يبدأ الإنسان رحلته فى الحياة طفلاً رضيعًا لا يصبر على تلبية كثير من احتياجاته، يبكى إذا تأخر الطعام لحظات، ويكبر رويدًا رويدًا حتى يتمكن من التحمل بعض الشىء، وكلما كبر كلما زادت قدرته على الصبر، لكن القدرة على الصبر بعد ذلك تختلف من شخص لآخر، فهناك من تعلم الصبر وتدرب عليه، وهناك من حرص على الترف وأعتقد أن أجمل ما فى الحياة، أن يتم تلبية احتياجاته بمجرد أن يطلبها بأى ثمن. وهناك من تعلم الصبر لكن بشكل منفر، فلم يتعلم أن التدرب على الصبر بطولة تستحق السعادة كلما ارتقى فى درجاتها، لكن تعلم الصبر مع إهانة أو اتهام أو مواقف مخزية فحال ذلك بينه وبين ارتقائه فى درجات الصبر. وبطولات الصبر فى زماننا كثيرة جدًا، تتكرر مع كل لحظة دون أن يتم إلقاء الضوء على أصحابها، فهناك زوجة تصبر على طاعة زوجها، وأخرى تصبر على تأخر الزواج وتتمسك بأخلاقها، أو أب يتحمل الصعاب حتى يربى أولاده، أو من يصبر على عدم الإنجاب، أو الصبر على ضيق الرزق، أو صبر على ظلم. أكتب وربما كنت أنت أيها القارئ الكريم أحد من تشير إليهم كلماتى، فربما كنت من الصابرين المنسيين فى الدنيا لكن أبداً لا ينساك خالقك، لا تهمنى تفصيلات قصتك، ولا درجة صبرك وتحملك، أعلم أنك لم تحصل على الدرجات النهائية فى صبرك، لكنك ما زلت تسعى فى طريقك، تخطئ أحيانًا وتصيب أحيانًا، ومن يدرى ربما يوفقك الله لموقف يمحو به كل ما كان منك. يخطئ من يتصور أن الصبر على تأخير نعمة من نعم الله عقاب، بل هى بطولة قوة ينتصر فيها صاحبها على صراع نفسه عشرات المرات بكل لحظة، فإن كنت صابرًا فارتقى بدرجات صبرك حتى يصبح جميلاً فى سعيك وليس مرًا كما يعتقد البعض. إذا كنت تريد أن تحيل مرارته إلى جمال، فلا تجعل صبرك مقرونًا بهم أو حزن، بل اجعله مقرونًا بيقين وعلم وعمل وفهم، يقين من أن الله لا يضيع أجرك، وعلم بما يجب عليك عمله، وإتقان لما تعمله، وفهم لمكائد الشيطان الذى يلقى إليك بملايين الأفكار الهدامة بكل لحظة حتى يفسد عليك جمال صبرك وارتقاءك فيه. أعلم أن النصيحة بداية الطريق وليست الطريق كله، فباقى الطريق يستكمل من عندك أنت أيها القارئ، فإن كنت قد اقتنعت بكلماتى، ونويت أن تكمل طريق صبرك بحق، فابدأ بصلح لزوجة كنت تخاصمها ولا تصبر على طباعها، أو عمل صالح كنت لا تقوى على إكماله، أو علم نافع كنت لا تقوى على تعلمه أو تعليمه، أو صلة رحم بوالد كنت لا تطيق طباعه، فألوان البداية كثيرة، وطريق بطولات صبرك الجميل ما زال طويلا، ولا تنتظر الجزاء من إنسان بل انتظره من الله ففى سبيله الصبر جميل.