قراءة متأنية فى مجمل الموقف الأمريكى من شأنها أن تكشف عن درجة كبيرة من النفعية والانتهازية قبيل كشف تنظيم الدولة الإسلامية فى الشام والعراق (داعش) من ذبحه صحفيا أمريكيا مختطفا فى سوريا يوم الثلاثاء الماضى، انتقاما من الغارات الجوية الأمريكية ضد مقاتلى التنظيم، والتى مكَّنت قوات البشمركة الكردية والقوات العراقية من استعادة السيطرة على سد الموصل فى اليوم ذاته، أعلن الرئيس الأمريكى، باراك أوباما، نجاح الحملة الجوية الأمريكية فى تحقيق أهدافها. وشدد أوباما على مواجهة «داعش»، بينما يتجاوز هدفى وقف الزحف باتجاه أربيل عاصمة إقليم كردستان العراقى واستعادة سد الموصل، سيرتبط باستراتيجية طويلة المدى لدعم الحكومة العراقية التى اشترط أن تكون حكومة وحدة وطنية تمثل جميع العراقيين. وعكس هذا الخطاب توجها واضحا من قبل الإدارة الأمريكية لعدم مواصلة الغارات الجوية ضد «داعش»، سواء فى إطار حملة مكثفة للقضاء عليها تماما أو طردها خارج العراق بالكامل على الأقل. ورغم رد الفعل الانتقامى الذى استدعاه ذبح الصحفى الأمريكى، فقد كان من الملاحظ أن 14 غارة انتقامية شنّها سلاح الجو الأمريكى حتى مساء أول من أمس، تركزت فى محيط سد الموصل، دون مهاجمة مواقع هذا التنظيم فى سوريا أو مناطق أخرى من العراق. ورغم ما قد يبدو من إيجابية فى تصريحات أوباما وشروطه بشأن مستقبل العراق، فإن قراءة متأنية فى مجمل الموقف الأمريكى من شأنها أن تكشف عن درجة كبيرة من النفعية والانتهازية لا يمكن الارتكان إليهما فى الاطمئنان إلى دعم أمريكى جاد وحقيقى لوحدة العراق، وللقضاء على خطر «داعش» وأشباهها للعراق، وللإقليم بأسره. يتجلّى ذلك من حقيقة أن الغارات الأمريكية ضد «داعش» التى لم تبدأ إلا يوم 8 أغسطس الجارى أى بعد نحو شهر ونصف الشهر من بدء التنظيم المتطرف حملته فى العراق يوم 21 يونيو الماضى، لم يكن مبعثها وهدفها الرئيسى سوى وقف تقدم زحف «داعش» فى اتجاهات استراتيجية بعينها، وليس تدمير مجمل قدرات التنظيم ودحر خطره الحالى والقائم بالفعل -قبل فترة طويلة- على مئات الآلاف من سكان المناطق التى يسيطر عليها التنظيم فى كل من العراقوسوريا. لم يكن منطلق التدخل الأمريكى المحدود -فضلا عن غايته النهائية- إنسانيا إذن، بل سياسيا بحتا يتمثل فى الحفاظ على الوضع القائم قبل تحويل «داعش» مسار زحفها باتجاه أربيل، ومحاولة السيطرة على سد الموصل. بعبارة أخرى، فإن القصف الجوى الأمريكى كان هدفه المبدئى مجرد «تقليم أظافر داعش» بعدما تجاوزت حدود ما يمكن السماح لها بتمزيقه وتدميره فى العراق. فى هذا السياق، فإنه حتى مع توقع رد فعل انتقامى أمريكى على قتل التنظيم أحد مواطنيها، وإعلان الرئيس الأمريكى «داعش» سرطانا يجب القضاء عليه، تبقى هناك تساؤلات حقيقية قائمة حول وجود نية حقيقية وعزم فعلى لدى الولاياتالمتحدة للسعى من أجل شن حملة واسعة النطاق للقضاء تماما على هذا التنظيم فى المرحلة الراهنة على الأقل. ومن دون الدخول إلى دائرة نظرية المؤامرة التى لا ترى فى «داعش» سوى أنها مجرد أداة استخباراتية لتفتيت المنطقة، فإن تطورات الأيام القليلة الماضية تكشف أن «داعش» أدت، ولا تزال تؤدى، أدوارا وظيفية مهمة تخدم الاستراتيجية الأمريكية فى العراق، بل وفى منطقة بلاد الشام بأسرها. أتاح تقدم «داعش» الكبير فى العراق، إطاحة حكم رئيس الوزراء العراقى السابق نورى المالكى الذى لم يكن تقاربه الشديد مع إيران خلال السنوات الثلاث الأخيرة بهدف دعم استمرار هيمنته على الحكم فى بغداد، موضع رضا أمريكا. ويبدو من تصريحات أوباما وشروطه الأخيرة لدعم الحكومة العراقية أن الولاياتالمتحدة تريد التأكد من أن توجهات رئيس الوزراء العراقى المكلف، حيدر العبادى، لن تنحو إلى التقارب الشديد مع السياسة الإيرانية عبر المنطقة. بعبارة أخرى، يبدو أن «داعش» أتاحت للولايات «تقليم أظافر» إيران نسبيا فى السياسة العراقية، مثلما أن امتداد سيطرة التنظيم على الحدود بين العراقوسوريا يتيح تقييد توظيف إيران بفاعلية لنفوذها فى دوائر الحكم المأزومة فى البلدين. وخلافا للعراق، فإن الأمر يعدّ أكثر تعقيدا أمام أى تدخل أمريكى ضد «داعش» فى سوريا، الملاذ الآمن الحقيقى للتنظيم، وحيث تم ذبح الصحفى الأمريكى قبل أيام. ومن شأن أى تدخل الولاياتالمتحدة ضد «داعش» فى سوريا أن يمثّل دعما غير مباشر لنظام بشار الأسد، سيصعب على الإدارة الأمريكية تبريره، خصوصا فى ظل عجز بقية أطياف المعارضة المسلحة السورية عن أن تكون بديلا للأسد أو ل«داعش». وبينما تعدّ سياسة «تقليم أظافر» إيران جزءًا أساسيًّا من سياسة أوباما الهادئة فى التفاوض الجارى حاليا مع إيران وتقليص أوراقها التساومية، فإن هذه السياسة لا يتوقع أن تنتهى حتى بفرض النجاح فى تسوية الملف النووى الإيرانى. وسيبقى إيجاد كوابح لامتداد نفوذ إيران فى العراق والشام باتجاه شرق المتوسط مصلحة أمريكية ممتدة، ويبدو أن السياسة الأمريكية لا تتصور أفضل من الكوابح الطائفية للتعامل مع هذا الهاجس. فى هذا السياق، يبدو أن «داعش»، أو أشباهها، لن تفقد جدواها الوظيفية بالنسبة إلى السياسة الأمريكية فى العراقوسوريا وفى مواجهة إيران فى أمد قريب، وستظل مثل هذه التنظيمات جزءًا من استراتيجية «توازن ضعف» تحاول الولاياتالمتحدة إرساءها، أو لا تعارضها فى أفضل الأحوال، فى كل من العراقوسوريا، تأسيسا على انقسامات هذين البلدين الطائفية والمذهبية.