موانئ البحر الأحمر: وصول 8500 طن بوتاجاز لميناء الزيتيات    وزيرة الاستثمار تستعرض مع وفد أمريكى انجازات برنامج الاصلاح الاقتصادي    السياحة تشارك في إعداد بيان مؤتمر لجنة السياحة بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية    لافروف يؤكد تمسك موسكو بالحفاظ على سيادة العراق وسلامة أراضيه    "الخارجية الفلسطينية" تُحمل المجتمع الدولي مسؤولية تداعيات فشل وقف الاستيطان    أسامة نبيه: معسكر المنتخب سيشهد انضمام لاعبين جدد    ربة منزل تشعل النيران في الشقة للتخلص من زوجها    «الآثار»: الكشف عن «شاهد قبر» يعود للعصر القبطي بالأقصر    60 ألف كرتونة رأس ماشية من البنك الإسلامي للتنمية للمناطق الفقيرة    بعد فوز "شينزو آبي".. دستور اليابان "السلمي" في خمس نقاط    مسئولة اسبانية: رئيس كتالونيا سيفقد صلاحياته وراتبه بعد الموافقة على المادة 155    الشرطة الإسرائيلية تعتقل 51 فلسطينيا في مداهمات ليلية بالقدس الشرقية المحتلة    "الفلبين": انتهاء المعارك في "ماراوي" بعد القضاء على "ماوتي"    تباين مؤشرات البورصة في مستهل تعاملات جلسة اليوم    عمرو أنور يتحدث عن «أزارو» وصفقات الأهلي.. ووقت مشاركتهم المناسب    الأهلي يطرح تذاكر مباراة نهائي إفريقيا خلال 72 ساعة    متعب يعلن دعمه لقائمة الخطيب    نيبوشا يُعيد ترتيب أوراق الزمالك لإيقاف نزيف النقاط    وزير النقل يتفقد طريق "شبرا - بنها" الحر.. أصبح جاهزا للافتتاح    الصحة: وفاة 6 مواطنين وإصابة 14 أخرين فى 4 حوادث سير ب3 محافظات    «الأرصاد»: استمرار حالة الطقس المعتدلة على كافة الأنحاء    ضبط 1868 مخالفة مرورية وتنفيذ 620 حكما في مجال تنفيذ الأحكام بالفيوم    تحرير 2290 مخالفة مرورية في حملة بالبحيرة    استقرار الدرهم الإماراتي.. و4.79 أعلى سعر لشرائه في 12 بنكا    صابر عرب سعيد باختياره شخصية العام الثقافية في معرض الشارقة للكتاب    بيع التحف الفنية عبر الإنترنت يجذب 500 ألف شخص    "عبد الله" يطالب بحسن معاملة المرضي وتقديم الخدمة علي أكمل وجه    دراسة تحذر من تناول الشيكولاتة والبطاطس في فترات الراحة    مستشفى مصر الجديدة العسكرى يستضيف خبير عالمى فى جراحة المسالك البولية    اليوم استكمال سماع الشهود في محاكمة 215 متهما ب"كتائب حلوان"    القبض على متهمين جدد في قضية "صندوق الإسكان" بالسويس    والد النقيب المفقود محمد الحايس في تصريحات مؤثرة عن رغبته في معرفة مصير نجله وتضارب الأقوال والمعلومات التي وردت إليه(فيديو)    الرئيس السيسي يبدأ زيارة رسمية الى فرنسا    9 قتلى بهجوم للقاعدة على مركز أمني باليمن    عبد العال: اللى مش عاجبه الطوارئ يمشي.. مع السلامة    أنشطة ثقافية لأطفال المدارس بمناسبة رحيل طه حسين    نظام الانتقام.. فصل شومان وعبدالله وعبد الحميد من نقابة المهن التمثيلية    فوائد الاهتمام بتحفيظ الصغار القرآن الكريم    ورشة عمل حول «ثروات مصر الطبيعية» بأكاديمية البحث العلمي.. 31 أكتوبر    خطة عاجلة لإنقاذ بيت الزعيم سعد زغلول بكفر الشيخ    "الهندسة الزراعية القناة" يفوزون بالمركز الثاني بمسابقات يوم الأغذية العالمي    تطعيم 11 مليون تلميذ بالمدارس الابتدائية ضد الديدان المعوية    جولة داخل غرفة قيادة حاملة الطائرات «ميسترال أنور السادات» (فيديو وصور)    دراسة تؤكد عدم إمكانية إصابة البالغين باضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه    تعليق ناري من الغندور بعد سداسية الأهلي في النجم    نقيب الموسيقيين يهنئ الأهلي على وصوله لنهائي أبطال أفريقيا    سكرتير محافظة جنوب سيناء ورئيس مدينة الطور يوقعان على «علشان تبنيها»    شاهد..عماد متعب يكشف تطورات خلافه مع البدري    عادل حمودة يفتح خزائن أسراره الشخصية والمهنية (فيديو)    107 ملايين دولار إيرادات فيلم جاكي شان في أسبوعه الأول    ياسر عبد العزيز: الدولة يقع على عاتقها الدور الأكبر في تطوير الإعلام    خالد سمير يطالب بتفعيل بنوك الأعضاء البشرية في المستشفيات    "متعب": الكأس لروح شهداء الواحات إن شاء الله    300 ألف دولار تبرعات لعلاج أطفال أبو الريش    خالد الجندي يعلق على وجود مقبرة داخل حوش إحدى المدارس بالقليوبية    الإرهاب الأخلاقى    جيل من ذهب    فتوى أزهرية: قتلة ضباط الشرطة هم «كلاب أهل النار»    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فانوس رمضان‏..‏ تاريخ وحكايات‏!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 28 - 08 - 2010

ولا ننسي فضل وأثر النار علي الإنسان كمصدر إضاءة كان الوحيد القادر علي هزيمة الليالي حالكة الظلمة‏,‏ والتي بدورها كانت عدوا شرسا للإنسان الأول‏.... ومن هنا كانت النار هي أول مصدر إضاءة لأجدادنا الأوائل وبعدها بملايين السنين عرف الإنسان طريقه إلي شحوم الحيوانات وزيوتها كمصدر إضاءة وحماية من وحشة الظلام‏.‏
ثم كبرت وصغرت المسارج وتعددت أشكالها‏,‏ ونقوشها‏,‏ بل والمواد التي صنعت منها‏,‏ وكان أكثرها شيوعا هي المسارج الفخارية‏,‏ وكان الزيت يوضع بها‏,‏ ويغمس فيه فتيل يتم إشعاله للإضاءة‏,‏ وعلي ضوء هذه المسارج أستطاع الفنانون المصريون في عصر الفراعنة تزيين المقابر الملكية‏,‏ وغير الملكية بأجمل الرسومات والنقوش الملونة البديعة التي تظن عندما تراها‏,‏ كما لو كانت قد رسمت بالأمس القريب‏,‏ وليس من آلاف السنين‏...‏
واحتار علماء المصريات في معرفة الكيفية التي تمكن بها الفنان المصري القديم من استخدام هذه المسارج دون أن يؤثر صناجها علي رسوماته وألوانه‏,‏ ونحن نعرف أن الضوء المنبعث من فتيل الزيت لابد‏,‏ وأن يخرج معه دخان أسود نتيجة الاحتراق‏,‏ فكيف وبأي وسيلة تغلب المصري القديم علي هذا الصناج؟
نكاد نتفق أن المصري قد أستخدم ملح النطرون‏,‏ وإضافه إلي الزيت لك يمتص الصناج الأسود‏..‏ ولكن حتي هذا لا يمنع تماما من خروجه‏,‏ ولذلك فلابد أنه كانت هناك طريقة ما عرفها المصري القديم‏,‏ واستخدمها لمنع هذا الصناج من الانبعاث من المسارج‏!‏
وظلت المسارج تستخدم وأصبحت قاسما مشتركا في حياة الإنسان‏,‏ ومع دخول مصر العصر الإسلامي بدأ تخطيط المدينة الإسلامية في الظهور‏,‏ وبدلا من التخطيط الدائري للمدينة في مصر القديمة صار التخطيط المربع أو المستطيل هو المستخدم والشوارع الضيقة المتقاطعة‏,‏ وكانت تضاء بقناديل زجاجية يصرف عليها من بيت المال أو يتكفل سكان كل شارع بإنارة شارعهم ونظافته‏.‏
وجاءت الطفرة الكبيرة بدخول الفاطميين إلي مصر واليهم مازلنا ننسب كل شيء جديد أو يسميه البعض بدعة وأنا لا أحبذ أستخدام الكلمة الأخيرة نظرا لمردودها الديني غير المستحب‏,‏ فمعرفة أنواع الحلوي كالكنافة والقطايف نسب إلي الفاطميين‏...‏ وكذلك ظهور الفانوس في شهر رمضان نسب إليهم‏,‏ وبروايات متعددة فقيل ان وصول الخليفة الفاطمي الأول المعز لدين الله توافق مع أول أيام رمضان‏,‏ وكان وصوله ليلا فخرج الناس لاستقباله‏,‏ وهم يحملون الفوانيس المختلفة الأشكال لإنارة الطريق‏,‏ وتحية للخليفة ومقدمه‏.‏
كذلك قيل عن ظهور فانوس رمضان ان مدينة القاهرة قسمت إلي خطط أي أحياء يعين لكل حي شخص يقوم بإيقاظ الناس ليلا لتناول سحورهم‏,‏ وهو ما عرف بعد ذلك بالمسحراتي وكان يسير في آخر الليل لينادي علي الناس يتبعه غلام صغير يحمل فانوسا للإضاءة‏...‏
أما عن أغرب ما قيل عن سبب ظهور فانوس رمضان‏,‏ فهو أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله كان قد منع النساء من الخروج ليلا‏,‏ واستثني شهر رمضان من ذلك الأمر لكي يسمح لهن بالخروج للصلاة أو التزاور‏,‏ ولكي يسعدن بالشهر الكريم‏..‏ إلا أنه اشترط وجود غلام يحمل فانوسا لينير الطريق‏,‏ ويعلم المارة بأن هناك امرأة تمر بالطريق‏,‏ فيفسحون لها‏,‏ ويغضون أبصارهم‏.‏
أما أدق الروايات وأصدقها من وجهة نظري أن الناس في العصر الفاطمي كانوا يولون الاحتفالات والأعياد اهتماما عظيما‏,‏ ويتفننون في الإعداد لها‏,‏ وكان قدوم شهر رمضان مناسبة عظيمة يقوم الناس بتنظيف المدينة وشوارعها‏...‏ والتجار يقومون بترتيب بضائعم وتزيين حوانيتهم لاستقبال الشهر‏,‏ ومن ضمن هذه الاستعدادات كانت فوانيس الإضاءة الجميلة تستخدم في الشوارع والمساجد والحوانيت الأمر الذي جعل الفانوس يرتبط بمقدم رمضان‏...‏ وليس هناك بالضبط تأريخ دقيق للوقت الذي أصبح فيه الفانوس هدية الآباء لأبنائهم في رمضان‏...‏ ولكن الثابت أنها موروث شعبي أصيل في مصر علينا أن نحافظ عليه‏,‏ ونأصله في نفوس الأجيال القديمة ولننتبه إلي غزو صيني قد يؤدي في النهاية إلي القضاء علي هذا الموروث الجميل‏!‏
كانت بداية الفانوس‏,‏ كما نعرفها جميعا ونتذكرها من الصاج والزجاج الملون‏,‏ وكانت توضع بداخله شمعة لتضيئه‏,‏ وجاء زمن أصبح فيه الفانوس لزاما علي كل أب نحو أبنائه في رمضان‏,‏ وليس مجرد هدية قد يشتريها الأب أو الجد لأبنائه أو أحفاده‏,‏ وإنما واجبا ملزما يعرف كل طفل أنه يقتني فانوسا في رمضان والجميل أن الفانوس لم يكن هدية طرف واحد‏,‏ وإنما هو هدية للبنت والولد علي حد سواء‏.‏
وكانت أجمل الأوقات التي نجتمع فيها نحن أطفال القرية‏,‏ ومعنا الفوانيس المختلفة الألوان والأشكال نعلب ونغني‏,‏ وبعدها نذهب إلي حارة الجامع ليكبر الجمع وتكثر الحكايات والروايات التي نحكيها‏,‏ ولايضيء ظلام المكان سوي فوانيس رمضان‏..‏ وكنت أحرص علي هذه الفوانيس بعد أن ننتهي من اللعب بها‏,‏ حيث أجمعها وأعيد تنظيفها وإصلاح ما يعطب منها بعد الانتهاء من دروسي في كتاب القرية‏...‏ وكانت الدراسة لا تخضع للروتين الحالي‏,‏ ولكن كان التعليم يعتمد علي إدراك ووعي الطفل‏,‏ حتي انني التحقت بالمرحلة الابتدائية‏,‏ وأنا مازلت في سن الرابعة‏...‏ ودخلت الجامعة وأنا في الخامسة عشرة من عمري‏.‏
وخلال هذه الفترة من العمر ظل فانوس رمضان مرتبطا بنا في القرية إلي سن العاشرة‏...‏ وبعد ذلك كنت أقف في الحارة وأشاهد الاطفال‏,‏ وهم ينطلقون مع أغنية وحوي‏...‏ يا وحوي‏...‏
ويدور بندول الزمن ويظهر لدينا الفانوس المصنوع من البلاستيك ويضاء بلمبة صغيرة عن طريق البطاريات الجافة‏,‏ ولم يقض ظهور هذا النوع من الفوانيس علي النوع الآخر‏,‏ وإنما ظل الاثنان موجودين جنبا إلي جنب‏,‏ بل إن شكل الفانوس البلاستيك كان في مجمله تقليدا للفانوس العتيق‏.‏
وظل الفانوس متمسكا بتقاليده ومكانته في نفوسنا إلي أن دهمنا الغزو الصيني‏,‏ فاختلف شكل الفانوس‏,‏ بل انقلب حاله‏,‏ ولم يعد فانوسا‏,‏ بل مسخا يتخذ أشكالا آدمية وحيوانية أو أشكال طيور‏,‏ وينطق ويغني بأشكال مختلفة‏...‏ وأصبح الفانوس كأي دمية يشتريها الوالد لأبنائه والأسوأ أن أصبح هناك أشكالا من الفوانيس للولد‏,‏ وأخري للبنت بعد أن كانا يقتنيان فانوسا واحدا‏!‏
ومع ظهور الصيني انحسر الفانوس التقليدي إلي حد وصل إلي الاختفاء في السنوات الماضية‏...‏ إلي أن وجدناه يعود مرة أخري في هذا العام‏,‏ وكنت أسعد الناس بظهوره‏,‏ وإقبال الناس علي شرائه مرة أخري‏,‏ وكان منظر الفانوس التقليدي سببا في استعادة ذكريات الزمن الجميل‏...‏ أيام الطفولة عندما كنا نخرج بعد إفطار يوم رمضان إلي شوارع القرية في مجموعات تتباهي بفوانيسها نغني وننطق بكلمات لا نعرف معناها‏,‏ وإنما تحفظها قلوبنا والسنتنا وكانت وحوي يا وحوي هي أغنية الفانوس‏....‏ أغنية الطفل المصري في القرية والمدينة‏,‏ والمدهش أن هذه الكلمات تعود أصولها الأولي إلي الفراعنة وأحتفالهم بالقمر وكلمة وحوي واليوحة هي كلمات تشير إلي أسم القمر عند المصري القديم‏,‏ ولذلك ليس من المستبعد أن تكون أصول أغنية الفانوس فرعونية خالصة‏..‏ هذا ما يؤكد تفرد الشعب المصري بأصالة‏,‏ وحفظ الموروث رغم تباعد الزمن‏.‏
يجب أن نسجل هذا التراث‏,‏ خاصة أنه جزء من تراث الطفل المصري علي مر العصور منذ زمن الفراعنة‏...‏ وإلي اليوم‏..‏ وأعتقد أن لوزارة الثقافة مسئولية ودورا للحفاظ علي هذا الموروث الشعبي‏,‏ وحمايته من هجمات فوانيس كرومبو وهيفاء ونانسي والتوك توك‏...‏ وكل سنة وأنتم طيبون‏.‏

المزيد من مقالات د. زاهي حواس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.