ترامب: عملية فنزويلا كانت انتقاما للوزير ماركو روبيو    أسعار الأسماك والخضروات والدواجن اليوم 9 يناير    الأمم المتحدة: واشنطن تتحمل التزاما قانونيا بتمويل الوكالات الأممية    رامي إمام يتغزل في محمد سعد والفنان يعلق: اتبسطت بالشغل معاك يا حبيبي يا وش الخير (فيديو)    الدنمارك ترحب بالحوار مع واشنطن بشأن جزر جرينلاند    زيلينسكي يحذر من هجمات روسية كبرى مع بدء موجة برد قارس    احذروا، بيان عاجل من الأرصاد بشأن تحركات الأمطار والرياح على محافظات مصر    مصطفى بكري: الرئيس السيسي تحمل ما تنوء عنه الجبال.. وبكره التاريخ سيعطيه حقه    طريقة عمل بطاطس مهروسة، محشية بالخضار ومخبوزة في الفرن    الإسكان تتابع الموقف التنفيذى لمشروعات حياة كريمة لتطوير قرى الريف    مدير إدارة التفتيش بوزارة العمل: العامل سيشعر بتأثير القانون الجديد مع علاوة يناير    الأوقاف: أكثر من 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام في السنوات العشر الماضية    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    نتيجة مباراة المغرب والكاميرون.. بث مباشر الآن في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا 2025    تفاصيل عرض الاتحاد السكندرى لضم أفشة من الأهلي قبل إعلان الصفقة خلال ساعات    وفاة شقيقة «وسيم السيسي» وتشييع الجثمان اليوم بمصر الجديدة    الرئيسة المؤقتة لفنزويلا: تشكيل لجنة لإعادة مادورو وزوجته إلى البلاد    رئيس المتحف الكبير: مواقع مزورة لبيع التذاكر خارج مصر تهدد بيانات البطاقات    القمص موسى إبراهيم: القيادة السياسية تؤكد متانة النسيج الوطني    ارتفاع حصيلة مزاد سيارات الجمارك إلى أكثر من 5.7 مليون جنيه    فعاليات موسم الرياض الترفيهي 2025 تجذب 12 مليون زائر منذ انطلاقه    سليمان ينتقد مجلس إدارة الزمالك    ألونسو ينتقد سيميوني.. ويؤكد: قدمنا شوطا مميزا أمام أتلتيكو مدريد    قراءة توثيقية تفنّد رواية "الفشل.. تفاعل واسع مع منشور "نجل الرئيس مرسي: من أسقط التجربة لا يملك رفاهية التباكي    محافظ القليوبية يوجّه بفحص موقف التلوث الناتج عن مصانع الريش بأبو زعبل    خلاف على ركنة سيارة ينتهي بالموت.. إحالة عاطل للمفتي بتهمة القتل بالخصوص    مواعيد القطارات من القاهرة إلى سوهاج وأسعار التذاكر    ضبط مطعمين فى بنها بالقليوبية لحيازتهم دواجن ولحوم مجهولة المصدر    عامل يعتدى على مدير مطعم بسبب خلافات العمل ثم ينهى حياته فى العجوزة    تاجر خضروات يطلق النار على موظف بمركز لعلاج الإدمان فى مدينة 6 أكتوبر    تموين الإسكندرية يضبط 1589 زجاجة زيت تمويني مدعم بالمنتزه    14شهيدا بينهم 5 أطفال في قصف صهيونى على غزة .. و حصيلة العدوان إلى 71,395    الكاميرون لا تخسر أمام أصحاب الأرض منذ 2000 فى الكان.. هل يكون المغرب الاستثناء؟    دبلوماسي إيراني: طهران ستواصل تطوير برنامجها النووي السلمي    وزير خارجية عُمان يتجول في المتحف المصري الكبير ويشيد بعظمة الحضارة المصرية    «إن غاب القط» يتصدر إيرادات السينما.. ماذا حقق في 8 أيام؟    عالم مصريات يكشف عن قصة المحامي الذي قاده لاكتشاف «مدينة» تحت الأرض    محافظ الإسكندرية يتفقد توسعة شارع أبو قير وإزالة كوبري المشاة بسيدي جابر    الأوقاف: 1.5 مليون أسرة استفادت من صكوك الأضاحي والإطعام    فيفا يبث كواليس كأس العالم عبر منصة تيك توك    كرة يد - منتخب مصر يتعادل وديا مع البرتغال استعدادا لبطولة إفريقيا    نجوم هووليوود فى لقاءات حصرية مع رامى نوار على تليفزيون اليوم السابع.. فيديو    وسيم السيسي: النبي إدريس هو أوزيريس.. وأبحاث الكربون تثبت أن حضارتنا أقدم ب 2400 عام    رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    النصر يواجه القادسية في مواجهة حاسمة.. شاهد المباراة لحظة بلحظة    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السينوغرافيا .. و الامساك باللحظة الشعريّة
نشر في شموس يوم 23 - 07 - 2018

اضاءة ل قصيدة / رحيق المسافات / للفنانة التشكيلية والناقدة والشاعرة / خيرة مباركي / تونس
بقلم : كريم عبدالله / بغداد / العراق 21 / 7 / 2018
بوابة شموس نيوز – خاص
سيبقى الشعر هو اللغة الشاملة والمعبّرة عن الذات الانسانية وستبقى الكلمة هي الكائن الحيّ الذي من خلاله يستطيع الشاعر ان يرسم الواقع عن طريق خياله الخصب وابتكار العديد من الصور الشعرية الزاهيّة واجادة تشكيلها واعادة صياغتها وجعلها ناصعة متوهّجة خالية من الترهّل , وان طغيان المخيلة الخصبة تمنح الشاعر حرية تحطيم اللغة واستغلال طاقاتها الى أبعد حدّ ممكن وبثّ الروح والمشاعر الجيّاشة في القصيدة عن طريق تغريب اللغة وانثيالاتها وتحطيم الوحدات المنطقية والعقلية التي تجعل القصيدة مقيّدة وتتحرك في نظام نمطي رتيب وجعل اللغة ساحرة عذبة .
مما لاشكّ فيه بان حالة التوافق الذهني والحركي ( حركة الاصابع ) عند الشاعر مهمة جدا تتيح له حرية الابتكار والخلق نتيجة لموهبته وحرفيته العالية في صناعة الحدث الدرامي داخل النصّ الشعري , فالشاعر كالموسيقى الحاذق يحتاج الى انامل تجيد العزف بحريّة وعذوبة ويرسم بكلماته صوره المدهشة والمستفزّة عند المتلقي . الشاعر يجب ان يحسب كل شيء داخل عمله الشعري بعناية فائقة , ينظم الاحداث والصور والموسيقى والحوارات والزمان والامكنة داخل فضاء عمله الشعري يبدأ من المفردة واخيارها الصحيح ومكانها المناسب داخل المقطع الشعري ثم دراسة المقطع الشعري ورسمه بدقّة وتكثيفه الى أبعد حدّ ممكن وضغطه كي يتناسب مع المقاطع الاخرى . عليه ان يحسب بدّقة اللقطات المتوهّجة داخل النصّ وكذلك الاصوات وتناغمها مع بعض ويحذف الاصوات النشاز لئلا يرتبك العمل الشعري ويتشتت ويتلاشى . فالسينوغرافيا ( سينو = صورة / غرافيا = رسم ) تعنى رسم الصورة , الشاعر المبدع يستطيع رسم العديد من الصور الشعرية الغريبة والمحطمة للواقع والعزف بجميع الادوات المتوفرة ( المفردات المختارة بدقّة ) وابهارنا , وان يجعلنا نتساءل كثيرا ونتأمل ونؤوّل كل حسب ذائقته وخزينه المعرفي كثيرا ايضا ويمتعنا بمتعة ايما متعة , متعة ترافقنا طويلا لا تنتهي بمجرد الانتهاء من قراءة القصيدة .
يبدو اننا امام خلية نحل ( القصيدة / رحيق المسافات ) عاملات كثيرات لاتكلّ ولا تملّ ( الرمز / الاستعارة / التشبيه / المجاز / والكتابة ) تعمل بعدة اشكال وتقوم بوظيفتها لا لشيء الاّ انتاج وجمع الرحيق ( ايصال المعنى الى المتلقي ) , وخلف هذه العاملات (الرمز / الاستعارة / التشبيه / المجاز / والكتابة ) توجد ( ملكة / الشاعرة ) تراقب الاحداث بعين ثاقبة تجيد فن الهندسة والبناء وتملأ ( المسافات / الفقرات ) بالدهشة وتبعث فيها الاحساس بالجمال واللذة او الاسى وتبعث الفتنة . عند قراءة هذه القصيدة تهبّ علينا نشوة نتشممها من خلال لغتها المغايرة وكلما نتقدّم في القراءة نراها تتوهّج اكثر تذيب الثلوج وتبدد سحب الرماد من الذاكرة , لغة تستفزّ الخيال توقظ في الروح فتنتة تنتصر على كدر الواقع المعاش وتبدد من حولنا هذا الضجيج وتحلّق عاليا حرّة في سماوات اخرى تنبعث مما وراء الحلم .
رحيق المسافات / هذا العنوان الهادىء والمثير في نفس الوقت حيث يفتح افاق التأويل والتأمل العميق عمّا أرادت من خلاله الشاعرة ان تقول وهي تستفتح القصيدة بهذه الاطلالة الجميلة . فكما هو معلوم في اللغة بانّ ( الرحيق سائل مائي سكري تفرزه الغدد الرحيقية التي تتواجد إما على الزهرة أو على الأوراق أو عند التقاء ساق الورقة مع الغصن وهو الغذاء الرئيس للنحل حيث يمتصه من الأزهار ويحمله إلى خلاياه في حويصلة العسل ), وانّ ( المسافة تعنى البُعدْ وايضا المساحة والمقدار وقد تستخدم للزمان , وقد تعني المسافة التي يتركها النحل بين الأقراص الشمعية وأجزاء الخلية الاخرى وذلك للسماح له بالمرور خلالها و قد تستخدم المسافة ايضا للفراغات ما بين مقاطع القصيدة ). هنا لابدّ من الوقوف على قصدية العنوان لانه العتبة الاولى والمدخل المهم للقصيدة , فهل ارادت الشاعرة ان تقول : بانّ هناك مسافات زمنية او مكانية ممتلئة بهذا الرحيق ..؟! . وهل ارادت ان تثيرنا عن طريق هذه العنوان باننا امام خلية نحل صنعت بعناية فائقة وكأن وراءها مهندس محترف ( القصيدة ) ..؟ . ام اشارت الينا بعنوانها هذا الى انّ كل فقرة من فقرات قصيدتها هذه يتكاثر الرحيق بينها وانها ( الشاعرة ) قد كتبتها برحيق الابداع وجمال اللغة ..؟ . كل الاحتمالات جائزة لان العنوان يشير اليها جميعا ويلمّح عن بعيد او قريب الى ذلك . بالتاكيد أرادت الشاعرة ان تقول لنا بانّها رسمت هذه القصيدة رسما دقيقا كخلية النحل وبثّت فيها الرحيق فكان العنوان عبارة عن صورة حسيّة / شمّية / ظرفية / ذوقية , من خلاله اصبحنا نشمّ عطرا ونتحسس جمالا ونعيش في زمن معين ومكان اخر ونحن نتذوق هذا الرحيق المتضوع من بين فقرات القصيدة ..
يا لعيونك حين تتنّفسُني رحيقَ مسافاتٍ
هكذا تبدأ القصيدة / ياااااااااااااااااااا / بأداة النداء للذات الاخرى البعيدة او القريبة / هل هي عملية مناداة ام استغاثة وتعجب / لعيونك حين تتنفسني / صورة مكثّفة مدهشة جدا أنسنت العيون ووهبتها صفة التنفس / وهذا انزياح رائع في اللغة / رحيق مسافات : هنا اعطت لنفسها هذا الرحيق وهذه المسافات التي اشرنا اليها في العنوان .
وأنتَ تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ ..
وأنت / ايها الهنااااااااااااااك / بدأت القصيدة تبوح بمكنوناتها وتخاطب / ال أنت / في لغة مبهرة / تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ .. / ويبدأ العزف وندخل بهدوء الى اجواء القصيدة بهذه الموسيقى العذبة من خلال اشراقة فجر قرمزيّ بديع .
لابدّ من الاشارة هنا بانّ كل مقطع رُسم بعناية فائقة جدا عن طريق لغة مرمّزة رقراقة كالينبوع حُبلى بالكثير من الصور الشعرية الصادمة والمدهشة ان القصيدة تحتضن داخلها الكثير من الالحان والانغام والاصوات / فأعزفُ حنيني ببراعة القحط حين لا تدركني مزنتُك العابرة بعساكر الشوق ../ سيمْفُونيّةً عاصفةً لربيعٍ آيلٍ لسَكْرة ../ ترتّلني لحْنا كلثوميا بصلاَة غائِب ..
نجدّ في هذه القصيدة عنصر حيوي الا وهو الصراح والحوار والحركة لكننا نتلمسه من بعيد حيث تكون الشاعرة تصنعه بحرفية عالية وتجيد تحريكه مستبطنا / فأَبْحَثُ عنّي ..وأتيه في أحْداق النّورِ ../ حين تغْزُوني ابتسامةَ صبحٍ ..أنتصبُ علامةَ استفهامٍ في استخارتي الأخيرة ../ وأنتَ تعْرُج لصَمْتي الأبدي .. تُحْيِيهِ .. / هنا نجد حوارا بين شخصيتين عن طريق لغة مبهرة ومن خلال صور شعرية صيغت بعناية فائقة .
مما لاشكّ فيه باننا امام تدفق لغوي جميل جدا وتشكيلات صورية رسمت من قبل فنان يجيد الرسم بالكلمات وموسيقى طافحة بالجمال والفرح , كلّ هذا استطاعت الشاعرة ان تظبطه وتحسبه بدّقة ختمته ب / أغدا ألقااااااااااك .. / يا لشَوْقي واحْتراقِي في انتِظارِ الموْعِدِ .. / الاصرار والتأكيد على الحضور القوي والنتظر .
هذه كانت عبارة عن اضاءة لقصيدة الفنانة التشكيلية والناقدة والشاعرة / خيرة مباركي , وهي ليست قراءة نقدية فانا لست بناقد وانما سحر القصيدة أقلقني كثيرا واستوقفني طويلا فكان من الواجب ان اقول بحق الجمال والابداع شيئا فكتبت ما كتبت ..
القصيدة
رحيق المسافات
يا لعيونك حين تتنّفسُني رحيقَ مسافاتٍ
وأنتَ تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ ..
فأَبْحَثُ عنّي ..وأتيه في أحْداق النّورِ ،
فرجًا لأسارير طريقِكَ الطويلةِ ..
حين تغْزُوني ابتسامةَ صبحٍ ..أنتصبُ علامةَ استفهامٍ في استخارتي الأخيرة ..
يا أيُّها الإنْسيُّ ، من صبْوَتيْكَ السّادِرتيْن في فجري
تُشْرق فراديسي
وتخطُر في نشوة الضّياء ..
فأعزفُ حنيني ببراعة القحط حين لا تدركني مزنتُك العابرة بعساكر الشوق
ويخضّبُني بمِحْنَة الرُّكُوعِ في
تواضُع الحلم ..
وأنتَ تعْرُج لصَمْتي الأبدي .. تُحْيِيهِ
سيمْفُونيّةً عاصفةً لربيعٍ آيلٍ لسَكْرة
الفُصُولِ فَتَضِجُّ عُطُورُ الشّرْقِ وتغارُ منْ شَذاك
المُتضوّع بأنفاس صباحِكَ
عزْفَ نايٍ بعيدٍ ، يُفيْرُزُنِي
بقداسة المَوانِع ..
أجفانُك المُهلِّلة من بُسْتانك الأخْضرِ
المُخَطّط بانهِمارات الصَّبّ ، تُرْديني طريحَة
الذّكريات المأهولة بسنابلك ..
وحبابُ الهَوَى يُنَرجِسُني سُعْرات وسُعْرات ..
ياااااااا أنتَ .. البعِيد خلْفَ الخرائِط
ارتسمتَ في مرآتي
ملحمةَ شوقٍ عنيدةٍ تنُوخُ في بيادري أشرعةَ هوَى تسيلُ فيه الدُّنَى وتسجُدُ ..
ترتّلني لحْنا كلثوميا بصلاَة غائِب :
"أغدا ألقااااااااااك .."
"يا لشَوْقي واحْتراقِي في انتِظارِ الموْعِدِ "
شعر خيرة مباركي .ديوان " مخاض الأشرعة "
ساك باللحظة الشعريّة
اضاءة ل قصيدة / رحيق المسافات / للفنانة التشكيلية والناقدة والشاعرة / خيرة مباركي / تونس
بقلم : كريم عبدالله / بغداد / العراق 21 / 7 / 2018
سيبقى الشعر هو اللغة الشاملة والمعبّرة عن الذات الانسانية وستبقى الكلمة هي الكائن الحيّ الذي من خلاله يستطيع الشاعر ان يرسم الواقع عن طريق خياله الخصب وابتكار العديد من الصور الشعرية الزاهيّة واجادة تشكيلها واعادة صياغتها وجعلها ناصعة متوهّجة خالية من الترهّل , وان طغيان المخيلة الخصبة تمنح الشاعر حرية تحطيم اللغة واستغلال طاقاتها الى أبعد حدّ ممكن وبثّ الروح والمشاعر الجيّاشة في القصيدة عن طريق تغريب اللغة وانثيالاتها وتحطيم الوحدات المنطقية والعقلية التي تجعل القصيدة مقيّدة وتتحرك في نظام نمطي رتيب وجعل اللغة ساحرة عذبة .
مما لاشكّ فيه بان حالة التوافق الذهني والحركي ( حركة الاصابع ) عند الشاعر مهمة جدا تتيح له حرية الابتكار والخلق نتيجة لموهبته وحرفيته العالية في صناعة الحدث الدرامي داخل النصّ الشعري , فالشاعر كالموسيقى الحاذق يحتاج الى انامل تجيد العزف بحريّة وعذوبة ويرسم بكلماته صوره المدهشة والمستفزّة عند المتلقي . الشاعر يجب ان يحسب كل شيء داخل عمله الشعري بعناية فائقة , ينظم الاحداث والصور والموسيقى والحوارات والزمان والامكنة داخل فضاء عمله الشعري يبدأ من المفردة واخيارها الصحيح ومكانها المناسب داخل المقطع الشعري ثم دراسة المقطع الشعري ورسمه بدقّة وتكثيفه الى أبعد حدّ ممكن وضغطه كي يتناسب مع المقاطع الاخرى . عليه ان يحسب بدّقة اللقطات المتوهّجة داخل النصّ وكذلك الاصوات وتناغمها مع بعض ويحذف الاصوات النشاز لئلا يرتبك العمل الشعري ويتشتت ويتلاشى . فالسينوغرافيا ( سينو = صورة / غرافيا = رسم ) تعنى رسم الصورة , الشاعر المبدع يستطيع رسم العديد من الصور الشعرية الغريبة والمحطمة للواقع والعزف بجميع الادوات المتوفرة ( المفردات المختارة بدقّة ) وابهارنا , وان يجعلنا نتساءل كثيرا ونتأمل ونؤوّل كل حسب ذائقته وخزينه المعرفي كثيرا ايضا ويمتعنا بمتعة ايما متعة , متعة ترافقنا طويلا لا تنتهي بمجرد الانتهاء من قراءة القصيدة .
يبدو اننا امام خلية نحل ( القصيدة / رحيق المسافات ) عاملات كثيرات لاتكلّ ولا تملّ ( الرمز / الاستعارة / التشبيه / المجاز / والكتابة ) تعمل بعدة اشكال وتقوم بوظيفتها لا لشيء الاّ انتاج وجمع الرحيق ( ايصال المعنى الى المتلقي ) , وخلف هذه العاملات (الرمز / الاستعارة / التشبيه / المجاز / والكتابة ) توجد ( ملكة / الشاعرة ) تراقب الاحداث بعين ثاقبة تجيد فن الهندسة والبناء وتملأ ( المسافات / الفقرات ) بالدهشة وتبعث فيها الاحساس بالجمال واللذة او الاسى وتبعث الفتنة . عند قراءة هذه القصيدة تهبّ علينا نشوة نتشممها من خلال لغتها المغايرة وكلما نتقدّم في القراءة نراها تتوهّج اكثر تذيب الثلوج وتبدد سحب الرماد من الذاكرة , لغة تستفزّ الخيال توقظ في الروح فتنتة تنتصر على كدر الواقع المعاش وتبدد من حولنا هذا الضجيج وتحلّق عاليا حرّة في سماوات اخرى تنبعث مما وراء الحلم .
رحيق المسافات / هذا العنوان الهادىء والمثير في نفس الوقت حيث يفتح افاق التأويل والتأمل العميق عمّا أرادت من خلاله الشاعرة ان تقول وهي تستفتح القصيدة بهذه الاطلالة الجميلة . فكما هو معلوم في اللغة بانّ ( الرحيق سائل مائي سكري تفرزه الغدد الرحيقية التي تتواجد إما على الزهرة أو على الأوراق أو عند التقاء ساق الورقة مع الغصن وهو الغذاء الرئيس للنحل حيث يمتصه من الأزهار ويحمله إلى خلاياه في حويصلة العسل ), وانّ ( المسافة تعنى البُعدْ وايضا المساحة والمقدار وقد تستخدم للزمان , وقد تعني المسافة التي يتركها النحل بين الأقراص الشمعية وأجزاء الخلية الاخرى وذلك للسماح له بالمرور خلالها و قد تستخدم المسافة ايضا للفراغات ما بين مقاطع القصيدة ). هنا لابدّ من الوقوف على قصدية العنوان لانه العتبة الاولى والمدخل المهم للقصيدة , فهل ارادت الشاعرة ان تقول : بانّ هناك مسافات زمنية او مكانية ممتلئة بهذا الرحيق ..؟! . وهل ارادت ان تثيرنا عن طريق هذه العنوان باننا امام خلية نحل صنعت بعناية فائقة وكأن وراءها مهندس محترف ( القصيدة ) ..؟ . ام اشارت الينا بعنوانها هذا الى انّ كل فقرة من فقرات قصيدتها هذه يتكاثر الرحيق بينها وانها ( الشاعرة ) قد كتبتها برحيق الابداع وجمال اللغة ..؟ . كل الاحتمالات جائزة لان العنوان يشير اليها جميعا ويلمّح عن بعيد او قريب الى ذلك . بالتاكيد أرادت الشاعرة ان تقول لنا بانّها رسمت هذه القصيدة رسما دقيقا كخلية النحل وبثّت فيها الرحيق فكان العنوان عبارة عن صورة حسيّة / شمّية / ظرفية / ذوقية , من خلاله اصبحنا نشمّ عطرا ونتحسس جمالا ونعيش في زمن معين ومكان اخر ونحن نتذوق هذا الرحيق المتضوع من بين فقرات القصيدة ..
يا لعيونك حين تتنّفسُني رحيقَ مسافاتٍ
هكذا تبدأ القصيدة / ياااااااااااااااااااا / بأداة النداء للذات الاخرى البعيدة او القريبة / هل هي عملية مناداة ام استغاثة وتعجب / لعيونك حين تتنفسني / صورة مكثّفة مدهشة جدا أنسنت العيون ووهبتها صفة التنفس / وهذا انزياح رائع في اللغة / رحيق مسافات : هنا اعطت لنفسها هذا الرحيق وهذه المسافات التي اشرنا اليها في العنوان .
وأنتَ تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ ..
وأنت / ايها الهنااااااااااااااك / بدأت القصيدة تبوح بمكنوناتها وتخاطب / ال أنت / في لغة مبهرة / تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ .. / ويبدأ العزف وندخل بهدوء الى اجواء القصيدة بهذه الموسيقى العذبة من خلال اشراقة فجر قرمزيّ بديع .
لابدّ من الاشارة هنا بانّ كل مقطع رُسم بعناية فائقة جدا عن طريق لغة مرمّزة رقراقة كالينبوع حُبلى بالكثير من الصور الشعرية الصادمة والمدهشة ان القصيدة تحتضن داخلها الكثير من الالحان والانغام والاصوات / فأعزفُ حنيني ببراعة القحط حين لا تدركني مزنتُك العابرة بعساكر الشوق ../ سيمْفُونيّةً عاصفةً لربيعٍ آيلٍ لسَكْرة ../ ترتّلني لحْنا كلثوميا بصلاَة غائِب ..
نجدّ في هذه القصيدة عنصر حيوي الا وهو الصراح والحوار والحركة لكننا نتلمسه من بعيد حيث تكون الشاعرة تصنعه بحرفية عالية وتجيد تحريكه مستبطنا / فأَبْحَثُ عنّي ..وأتيه في أحْداق النّورِ ../ حين تغْزُوني ابتسامةَ صبحٍ ..أنتصبُ علامةَ استفهامٍ في استخارتي الأخيرة ../ وأنتَ تعْرُج لصَمْتي الأبدي .. تُحْيِيهِ .. / هنا نجد حوارا بين شخصيتين عن طريق لغة مبهرة ومن خلال صور شعرية صيغت بعناية فائقة .
مما لاشكّ فيه باننا امام تدفق لغوي جميل جدا وتشكيلات صورية رسمت من قبل فنان يجيد الرسم بالكلمات وموسيقى طافحة بالجمال والفرح , كلّ هذا استطاعت الشاعرة ان تظبطه وتحسبه بدّقة ختمته ب / أغدا ألقااااااااااك .. / يا لشَوْقي واحْتراقِي في انتِظارِ الموْعِدِ .. / الاصرار والتأكيد على الحضور القوي والنتظر .
هذه كانت عبارة عن اضاءة لقصيدة الفنانة التشكيلية والناقدة والشاعرة / خيرة مباركي , وهي ليست قراءة نقدية فانا لست بناقد وانما سحر القصيدة أقلقني كثيرا واستوقفني طويلا فكان من الواجب ان اقول بحق الجمال والابداع شيئا فكتبت ما كتبت ..
القصيدة
رحيق المسافات
يا لعيونك حين تتنّفسُني رحيقَ مسافاتٍ
وأنتَ تُموْسقُني ابتسامَةَ فَجْرٍ قُرْمزِيٍّ ..
فأَبْحَثُ عنّي ..وأتيه في أحْداق النّورِ ،
فرجًا لأسارير طريقِكَ الطويلةِ ..
حين تغْزُوني ابتسامةَ صبحٍ ..أنتصبُ علامةَ استفهامٍ في استخارتي الأخيرة ..
يا أيُّها الإنْسيُّ ، من صبْوَتيْكَ السّادِرتيْن في فجري
تُشْرق فراديسي
وتخطُر في نشوة الضّياء ..
فأعزفُ حنيني ببراعة القحط حين لا تدركني مزنتُك العابرة بعساكر الشوق
ويخضّبُني بمِحْنَة الرُّكُوعِ في
تواضُع الحلم ..
وأنتَ تعْرُج لصَمْتي الأبدي .. تُحْيِيهِ
سيمْفُونيّةً عاصفةً لربيعٍ آيلٍ لسَكْرة
الفُصُولِ فَتَضِجُّ عُطُورُ الشّرْقِ وتغارُ منْ شَذاك
المُتضوّع بأنفاس صباحِكَ
عزْفَ نايٍ بعيدٍ ، يُفيْرُزُنِي
بقداسة المَوانِع ..
أجفانُك المُهلِّلة من بُسْتانك الأخْضرِ
المُخَطّط بانهِمارات الصَّبّ ، تُرْديني طريحَة
الذّكريات المأهولة بسنابلك ..
وحبابُ الهَوَى يُنَرجِسُني سُعْرات وسُعْرات ..
ياااااااا أنتَ .. البعِيد خلْفَ الخرائِط
ارتسمتَ في مرآتي
ملحمةَ شوقٍ عنيدةٍ تنُوخُ في بيادري أشرعةَ هوَى تسيلُ فيه الدُّنَى وتسجُدُ ..
ترتّلني لحْنا كلثوميا بصلاَة غائِب :
"أغدا ألقااااااااااك .."
"يا لشَوْقي واحْتراقِي في انتِظارِ الموْعِدِ "
شعر خيرة مباركي .ديوان " مخاض الأشرعة "


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.