1 كان عمرو دياب يغنى. قال أبى: عايز تعرف الفرق بين جيلكم وجيلنا شوف الفرق بينه وبين عبدالحليم حافظ. تذكرت كلام أبى بينما أتابع طوفان تلقى صدور ألبوم «مكانك». كنت أفكر أن حليم كان يمتلك التركيبة الوحيدة المؤهلة لصنع مشوار شبيه بمشوار عمرو لو عاش عمرا أطول. لا أتحدث عن معايير القيمة والذائقة فهى نسبية، ولكن عن استمرارية الاستحواذ على القمة، وهى مسألة قال الزمن فيها كلمة فاصلة. وددت لو كان أبى موجودا لأقول له إن عمرو دياب لم يعد مطرب جيلى وإن كان هذا إنجازا ليس صغيرا، غير أنه لم يحب لنفسه الجلوس إلى جانبى بينما أبتسم حين أتذكر مع أغانيه أيامى الحلوة، وأنه ترك لى ابتساماتى وذهب للمستقبل يصنع ابتسامات أخرى لصبية ومراهقين آخرين. وددت لو أقول لأبى أننى أكثر تسامحا منه، ذلك أنه، بينما امتعض من أغانى جيلى، أحببت أغانى جيله وإن اكتفى مطربوها بصنع ابتسامته. 2 يظل صخب عمرو دياب وصدور ألبوم جديد له محببا إلى النفس، وعلى هامش صخبه الجديد، لفتتنى إشارات كثير من المشاركين فى هذا الصخب إلى أن عددا من أغانى الألبوم الجديد تأتى مداعبة ذائقة مستمعيه القدامى، أبناء جيلى، صبية الثمانينيات ومراهقى التسعينيات، حيث بعض الأغانى شبيهة بأغانى تلك الفترة، فرحين بالنقر على نوستالجيا أيامهم الحلوة. كثير ما نسمع عبارة «بحب عمرو دياب القديم»، ولكن أى من مراحل مشواره تستطيع وصفها بالقديم؟ القديم بالنسبة لى أم قديم الأصغر أم الأصغر؟ كم نوستالجيا صنعها هذا الرجل للمستمع العربى؟ هذا فنان وضع مفاهيم جديدة لمعنى النوستالجيا. وضعها بإصراره على أن يظل ابن اللحظة الراهنة. يصنع الحنين لأولاد الأمس بينما هو جالس بجوار أولاد اليوم. 3 فى 1991 أصدر عمرو دياب واحدًا من أجمل ألبوماته، وهو ألبوم «حبيبى»، وكانت أغانيه كلها تأليف الشاعرين مجدى النجار ومدحت العدل، وتلحين عمرو دياب باستثناء أغنية واحدة. ضم الألبوم أغانى رائعة، من أقربها لذوقى أغنية «إيه بس اللى رماك» التى كتبها مدحت العدل. من بين أغانى ألبوم عمرو دياب أغنية «حبيبى»، التى أشهر جملها: «إنت دارى بانشغالى ولا حبك شىء خيالى». حسام حسنى، موزع الألبوم، يحكى فى برنامج «الحلم» أن وقت صدور الألبوم كانت الآلات الموسيقية قد بدأت فى الاختفاء بينما صار الاعتماد بالكامل على الأورج الحديث وإخراج كل أصوات الآلات منه، لكن عمرو دياب طلب من حسام حسنى الاستعانة بعازف الساكسفون سمير سرور، الذى كان يعزف مع كبار قدامى المطربين، ذلك أنه أراد أن تغلف الأغنية أجواء كلاسيكية قديمة، لدرجة أنه طلب من مدير التصوير والمخرج المعروف محسن أحمد، الذى بالمناسبة كانت هذه الأغنية أول إخراج له، أن يصورها بالأبيض والأسود. وحدث أن تحفظ حسام حسنى على رأى عمرو دياب، وقال له: «يا عمرو حكاية الساكسفون دى بقت قديمة واحنا بنعمل حاجات جديدة». ضحك عمرو دياب وقال له: «بكرا تشوف بعد ما سمير سرور يعزف معانا هيبقى موضة وهيرجع يشتغل تانى». ويحكى حسام أنه كلم سمير سرور، الذى اندهش أن هناك من لا يزال يتذكره. وقد كان. عزف سمير سرور سولو الأغنية، وحدث بعدها أنه لم يعد فقط للساحة الغنائية كعازف، لكن كل من قضى مراهقته فى فترة التسعينيات سيتذكر جيدا ألبوم «عاشق الساكس» الذى صدرت منه خمسة أجزاء، ويعزف فيه سمير سرور كل الأغانى القديمة التى كان يعزفها مع كبار المطربين، وحققت هذه الأجزاء الخمسة نجاحا ساحقا مدويا. لم يكن هناك مراهق مصرى لا يستمع بشغف لموسيقى كبار الملحنين مثل بليغ حمدى وفريد الأطرش وكمال الطويل وغيرهم بعزف سمير سرور. وعلى هامش هذا السياق، يعرف المتخصصون فى الموسيقى أن أفكار عمرو دياب لعبت دورا ليس هينا فى إنقاذ العازفين من البطالة بعد ما كان لاح فى الأفق اجتياح للآلات الحديثة التى كان ممكنا أن تغنى عن فكرة العازف المنفرد لكل آلة، لكن هذا مسألة تحتاج إلى باحثين متخصصين، وأتذكر أننى كنت قد قرأت شيئا مستفيضا كتبته الصديقة المطربة والباحثة فيروزكرواية فى هذا الشأن. ما حدث فى لقطة سمير سرور مع عمرو دياب نستطيع النظر إليه كإجابة بسيطة على سؤال: لماذا هو رقم واحد دائما؟ والأمثلة الشبيهة كثيرة وشديدة التنوع. وهو مثلما غامر فى الاستعانة بفنان قديم وصنع له ما يشبه إعادة الولادة، يعرف متى يغامر بوجه جديد رأى فيه شىء لم يره آخرون. هذا فنان، بالإضافة للذكاء الحاد والبصيرة واستمرارية جدية العمل، فى رهان دائم مع شروط اللحظة الزمنية التى يعيش فيها، بينما فى الغالب يكسب رهانه دائما، ودائما ما قالت قاعدة اللعب: الغالب مستمر. 4 فى إحدى حلقات برنامجه «الموهوبون فى الأرض» حكى بلال فضل عن جلسة جمعته بعمرو دياب. قال له عمرو إنه يحرص دائمًا على ألا تخلو دائرته القريبة ممن فى أوائل العشرينيات، ما يجعله طيلة الوقت على علاقة باللحظة الراهنة وأفكارها ومتطلباتها. يتفق معها أو يختلف، لكنه دائمًا مشتبك معها. الجميع يتحدث عن ذكائه فى ترويج نفسه عبر كل هذه السنوات، وهذا تبسيط مُخل، لأن هناك، أيضًا، فضيلة احترام تلك اللحظة الراهنة وعدم التعالى عليها. عدم نسيان أنك جئت غريبًا على من سبقوك وصارعت حتى كرست ما تريد قوله، وأنه لا يصح أبدًا أن تحتقر الآتين من بعدك أيا كان ما يقولونه. ذلك الفخ الذى قضى على موهوبين كبار فى كل مجالات الفن. شعراء وروائيون ومطربون وممثلون وتشكيليون، ذهب كثير من سنواتهم مع الريح، وعاشوا على أطلال البدايات.