دستور المحافظات المصغر.. أبرز مطالب "نواب الشيوخ" في مشروع قانون الإدارةالمحلية الجديد    عاجل الحكومة تُعدل مواعيد غلق المحال حتى 11 مساءً مؤقتًا خلال فترة الأعياد    بعد مد الفترة 3 أشهر.. رئيس الوزراء يناشد مستأجري الإيجار القديم سرعة التقديم على وحدات بديلة    رئيس الحكومة يعلق على زيادة أسعار الكهرباء: لا تشمل جميع الشرائح السكنية    عاجل تعطيل العمل بالبنوك يومي 12 و13 أبريل بمناسبة عيد القيامة وشم النسيم    رئيس الوزراء: اكتشافات غاز جديدة مرتقبة.. وزيادة الكهرباء تجنبت المواطن البسيط    صيانة خطى مياه شرب ورصف طرق وضبط لحوم وأسماك غير صالحة بكفر الشيخ    إدارة ترامب تدرس سحب قواتها من دول "الناتو" ومعاقبة الحلفاء غير الداعمين لمجهوداتها الحربية    مدبولي: مصر مستمرة في جهودها للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف الحرب    نتنياهو: وجهت ببدء مفاوضات مباشرة مع لبنان في أقرب وقت    الزمالك يرتدي زيه الأساسي أمام شباب بلوزداد    مجلس النواب يطالب البرامج الرياضية ب "ضرورة تحري الدقة والمسؤولية في الطرح"    ماس كهربائي في الموتور يحرق سيارة ملاكي بقنا    "المسرح المصري" يشارك فى فعاليات المهرجان الدولى بقرطاج بمسرحية "الست"    محمد محيي رئيساً لقطاع الأمانة العامة بماسبيرو    وكيل أوقاف أسيوط يترأس لجنة التصفيات الأولية من المسابقة العالمية للقرآن الكريم    توقيع اتفاقية تعاون بين EVER Pharma والجمعية المصرية للأمراض العصبية لتطبيق بروتوكولات علاج السكتة الدماغية    الأنبا يواقيم يترأس قداس خميس العهد بدير الأنبا متاؤس الفاخوري في إسنا    طاقم حكام سعودي في مونديال 2026    الاتحاد الدولي للجمباز يهنئ وزير الشباب والرياضة ويشيد بمسيرته الأولمبية    عميد بيطري القاهرة يبحث خطط التطوير المستقبلية مع الهيئة المعاونة    صحة سوهاج: رفع درجة الاستعداد القصوى بالمستشفيات خلال أعياد الربيع    إحالة أوراق سائق توك توك للمفتي في قضية خطف طفل والاعتداء عليه بالإسكندرية    «تموين البحيرة» يضبط 38 ألف لتر وقود و293 أسطوانة غاز قبل بيعها بالسوق السوداء    وزيرة التنمية المحلية تهنئ البابا تواضروس الثاني بعيد القيامة المجيد    نجوم باريس وبايرن يهيمنون على التشكيل المثالي لذهاب ربع نهائي أبطال أوروبا    «لا يستحق كل هذا الوجع».. درة تعبر عن تضامنها مع الشعب اللبناني    صالون نفرتيتى يستعيد نكهة الهوية المصرية بالبصارة والعدس والرنجة والكحك    الوطنى الفلسطينى: مصادقة الاحتلال على إقامة 34 مستوطنة انتهاك للقانون الدولى    مصر تتعاون مع مؤسسات دولية لتأسيس صندوق الاستثمار في أفريقيا    تدفق شحنات المساعدات عبر معبر كرم أبو سالم لدعم الفلسطينيين    خبر في الجول - بقيادة أمين عمر.. طاقم حكام مصري بالكامل في كأس العالم 2026    تحرك حكومي جديد لدعم التوظيف، تشكيل لجنة دائمة لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للتشغيل    سعيد خطيبي ل «البوابة نيوز»: أنا مدين للأدب المصري بالدرجة الأولى وجائزة «البوكر» احتفاء بجيل يبحث عن الجمال والصدق    إحالة إدارة مدرستين بالمنيا للتحقيق    الطقس غدا.. استمرار ارتفاع الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 27 درجة    الصحة توقع بروتوكول تعاون مع وزارة الأوقاف لتعزيز التوعية الصحية عبر منابر المساجد    إيران: لن نجلس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن قبل وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان    رئيس جهاز حماية المستهلك يستعرض جُهود الجهاز في ضبط الأسواق    البيت الفني للمسرح يطلق برنامجا متنوعا لعروضه بشم النسيم وعيد القيامة.. الملك لير الأبرز    طلب إحاطة بشأن التوسع في إنشاء جامعات مصرية داخل أفريقيا    رئيس قطاع فلسطين بالجامعة العربية: تحقيق السلام في المنطقة يأتي عبر إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية والعربية    3 مصريات في نصف نهائي بطولة الجونة الدولية للإسكواش    الصحة تستعد لإطلاق تطبيق ذكي لتعزيز الوعي المجتمعي    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026 فى مصر فلكيًا    ضبط 3 شركات لإلحاق العمالة بالخارج دون ترخيص في الإسكندرية    إنزاجي: سداسية الخلود خطوة مهمة.. وتركيزنا يتجه نحو التحدي الآسيوي    وزارة التضامن: التنسيق مع الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء لتقديم خدمة الوعظ للحجاج    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون الطبى مع مستشفى «أدولف دى روتشيلد» بفرنسا    رئيس جامعة بنها يستعرض جهود منظومة الشكاوى الحكومية    4 صدامات نارية تشعل الجولة الثالثة في مجموعة البقاء بدوري نايل    الجريدة الرسمية تنشر موافقة الرئيس السيسي على اتفاق تمويلي بين مصر والاتحاد الأوروبي    انطلاق تصفيات مسابقة «الأزهرى الصغير» بمنطقة سوهاج الأزهرية    الصحة تكثف جهودها مع منظمة الصحة العالمية لصياغة الاستراتيجية الوطنية للحروق وتطوير 53 مركزا    أنام عن صلاة الفجر.. فهل يصح تأديتها بعد شروق الشمس؟ وهل على إثم؟ الأزهر يجيب    بمشاركة حسين فهمي.. أسطورة "ألف ليلة وليلة" برؤية صينية - مصرية    عروض خيال الظل وورش تفاعلية ومعرض الطيور، بيت العيني يحتفي بالربيع    «ومن أظلم ممن ذُكّر بآيات ربه فأعرض عنها».. تفسير يهز القلوب من خالد الجندي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الكيانات السياسية وشرعية العقد النفطى
نشر في الشروق الجديد يوم 15 - 06 - 2009

خبر صغير تداولته وسائل الإعلام العربية فى إطار الأخبار الاقتصادية مطلع الشهر الحالى، لم يحظ بالاهتمام الكافى ربما بسبب زيارة أوباما للمنطقة أو بسبب الانتخابات اللبنانية والإيرانية أو كل ذلك.. وربما لأسباب أخرى..على الرغم من أهميته ودلالته السياسية وتداعياته المحتملة.. ما هو هذا الخبر؟
العقد النفطى يهب الشرعية الدستورية للجماعات السياسية
يقول الخبر.. «بدأت سلطات إقليم
كردستان العراق، أمس، تصدير نحو مائة برميل من النفط الخام يوميا للمرة الأولى، وسط مقاطعة حكومة بغداد. وافتتح الرئيس العراقى.. ورئيس إقليم كردستان.. ضخ النفط بمفتاح رمزى خلال احتفالية فى أربيل وجاراهما فى اللحظات ذاتها ممثلو الشركات (تركية وكندية ونرويجية) بمباشرة الضخ...»، وفى معرض تعليقه على هذا الحدث، قال طالبانى رئيس العراق: «إن العقود التى أبرمتها حكومة الإقليم دستورية وقانونية.. فالعقود التى أبرمتها حكومة الإقليم دستورية وفق الفقرة (ب) من المادة 112 التى نصت على أنه إذا لم يقر قانون للنفط والغاز حتى مارس 2007 فلحكومة الإقليم الحق فى توقيع عقود النفط وفق القانون والدستور». إلى هنا انتهى الخبر..
وتذكرت أنه فى ديسمبر من العام 2007، قدمت بحثا عن الأقليات القومية والدينية فى المنطقة لندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية (نشرت أعمالها فى كتاب بعنوان الحوار القومى الإسلامى عام 2008).. حيث طرحت فكرة آنذاك مضمونها أنه وبسبب عدم قدرة أنظمة الحكم القائمة فى المنطقة على ابتكار آليات قادرة على دمج التنوعات الثقافية والإثنية..فإن هذه التنوعات تلجأ إلى أن تكتسب شرعيتها فى الوجود إما:
من خلال الارتباط بروابط عابرة للحدود تكون داعمة لها بدرجة أو أخرى فى الداخل، أو أن توقع عقود ذات طبيعة اقتصادية نفطية فى الأغلب تسبغ عليها الشرعية الدستورية والقانونية.
ونشير فى هذا المقام، إلى أن شركة بيرينج بوينت الاستشارية الأمريكية هى التى صاغت مسودة مشروع قانون النفط العراقى، وقامت بمراجعته إلى جانب الحكومة الأمريكية كبرى الشركات النفطية الأمريكية. وحول هذا الموضوع نشرت الاندبندنت (مطلع 2007) البريطانية، تقريرا واسعا تصدر صفحتها الأولى تناول مسألة بالغة الأهمية سيتضمنها مشروع قانون النفط هو نظام تقاسم الإنتاج، حيث بموجبه تتمكن احتكارات نفطية عالمية مثل بريتش بتروليوم وشل فى بريطانيا، واكسون وشيفرون فى أمريكا لاستخراج النفط العراقى لمدة تصل إلى 30 سنة (نظام التقاسم يقوم على تحرير العقود بين الشركات وأسر أو جماعات أو أفراد يتم تفويضها) يلاحظ أنه لم يتم ذكر الدولة كطرف لتوقيع العقد.
ويذكر هنا أن خبراء بلاتفورم، وهى منظمة مهتمة بشئون حقوق الإنسان والبيئة تراقب الصناعة النفطية فى العالم أصدرت تقريرا ربطت فيه بين عقود تقاسم الإنتاج والتنازل عن السيادة.. وهنا مربط الفرس.. ولكن ما الجديد؟
*******
من الامتيازات إلى العقود
واقع الحال أنه لا جديد، حيث يبدو أن التاريخ يعيد نفسه. فإذا ما عدنا إلى الدولة العثمانية فسوف نجد وبسبب إخفاق الدولة العثمانية فى دمج التنوع الثقافى والإثنى فى المجال السياسى للدولة، خضعت بكل سهولة للحلول الأوروبية، تحت ضغط «الاستعباد المالى» (بحسب لوتسكى صاحب كتاب تاريخ الأقطار العربية). وتحت مظلة الامتيازات الأجنبية سمح للأوروبيين منذ القرن السادس عشر أن يحظوا بحصانات وحقوق وإعفاءات مميزة كذلك عدم خضوعهم لقوانين الدولة العثمانية وإنما لقوانين الدول التى ينتمون إليها. يضاف إلى ما سبق أنه وبعد أن أصبح الاستعمار واقعا فعليا فى منطقتنا، يشير أستاذنا طارق البشرى إلى «أن عمليات الاقتطاع الاستعمارى لم تتوخ التكوينات الجامعة التى تقوم بها وحدات سياسية ووحدات انتماء شعبى، ولا كان هدفها أن تصون أمرا من ذلك، إنما كان الاقتطاع يتم حسب القدرة الذاتية للدولة الاستعمارية على اختلاس إقليم ما، وحسب موازين القوى بين الدول الاستعمارية بعضها وبعض، لأن الأمر كان أمر اقتسام وتوزيع.. من ذلك يظهر أن التكوينات السياسية التى ظهرت من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين لم تكن تتطابق مع تكوينات الجماعات السياسية حسب أى من معايير التصنيف.. إنما عكست أكثر ما عكست موازين القوى بين الدول الاستعمارية».
بيد أنه ومع ضغط الأسواق المعولمة منذ التسعينيات بدأ الترويج للسياسات النيو-ليبرالية التى اخترقت حدود القوميات وأثرت فى بنية الدولة القومية بما فيها العلاقات الاجتماعية، وحولتها إلى سوق.. والدولة عندما تصبح سوقا يترتب على ذلك ضعف القدرة على الدمج بين الأفراد فى إطار حياة قومية واحدة، وزعزعة أى أسس موجودة أو محتملة للتجانس أو للتضامن بين مواطنى الدولة الذين يعيشون فى إطار واحد.. ومن ثم تلجا كل فئة نوعية لالتماس الشرعية من خارج نطاق الكيان السياسى الجامع.. حيث باتت الشرعية تقوم من ضمن ما تقوم على العقد الاقتصادى.
وعليه تقهقرت الاقتصادات القومية، حيث تم إضعافها، بفعل التحولات الكبرى فى التقسيم الدولى للعمل، الذى تشكل المشروعات العابرة للقوميات، أو المتعددة القوميات، وحداته الأساسية، وما يقابلها من تطور للمراكز والشبكات العالمية للتبادلات الاقتصادية التى تقع خارج سيطرة حكومات الدول» (بحسب هوبسباوم). وحل محل هذه الاقتصادات القومية للدول اقتصادات بين الفئات النوعية داخل هذه الدول تجاوزا وبين شركات ومؤسسات مالية منحتها الشرعية بعيدا عن الدولة.
إذن لا جديد..الداخل ضعيف والخارج هدفه واحد مع اختلاف الآليات.. كيف؟
******
من الجيو-بوليتيكا إلى السوسيو إكينوميكا
كما قلنا، التاريخ يعيد نفسه، فقط يكمن الفرق الوحيد بين تقسيمات الماضى وبين تقسيمات الحاضر هو أن الماضى أو تقسيمات مطلع القرن العشرين كانت قد جرت وفق الجغرافيا السياسية (الجيو بوليتيكا) من دون استبعاد للاقتصاد.. بيد أن تقسيمات الحاضر أو تقسيمات مطلع القرن الواحد والعشرين تجرى بشكل واضح ومباشر وربما «حصرى» على الاقتصاد بعد أن تكرس التقسيم الجغرافى على مدى قرن من الزمان مما خلخل البنى الاجتماعية أو بلغة أخرى إنها عملية: «تقسيم احتكار ضخ الثروة على أساس تقسيم الدولة القومية» التى استعصت على التبلور والتحرر منذ التقسيم الأول.
إنه المشهد الذى نجده جليا فى كل من العراق والسودان.. لذا فإن الإصرار الأمريكى على غزو العراق لم يكن اعتباطيا، فهو يأتى فى إطار الصراع الاستراتيجى على مصادر الطاقة، لذا تم إلغاء عقود أبرمها صدام مع الصين وروسيا(يمكن مراجعة مايكل كلير فى كتابه النفط والدم).. وإذا كان من المقبول أن تتخطى النزعات القومية الانفصالية الأوروبية (مثل الويلزية، والباسكية، والكاتالونية)، حكوماتها القومية للاحتكام مباشرة إلى بروكسل «كأقاليم»، فإن هناك من المقومات التاريخية والاقتصادية والموضوعية التى تؤمن عدم وقوع تداعيات مدمرة على الواقع الأوروبى، وضمانة ذلك أنها تسلك كوحدة فرعية من كيان سياسى اقتصادى أكبر (كالجماعة الأوروبية فى هذه الحالة)، فإن هذا يعنى أن الهدف هو التعايش وليس الانفصال أو فك الارتباط بما يحيطها.
بينما فى حالتنا، فإن غياب الإطار الجامع للتنوع ربما يعنى الانفصال ولا شىء غير الانفصال مهما كانت النتائج يدعم ذلك اتصال الشركات أقول الشركات لا الدول الباحثة عن الثروة والاستثمار بالتكتلات النوعية المختلفة، ومن هنا تعددت العقود الجهوية والأقلوية التى تعقدها الشركات مع الجماعات المتنوعة فى كل من العراق والسودان بعيدا عن الاقتصاد القومى.
لقد حل محل الاقتصاد القومى بمعناه القديم، الاقتصاد القومى للعراق على سبيل المثال، اقتصادات لقوميات وأقليات من خلال عقود بدائية مع شركات أقرب لنمط التجارة العالمية فى العصور الوسطى.. عقود باتت خارج سيطرة الاقتصاد القومى، وكف ببساطة هذا الاقتصاد أن يكون مستقلا من جهة، بالإضافة أنه لم تعد لديه القدرة عن منع تدفق المال وتحرير العقود مع الجماعات النوعية التى تعيش على أرضه.
وهكذا لم يعد العقد الاجتماعى بين أهل المكان الواحد هو العنصر الحاكم والرابط، وإنما العقد التجارى العابر للحدود بين الشركات والجماعات القومية والدينية.. وهو ما ينبئ بخطر كبير.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.