أري عبر الزجاج المتسخ، السطح المواجه، لا أتبين منه سوي السور القصير المتهدم في أكثر من موقع. تصل إلي أذني كلمات الواقف أمامي صدئة، متناثرة، بلا دلالات. تلاشٍ تدريجيّ امرأة تحمل طستاً كبيراً مليئاً بقطع الملابس المغسولة. تلف رأسها بمنديل أزرق، يتهدل منه شعرها الأسود. جلبابها الوردية الطويلة مبتلة في منطقة البطن، ملتصقة علي جسدها الممتليء، تبرز تجويف السرة وتكور الجزء الأسفل المترهل. تلاشٍ تدريجيّ عندما أحرك رأسي مبتعدة بوجهي عن النافذة، كثيراً ما تلتقي عينانا. شيء ما فيهما ميت، أشرد في حركاته العصبية، اتجاهات يديه، الأشكال التي ترسمها في الهواء ثنيات الأصابع وانفرادها، كفه الصغيرة المطبقة في تحد، تقلصات الوجه العاري من التفاصيل، تمدد شعيرات الشارب الرفيع عند انفراج الثغر، حركة الشفتين الغليظتين وهي تنطبق وتنفصل، تصبح دائرية، بيضاوية، مزمومة، منفرجة، حمراء، صفراء... تلاشٍ تدريجيّ منهمكة في تثبيت المشابك في قطعة ملابس داخلية رجالي. طرف لسانها ينتقل من زاوية الفم اليسري إلي زاوية الفم اليمني. في حركات رشيقة تنثني لتلتقط قطعة ملابس وتنفرد لنشرها علي الحبل الممتد بعرض السطح، شقي الثديين المترجرجين عند كل انحناءة تلتقطهما عيناي، كلما تعامد نصفها الأعلي علي نصفها الأسفل وانفتحت الجلباب عند الصدر في مواجهتي... تلاشٍ تدريجيّ يقف عارياً تماماً في نصفه الأعلي يدخن سيجارة، يسند ذراعه اليسري علي حافة نافذته المطلة علي السطح، عيناه تتابعان حركات الجسم اللدن بتلذذ، تغوص في المؤخرة العريضة عندما تنثني ملتقطة قطع الغسيل. تلاشٍ تدريجيّ نقطة عرق تنزلق في يسر من مكان ما من قمة رأسه الأصلع لتلتقي بأخري اختبأت بين شعيرات الحاجب أو برزت علي الجبهة، فتعصرهما الثنيات اللحيمة المتوازية قبل أن يرفع منديله الورقي ويمتصها، فتسقط علي أعلي الرمش الأوسط قطعة ورقية دقيقة بيضاء. في السقف كانت المروحة معطلة تلاشٍ تدريجيّ الشمس آخذه في الهبوط، صانعة ظلالاً طويلة مملة للأشياء والبشر وللسور القصير علي الزجاج المتسخ، فتقسمه نصفين: نصف مترب مضيء، ونصف مترب مظلل. ينتقل وجهها المندي بقطرات العرق من ذلك النصف الأعلي إلي ذلك النصف الأسفل فيبدو مضيئاً تارة ومظلماً تارة... تضيع ملامحه في أعلي ثم تصبح دقيقة واضحة في أسفل.... تلاشٍ تدريجيّ شعيرات حمراء دقيقة تتقاطع عشوائية في بياض عينيه، ينسدل جفناه العلويان بحركة آلية ناعسة علي فترات متباعدة لتنضما إلي الجفنين السفليين، فيرتسم خطان داكنان متجاوران أسفل الحاجبين. رعشة خفيفة في أطراف الأصابع الصفراء التي يرتفع ثانيها وأوسطها بين الحين والحين يلتقطان السيجارة ببطء ثم يعيدانها إلي الفم فينساها. تلاشٍ تدريجيّ في لحظات مختلسة يلامس طرف ركبته اليمني طرف ركبتها اليسري.. بجانبي. بخطوات محسوبة تسير اليد السمراء المشعرة علي أطراف أصابعها لتلتقي في منتصف الفراغ الخشبي الفاصل باليد الصغيرة التي تسحبها الأصابع بتردد. تلاشٍ تدريجيّ تخللت أصابعه الرفيعة غابة الشعر الأسود الكثيف وهو يدعك صدره ببطء بيده اليسري، متأملا تفاصيلها تارة، مختلساً نظرات سريعة خلفه داخل المنزل تارة. ومن خلف الجدار الذي يختفي وراءه نصفه الأسفل، تهبط اليد اليسري فتبدو عضلات الذراع مشدودة، منتصبة علي أثر الحركة الآلية. تلاشٍ تدريجيّ شفتاه المرسومتان بدقة تترنمان بكلمات تهتز علي أثرها رأسه الحليق يمنة ويسرة. ثبت بإحكام غطاء رأسه الميري الأسود ذا الحافة الحمراء التي غطت قمة الحاجبين. تتعامد الشمس مباشرة علي الوجه الخمري المنحوت. تبرز عظمتا الفك العلويتان فتلمع عليهما ذرات العرق الصغيرة المتداخلة الممتدة حتي عظمتي الفك السفليتين الأملسين. تلاشٍ تدريجيّ تزداد الفتحة الصغيرة أعلي سوستة السروال، تدريجيا عندما يضع يديه في الجيب الجانبي، تتشكل علي نسيجه من الخارج الحدود الدائرية لبدايات الأصابع وهي تتحرك في عصبية. ينزلق المستطيل المعدني المثقوب بسلاسة لزجة إلي أسفل، وعبر الشق الطولي المتزايد أخذ يظهر اللون الأبيض للباسه الداخلي.... تلاشٍ تدريجيّ انتفرت عروقها الخضراء والزرقاء علي أثر الضغطة القوية التي كومت أصابعها في حلقة واحدة يتسلل الابهام الغليظ ضاغطا يشق طريقا في الكف الصغيرة يصنع خطا أبيض، ينفذ بين السبابة والوسطي اللتين ينغرس ظفراهما في اللحم الأسمر. قطرة عرق تنفلت من بين اليدين، تسقط علي الأرض في بركة دقيقة متموجة الأطراف.... تلاشٍ تدريجيّ رغم حركة قدميه الثقيلة بالحذاء الضخم العالي، استقرت البندقية علي جدار البرج ساكنة. ظلالها الحادة تغطي عينه اليمني وأنفه والنصف الأيسر من الفم. عندما تبتعد الريشة البيضاء الهاوية أمام البرج عند محاولته الإمساك بها بكلتا يديه، يبتسم، ثم يعود جسده إلي الوضع السابق ليرتفع الحذاء الثقيل من جديد ثم يهبط مرة بعد مرة في ايقاع رتيب. تلاشٍ تدريجيّ عندما أمسكت بآخر قطعة غسيل، كان عنقها قد تشبع بطبقة لامعة من العرق بدت كالزيت عندما التفتت في اتجاه الشمس الساقطة، دفعت كفها اليسري بكسل متفرقة الأصابع ووضعتها أمام عينيها بمسافة. وعلي مهل ألقت بالكتلة البيضاء علي الحبل ورشقت فيها مشبكين. انتصبت ثم انحنت تلتقط الطست وتستدير تاركة اياه يتدلي بجانبها ويصنع وراءها خطا من المياه يتكون نقطة نقطة واختفت.... تلاشٍ تدريجيّ روائح الطبيخ والسجائر الرخيصة والعطور والجوارب الوسخة تتناغم في أنفي ومع الكلمات المطحونة المتراكمة في أذني. بطرف إبهامي أمسح عرق جبهتي، ومن جديد تتحرك الكتلة الممسوخة في كل الاتجاهات. تماماً في النقطتين السوداويين الصغيرتين اللتين تتوسطان الحدقتين أثبت عيني. أتعرف فيهما علي النهاية. أنزل جفني بهدوء ولا أعد أري شيئا. إظلام مع انسدال الجفون