غرفة مواد البناء: صادرات الرمل الزجاجي مستمرة بصورة طبيعة    تراجع مخزونات النفط الأمريكية 3.6 مليون برميل    الكرملين: دعم كامل لوقف إطلاق النار في أوكرانيا    الخميس.. السيسى يرأس أول اجتماع للمجلس الأعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف    القوات الجوية العراقية تلقي منشورات على مدينة تلعفر    مؤمن زكريا : "عدم انضمامي للمنتخب لا يوثر عليا ولكن بيدايقني"    سان جيرمان يرد على برشلونة بعد مقاضاة «نيمار»    حالة الطقس اليوم الأربعاء 23/8/2017 فى مصر والدول العربية    فصل خفير قسم شرطة الوقف بعد ثبوت تورطه في هروب 5 مساجين    منة عطية: لست شبيهة دينا الشربيني وألبومي لا ينافس الهضبة    5 أسباب طبيعية لتأخر الدورة الشهرية    خالد عبد العزيز يوضح الموقف في حالة إقامة عمومية الأهلي على يومين    المحكمة الرياضية في إسبانيا تؤيد إيقاف رونالدو خمس مباريات    صراع إيطالي إنجليزي على ألديرفيرلد    بالصور.. البابا تواضروس يفتتح مدرسة سان ارساني للغات    حبس 12 متهما بينهم أطباء وممرضين بتهمة الإتجار بالأعضاء البشرية بالجيزة    عطل فني يلغي رحلة الخطوط البريطانية بمطار القاهرة    نائب محافظ القاهرة:عودة الرواج لسوق الترجمان.. والبيع بسعر المصنع    الإسكان: من حق سكان القاهرة حجز "شقة" بأكتوبر ضمن الإعلان التاسع بشرط خاص    محفوظ عبدالرحمن مؤرخا    "الفقي": تراجع قيم تداولات البورصة ب 20% منذ تطبيق ضريبة التمغة    خالد الجندي: «منحرفون» يحاولون لي ذراع الأزهر لتغيير شرع الله    السيسي ل«الطيب»: لمست إشادات كبيرة بدور الأزهر خلال زياراتي الخارجية    الهند: محكمة تصدر حكماً ضد «الطلاق الفوري»    «النجار» عن زواج التونسيات من غير المسلمين: ليس لنا عليهم سلطان    غادة والي: تسكين 10 آلاف و170 حاجا من الجمعيات في فنادق مكة.. صور    40 مليون جنيه لتطوير شوارع القليوبية    العلاقة المشبوهة.. تواصل الألتراس مع الإخوان وحازمون والشاطر لأغراض سياسية    بلاغ للهيئة الوطنية للإعلام.. الغندور يدافع عن كيان الألتراس الإرهابى على شاشة «LTC»    المنصور.. مرتضى تصدى لهم بعد التطاول على الجيش والشرطة    مستشار وكالة الفضاء الروسية: لابد من الارتقاء بالكفاءة المصرية وإدخال مناهج خاصة بالنووى فى كليات الهندسة    المحامين تسقط قيد 305 أعضاء لامتهانهم وظائف أخرى    السوشيال ميديا: الصين تدعو الرئيس ل«بريكس» عشان إللى مبيفهمش يفهم.. مشرفنا دايمًا    بن دغر: طهران سعت لزعزعة الأمن الخليجى من صنعاء    «البنتاجون» يدرس تعرض مدمرة اصطدمت بناقلة نفط بسبب «هجوم إلكترونى»    «نادر ولا مش نادر؟»    الداخلية تستجيب ل« روزاليوسف»    25 بلاغاً يكشف نصاب تأشيرات الحج بشبين القناطر    بدء إنشاء ميناء دهب بتكلفة 150 مليون جنيه    المساواة مش فى الميراث فقط.. ولكن الأجور أيضًا    قيادتا حركتي "فتح" و"حماس" يعقدان اجتماعا في لبنان لمتابعة الأوضاع الأمنية بمخيم عين الحلوة    عزت أبو عوف يتحكم فى أسرة «الأب الروحى»    فؤاد أخيرًا هيغنى!    وداعا للشيكات الورقية    محافظ القليوبية يستقبل وزير الثقافة بشبرا الخيمة    القابضة للنقل تخصص 300 أتوبيس سياحى لنقل الركاب خلال العيد    أكبر قافلة لإجراء مسح طبى شامل ب«حلايب وشلاتين»    السعودية وأمريكا يتفقان على التعاون لتجفيف منابع دعم الإرهاب بالمنطقة    بالفيديو.. مذيع «الحدث اليوم» يقترح تعيين «كامل الوزير» رئيسا للوزراء    انفراجة فى أزمة «الصيادلة».. وإرجاء عموميتها الطارئة لوقت لاحق    «الأوقاف»: إذا توافقت صلاتي العيد مع يوم الجمعة فالأفضل شرعا أداء الشرعتين    بالفيديو: «حجة الوداع».. برنامج «عمرو خالد» في العشر من ذي الحجة    بعد 6 سنوات سياسة.. خالد يوسف يسعى للاستقرار على أبطال «كارما» قبل عيد الأضحى    طلعت زكريا يدرس عروضا درامية    التعليم العالي: 130 ألف طالب سجلوا رغباتهم بالدبلومات الفنية    بكري: تهديدات "داعش" تستهدف مشروع عبدالرحيم علي ضد الإرهاب    الصحة : اطلاق قوافل طبية مجانية ب 18 محافظة حتى نهاية الشهر الحالى    وكيل صحة المنوفية تبحث تطوير الوحدات الصحية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





فانوس رمضان‏..‏ تاريخ وحكايات‏!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 28 - 08 - 2010

ولا ننسي فضل وأثر النار علي الإنسان كمصدر إضاءة كان الوحيد القادر علي هزيمة الليالي حالكة الظلمة‏,‏ والتي بدورها كانت عدوا شرسا للإنسان الأول‏.... ومن هنا كانت النار هي أول مصدر إضاءة لأجدادنا الأوائل وبعدها بملايين السنين عرف الإنسان طريقه إلي شحوم الحيوانات وزيوتها كمصدر إضاءة وحماية من وحشة الظلام‏.‏
ثم كبرت وصغرت المسارج وتعددت أشكالها‏,‏ ونقوشها‏,‏ بل والمواد التي صنعت منها‏,‏ وكان أكثرها شيوعا هي المسارج الفخارية‏,‏ وكان الزيت يوضع بها‏,‏ ويغمس فيه فتيل يتم إشعاله للإضاءة‏,‏ وعلي ضوء هذه المسارج أستطاع الفنانون المصريون في عصر الفراعنة تزيين المقابر الملكية‏,‏ وغير الملكية بأجمل الرسومات والنقوش الملونة البديعة التي تظن عندما تراها‏,‏ كما لو كانت قد رسمت بالأمس القريب‏,‏ وليس من آلاف السنين‏...‏
واحتار علماء المصريات في معرفة الكيفية التي تمكن بها الفنان المصري القديم من استخدام هذه المسارج دون أن يؤثر صناجها علي رسوماته وألوانه‏,‏ ونحن نعرف أن الضوء المنبعث من فتيل الزيت لابد‏,‏ وأن يخرج معه دخان أسود نتيجة الاحتراق‏,‏ فكيف وبأي وسيلة تغلب المصري القديم علي هذا الصناج؟
نكاد نتفق أن المصري قد أستخدم ملح النطرون‏,‏ وإضافه إلي الزيت لك يمتص الصناج الأسود‏..‏ ولكن حتي هذا لا يمنع تماما من خروجه‏,‏ ولذلك فلابد أنه كانت هناك طريقة ما عرفها المصري القديم‏,‏ واستخدمها لمنع هذا الصناج من الانبعاث من المسارج‏!‏
وظلت المسارج تستخدم وأصبحت قاسما مشتركا في حياة الإنسان‏,‏ ومع دخول مصر العصر الإسلامي بدأ تخطيط المدينة الإسلامية في الظهور‏,‏ وبدلا من التخطيط الدائري للمدينة في مصر القديمة صار التخطيط المربع أو المستطيل هو المستخدم والشوارع الضيقة المتقاطعة‏,‏ وكانت تضاء بقناديل زجاجية يصرف عليها من بيت المال أو يتكفل سكان كل شارع بإنارة شارعهم ونظافته‏.‏
وجاءت الطفرة الكبيرة بدخول الفاطميين إلي مصر واليهم مازلنا ننسب كل شيء جديد أو يسميه البعض بدعة وأنا لا أحبذ أستخدام الكلمة الأخيرة نظرا لمردودها الديني غير المستحب‏,‏ فمعرفة أنواع الحلوي كالكنافة والقطايف نسب إلي الفاطميين‏...‏ وكذلك ظهور الفانوس في شهر رمضان نسب إليهم‏,‏ وبروايات متعددة فقيل ان وصول الخليفة الفاطمي الأول المعز لدين الله توافق مع أول أيام رمضان‏,‏ وكان وصوله ليلا فخرج الناس لاستقباله‏,‏ وهم يحملون الفوانيس المختلفة الأشكال لإنارة الطريق‏,‏ وتحية للخليفة ومقدمه‏.‏
كذلك قيل عن ظهور فانوس رمضان ان مدينة القاهرة قسمت إلي خطط أي أحياء يعين لكل حي شخص يقوم بإيقاظ الناس ليلا لتناول سحورهم‏,‏ وهو ما عرف بعد ذلك بالمسحراتي وكان يسير في آخر الليل لينادي علي الناس يتبعه غلام صغير يحمل فانوسا للإضاءة‏...‏
أما عن أغرب ما قيل عن سبب ظهور فانوس رمضان‏,‏ فهو أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله كان قد منع النساء من الخروج ليلا‏,‏ واستثني شهر رمضان من ذلك الأمر لكي يسمح لهن بالخروج للصلاة أو التزاور‏,‏ ولكي يسعدن بالشهر الكريم‏..‏ إلا أنه اشترط وجود غلام يحمل فانوسا لينير الطريق‏,‏ ويعلم المارة بأن هناك امرأة تمر بالطريق‏,‏ فيفسحون لها‏,‏ ويغضون أبصارهم‏.‏
أما أدق الروايات وأصدقها من وجهة نظري أن الناس في العصر الفاطمي كانوا يولون الاحتفالات والأعياد اهتماما عظيما‏,‏ ويتفننون في الإعداد لها‏,‏ وكان قدوم شهر رمضان مناسبة عظيمة يقوم الناس بتنظيف المدينة وشوارعها‏...‏ والتجار يقومون بترتيب بضائعم وتزيين حوانيتهم لاستقبال الشهر‏,‏ ومن ضمن هذه الاستعدادات كانت فوانيس الإضاءة الجميلة تستخدم في الشوارع والمساجد والحوانيت الأمر الذي جعل الفانوس يرتبط بمقدم رمضان‏...‏ وليس هناك بالضبط تأريخ دقيق للوقت الذي أصبح فيه الفانوس هدية الآباء لأبنائهم في رمضان‏...‏ ولكن الثابت أنها موروث شعبي أصيل في مصر علينا أن نحافظ عليه‏,‏ ونأصله في نفوس الأجيال القديمة ولننتبه إلي غزو صيني قد يؤدي في النهاية إلي القضاء علي هذا الموروث الجميل‏!‏
كانت بداية الفانوس‏,‏ كما نعرفها جميعا ونتذكرها من الصاج والزجاج الملون‏,‏ وكانت توضع بداخله شمعة لتضيئه‏,‏ وجاء زمن أصبح فيه الفانوس لزاما علي كل أب نحو أبنائه في رمضان‏,‏ وليس مجرد هدية قد يشتريها الأب أو الجد لأبنائه أو أحفاده‏,‏ وإنما واجبا ملزما يعرف كل طفل أنه يقتني فانوسا في رمضان والجميل أن الفانوس لم يكن هدية طرف واحد‏,‏ وإنما هو هدية للبنت والولد علي حد سواء‏.‏
وكانت أجمل الأوقات التي نجتمع فيها نحن أطفال القرية‏,‏ ومعنا الفوانيس المختلفة الألوان والأشكال نعلب ونغني‏,‏ وبعدها نذهب إلي حارة الجامع ليكبر الجمع وتكثر الحكايات والروايات التي نحكيها‏,‏ ولايضيء ظلام المكان سوي فوانيس رمضان‏..‏ وكنت أحرص علي هذه الفوانيس بعد أن ننتهي من اللعب بها‏,‏ حيث أجمعها وأعيد تنظيفها وإصلاح ما يعطب منها بعد الانتهاء من دروسي في كتاب القرية‏...‏ وكانت الدراسة لا تخضع للروتين الحالي‏,‏ ولكن كان التعليم يعتمد علي إدراك ووعي الطفل‏,‏ حتي انني التحقت بالمرحلة الابتدائية‏,‏ وأنا مازلت في سن الرابعة‏...‏ ودخلت الجامعة وأنا في الخامسة عشرة من عمري‏.‏
وخلال هذه الفترة من العمر ظل فانوس رمضان مرتبطا بنا في القرية إلي سن العاشرة‏...‏ وبعد ذلك كنت أقف في الحارة وأشاهد الاطفال‏,‏ وهم ينطلقون مع أغنية وحوي‏...‏ يا وحوي‏...‏
ويدور بندول الزمن ويظهر لدينا الفانوس المصنوع من البلاستيك ويضاء بلمبة صغيرة عن طريق البطاريات الجافة‏,‏ ولم يقض ظهور هذا النوع من الفوانيس علي النوع الآخر‏,‏ وإنما ظل الاثنان موجودين جنبا إلي جنب‏,‏ بل إن شكل الفانوس البلاستيك كان في مجمله تقليدا للفانوس العتيق‏.‏
وظل الفانوس متمسكا بتقاليده ومكانته في نفوسنا إلي أن دهمنا الغزو الصيني‏,‏ فاختلف شكل الفانوس‏,‏ بل انقلب حاله‏,‏ ولم يعد فانوسا‏,‏ بل مسخا يتخذ أشكالا آدمية وحيوانية أو أشكال طيور‏,‏ وينطق ويغني بأشكال مختلفة‏...‏ وأصبح الفانوس كأي دمية يشتريها الوالد لأبنائه والأسوأ أن أصبح هناك أشكالا من الفوانيس للولد‏,‏ وأخري للبنت بعد أن كانا يقتنيان فانوسا واحدا‏!‏
ومع ظهور الصيني انحسر الفانوس التقليدي إلي حد وصل إلي الاختفاء في السنوات الماضية‏...‏ إلي أن وجدناه يعود مرة أخري في هذا العام‏,‏ وكنت أسعد الناس بظهوره‏,‏ وإقبال الناس علي شرائه مرة أخري‏,‏ وكان منظر الفانوس التقليدي سببا في استعادة ذكريات الزمن الجميل‏...‏ أيام الطفولة عندما كنا نخرج بعد إفطار يوم رمضان إلي شوارع القرية في مجموعات تتباهي بفوانيسها نغني وننطق بكلمات لا نعرف معناها‏,‏ وإنما تحفظها قلوبنا والسنتنا وكانت وحوي يا وحوي هي أغنية الفانوس‏....‏ أغنية الطفل المصري في القرية والمدينة‏,‏ والمدهش أن هذه الكلمات تعود أصولها الأولي إلي الفراعنة وأحتفالهم بالقمر وكلمة وحوي واليوحة هي كلمات تشير إلي أسم القمر عند المصري القديم‏,‏ ولذلك ليس من المستبعد أن تكون أصول أغنية الفانوس فرعونية خالصة‏..‏ هذا ما يؤكد تفرد الشعب المصري بأصالة‏,‏ وحفظ الموروث رغم تباعد الزمن‏.‏
يجب أن نسجل هذا التراث‏,‏ خاصة أنه جزء من تراث الطفل المصري علي مر العصور منذ زمن الفراعنة‏...‏ وإلي اليوم‏..‏ وأعتقد أن لوزارة الثقافة مسئولية ودورا للحفاظ علي هذا الموروث الشعبي‏,‏ وحمايته من هجمات فوانيس كرومبو وهيفاء ونانسي والتوك توك‏...‏ وكل سنة وأنتم طيبون‏.‏

المزيد من مقالات د. زاهي حواس


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.