في تطور ملحوظ، وهو الأول منذ تمدد الدولة الإسلامية في العراق والشام على مساحات من الأراضي السورية والعراقية، تم تخيير مسيحيي الرقة وتحديد علاقتهم كطائفة مع حكم الدولة الإسلامية. واختار المسيحيون مكرهين أن يصبحوا "أهل ذمة". ما تفسير الذي صدر في بيان الدولة الإسلامية في العراق والشام عن هذا الموضوع وما كانت موجبات ودوافع هذا "العقد"؟ بداية يجب أن نعيد رسم صورة الرقة وما آلت إليه الأمور فيها منذ سيطرة المعارضة المسلحة عليها. سقطت مدينة الرقة، التي تقع شمال شرق سوريا، في يد الفصائل المسلحة منذ ما يقارب السنة وتحديدا في السادس من مارس/آذار الفائت. ذلك بعد عملية مشتركة لعدة فصائل كان عمادها مقاتلو حركة أحرار الشام الإسلامية وجبهة النصرة لأهل الشام. والمدينة هي أول عاصمة لمحافظة تقع في قبضة المعارضة وأول ولاية إسلامية يتم إعلانها على الأراضي السورية. وأُريد للمدينة أن تكون "نموذجية" وقدوة لسائر المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، فتم سريعا استبدال مرافق ومؤسسات الدولة بمؤسسات بديلة لتسيير أمور السكان . وهنا يجدر التذكير أنه بعد أيام من سيطرة المعارضة فتحت أبواب المدينة أمام بعثة من منظمة "هيومن رايتس ووتش" غير الحكومية والتي تعنى بحقوق الإنسان، ما سمح بزيارة عدد كبير من المباني والمراكز التي كان يستعملها النظام السوري للاعتقال والتعذيب، وإلى توثيق ذلك بطريقة محترفة وعلمية. بيد أن الأمور ما لبثت أن تبدلت وبدأت تظهر بوادر الفرقة بين الفصائل العاملة في المحافظة كما في المدينة. وبدأ التوتر يظهر إلى العلن مع بدء "حرب اليافطات" بين مختلف الفصائل. ثم تطور الأمر لدى الإعلان عن الدولة الإسلامية في العراق والشام ومبايعة عدد كبير من مقاتلي جبهة النصرة المتواجدين في الرقة للكيان الجديد، ما دفع بجبهة النصرة للانسحاب خارج المدينة، قبل أن تعود إليها بطريقة خجولة مع مبايعة من تبقى من فصائل للجيش السوري الحر داخل المدينة لها. لكنه مع بدء الحرب على الدولة الإسلامية في العراق والشام، كانت الرقة المدينة الوحيدة التي تواجهت فيها الدولة مع من بايعوا جبهة النصرة الجدد. علما أن أمير الجبهة في الرقة، الملقب بأبو سعد الحضرمي وهو سوري الجنسية، كان معتقلا لدى الدولة وأعلنت هذه الأخيرة عن إعدامه في أولى أيام المعارك. وما لبثت الدولة الإسلامية في العراق والشام أن عادت وبسطت سيطرتها على كامل المدينة في التاسع من يناير/كانون الثاني الفائت، أي بعد أيام معدودة من بدء المعارك. يجدر التنويه أن النظام السوري ما زال يحتفظ بعدد من الثكنات والمراكز المهمة في المحافظة وأبرزها ما يعرف ب"الفرقة 17"، التي انسحب إليها الجيش السوري النظامي لدى سقوط المدينة، دون مقاومة تُذكر، ومطار الطبقة العسكري. ووجب التذكير بهذه الوقائع وإن بطريقة مقتضبة لأن كل هذه التطورات كان لها تأثير مباشر على مسيحيي محافظة الرقة وخصوصا في مدينتي الرقة والطبقة. فجبهة النصرة لدى دخولها إلى المدينة عادت وأكدت على التوجيهات الرسمية لمسؤولها العام في وقته وأميرها اليوم، أبو محمد الجولاني، "بعدم التعرض للأقليات عموما وللمسيحيين خصوصا، إلا من ثبت تعامله مع أجهزة النظام السوري". وهذا ما طمأن المسيحيين إلى حد ما وسمح لهم بالبقاء في مناطقهم، إذ أنه من الملاحظ أن محافظة الرقة لم تشهد حركة نزوح كبيرة. إلا أن خروج جبهة النصرة من المدينة، والذي عللته الجبهة في نيتها إقامة دورات شرعية لمقاتليها، كان في الحقيقة يترجم نية الجبهة في تفادي الصدام مع الدولة الإسلامية . فخروج الجبهة من المدينة سمح بالتعرض للمسيحيين، وحدث ما حدث من تعرض وتخريب كنيستين في مدينة الرقة في 26 سبتمبر/أيلول الفائت، علما أن التصادم حصل بسبب دق الأجراس في أوقات صلاة المسلمين. هذا الأمر أثار حفيظة سكان المدينة الذين نظموا عددا من المظاهرات للتنديد بالأمر. من ناحيتها قامت الدولة الإسلامية في العراق والشام بجهد دعوي كبير في المدينة رافقه جهد دعائي مماثل عبر الإصدارات التي كانت تخص الرقة.