالي في استمرار تحملنا للقبح وهو في بعض المجتمعات حمل السلاح لكن في مصر لم يحمل السلاح. مع هذا هناك شعراء تم سجنهم لأنهم ناشطون مثل الشاعر عمر حاذق الذي كتب عن الفساد المالي والإداري بمكتبة الإسكندرية محل عمله وحاز جوائز دولية علي شعره وتظاهر ضد قتلة خالد سعيد (البوعزيزي المصري) أثناء محاكمتهم وبسبب قانون التظاهر تم القبض عليه لمجرد سؤاله الضابط إلي أية وجهة يصطحب صديقه لؤي قهوجي. حوكم ويقضي حالياً عقوبة السجن عامين وغرامة 50 ألف جنيه. ماذا يمكن أن أقدم لعمر وأمثاله؟ أكتب .كتبتُ " ناشطون في المحرقة " وكتب غيري ووقعنا كشعراء وكُتّاب بيانات تطالب بإطلاق سراحه. أما موضوع الترجمة فلا بديل عمليّ أمامنا لقراءة شعر وأدب لغات أخري ولولا ترجمة الشعر لما تمكنت من قراءة كل ما قرأته مترجماً لكن تبقي حقيقة أن الشعر يفقد- لا بد له أن يفقد حين يترك لغته". في نفس التوقيت الصباحي عقد لقاء مفتوح حول موضوع " ما جدوي الشعر في عالم اليوم؟" في ثانوية التميز التقنية بمشاركة شريف الشافعي، جميلة أبيطار، فرات إسبر، بلقيس حميد حسن، محمد العزب و إدارة موراد لمنيوي اشتملت علي تبادل القراءات والخبرات الشعرية بين التلاميذ والشعراء.
جريمة الوطن
التجربة الأقسي كانت اللقاء الذي فاتني بحكم انخراطي في لقاء الصباح حول الكتابة الشعرية وأسئلة الراهن، وأقصد لقاء الشاعر والروائي العراقي النبيل حميد العقابي مع اللجنة الجهوية لحقوق الإنسان.
كنتُ قد تبادلت الحديث مع حميد في آسفي وعرفت دون تفاصيل أثناء استعدانا لمغادرة الفندق ودخول الميكروباص للسفر قصة هروبه من العراق إلي إيران (لاحقاً قرأت أنه اتجه إلي سوريا قبل هجرته للدانمارك ) وخروجه من الحزب الشيوعي ولما كنا نستعد لاستقلال الميكروباص لم أساله السؤال الذي تبادر إلي ذهني:وماذا فعلوا بعائلتك؟.
كأنما القدر أعفاني من المعرفة الفادحة ليوم واحد. بشكل عادي حكي حميد عن كل ما هو غير عادي حتي عرفت كيف يتم قتل معني الوطن في نفوس المعارضين حتي لو لم يحدث توحد بين الوطن والديكتاتور لدي المعارض المخلص. ببساطة قال الرجل الجبل : " اغتصبوا أختي ". شككت أني لم أسمع جيداً وسألته ماذا فعلوا فكرر سرد المأساة . هذا الهرم الذي يجلس أمامي يحمل كل هذا العبء !
زاد حميد ألمي دون قصد وهو يحكي كيف قال لأمه أنه لو خرج من العراق لن يعود إليه أبداً .. أمه التي كانت تدفن كتبه المهمة له قالت ما تملكه كأم حرة ربت أولادها علي الحرية : " أنت حر ".
لكنها لم تتحمل. انتحرت بعد شهر .
يسأل سؤاله الأبدي الملحمي :" علي شو بدي أتحمل الذنب ؟!!".
عرف كيف يكتب لاحقاً ليتطهر فكانت " الفئران " الرواية الصادرة عن دار الجمل .
قرأ كل الشعراء في الأمسية الشعرية بحديقة التواغيل وشاركتنا أصوات مغربية مثل سعيد كويس وعبد الهادي النعيم وهشام الدللوري وتم تكريم ضيف شرف المهرجان ، المثقف المعارض أحمد سالم لطافي وتلا هذا توزيع جوائز المسابقة الشعرية التلاميذية.
في آخر رحلتنا نعبر علي أنهار بين الجبال. خنيفرة المدينة تخضع للطبيعة والبرد.الأسقف عادية لكن بعضها قرميدي .
تم تنظيم لقاء بين منتدي الأطلس للثقافة والفنون بشراكة مع بيت الكلمة بآسفي وبالتنسيق مع مؤسسة الأعمال الاجتماعية للتعليم بخنيفرة.
كانت صور الشعراء تظهر في الخلفية علي شاشة سينما بجوار أعلام بلادهم أثناء القراءة فوقف الشاعر السوري الكردي المهاجر حسين حبش مسجلاً اعتراضه فقال: " هذا العلم الذي بجوار صورتي هو علم النظام وإن كان لا بد فليكن علم كردستان أو علم الجيس السوري الحر . لكن هذا العلم لا يمثلني " ، بعدما قرأ باللغة الكردية واللغة العربية.
شكرته المنصة وتمت إعادة صورته واسم " سوريا " بجانبها دون العلم وتم تصوير ذلك .
قرأ الشاعران المغربيان قاسم لوباي وفتح الله بوعزة بالإضافة لعدد من شعراء الملتقي العرب والأجانب مثل غادة خليفة وغادة نبيل وفرانسواز روي وكريستيان دودون وباتريس لويس وألححنا علي عبد الحق ميفراني قبلها فقرأ قصائد قصيرة عذبة وقرأ الشاعر الأمازيغي أحمد خيطوش بلغته ، ثم عاد ميفراني يقدم نصاً هو " تحية تقدير لكل من بقوا معي حتي النهاية " بعنوان " حديقة الأصدقاء " حيا فيه كل الشعراء وسائق حافلتنا حتي وصل إلي سيرجيو موراس الذي قال عنه: " آخر ابن عربي يظهر في العصر الحديث " وأنهي بوصف الشعراء بكونهم " أتوا ليغيروا العالم لكنهم أجلوا ذلك إلي الدورة الثالثة العام القادم ".


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.