نبأ سار من "الغرفة التجارية بالقاهرة" بشأن أسعار ياميش رمضان 2026    حالة الطقس ودرجات الحراره غدا الجمعة 6 فبراير 2026 فى المنيا    "مش هشوف ابني تاني".. والدة الطفل ضحية حقنة البنج تبكي على الهواء    مسئول أمريكي يؤكد مشاركة ويتكوف وكوشنر في محادثات مع إيران غدا    وزير الخارجية يتوجه إلى ليوبليانا للمشاركة في اجتماع مجموعة الاتصال العربية الإسلامية بشأن غزة    انتصار السيسي مودعة الرئيس أردوغان وقرينته: من أرض الكنانة في وداع ضيوف مصر الكرام    سفير مصر في الجزائر يستقبل بعثة الأهلي    الاتحاد الفلسطيني يبرز تألق عدي الدباغ مع الزمالك    السعودية: إصدار 4 رخص باستثمارات تجاوزت 4 مليارات ريال في معرض المعدات الثقيلة    اتصالات النواب: وضع سن محدد لاستخدام التطبيقات والتقنيات الرقمية    قسمة العدل الحلقة 18.. خالد كمال يورط ايمان العاصى بسبب تزويره على جهازها    عضو هيئة العمل الوطنى: 11 ألف مريض سرطان فى غزة بحاجة للخروج لتلقى العلاج    بسمة وهبة: وفاة طفل أثناء عملية حشو ضرس    مشاركة متميزة لطلاب جامعة العريش في النسخة الثانية من ملتقي إعداد القادة    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج المصابين القادمين من غزة    الناتو والاتحاد الإفريقي يعززان شراكتهما العسكرية خلال محادثات رفيعة المستوى في أديس أبابا    تعرف على الأسهم الأكثر تراجعًا خلال تعاملات البورصة بجلسة نهاية الأسبوع    الداخلية تكشف تفاصيل تعدي أجنبيتين على صاحبة دار لرعاية المسنين بالجيزة    شيخ الأزهر يستقبل الطالبة الكفيفة مريم حافظة كتاب الله ويوجّه بتبنى موهبتها    خبر في الجول - الزمالك يتوصل لاتفاق مع الإيطالي كاديدو لقيادة فريق الطائرة    الهيئة العربية للتصنيع: وصلنا إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي في تصنيع عربات مترو الأنفاق والبضائع في مصر    العثور على جثة متحللة لرجل بعزبة الصفيح في المنصورة    أخطاء المدافعين فى مصر    بدعم إماراتي.. وصول سفينة «صقر» لميناء العريش من أجل تقديم المساعدات لغزة    المستشار الألماني يزور قطر لإجراء محادثات حول التعاون وسط توترات إقليمية    النائبة ولاء الصبان: زيارة أردوغان لمصر تؤسس لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والتجاري بين القاهرة وأنقرة    الجسر العربي: استثمارات تتجاوز 55 مليون دولار ترفع حركة الشاحنات على خط «نويبع–العقبة»    تعظيم سلام للأبطال| جولات لأسر الشهداء فى الأكاديمية العسكرية    الرقابة المالية تعتمد ضوابط جديدة لتعديل تراخيص شركات التأمين    عبد المنصف يكشف كواليس حديثه مع زيزو بمباراة الأهلي والبنك    سكرتير محافظة سوهاج يشهد تدشين فعاليات المؤتمر الدولى الخامس لطب الأسنان    قبل فن الحرب.. 4 مسلسلات جمعت شيري عادل ب يوسف الشريف    «التنظيم والإدارة» يتيح الاستعلام عن نتيجة وظائف سائق وفني بهيئة البناء والإسكان    خالد الجندي يوضح معنى الإيثار ويحذّر من المفاهيم الخاطئة    محطة «الشهداء» تتحول لنموذج عالمى: تطوير اللوحات الإرشادية بمترو الأنفاق.. صور    "مجرد واحد".. تفاصيل رواية رمضان جمعة عن قاع الواقع    الإثنين.. افتتاح معرض "أَثَرُهَا" ل30 فنانة تشكيلية بجاليري بيكاسو إيست    رئيس الوزراء يتابع جهود منظومة الشكاوى الحكومية خلال يناير الماضي    رئيس جامعة المنوفية يعقد اجتماعًا لمجلس إدارة مركز الدراسات الاستراتيجية وإعداد القادة    رافينيا يغيب عن برشلونة أمام ريال مايوركا بسبب الإصابة    وزير الصحة يتفقد معبر رفح لمتابعة استقبال وعلاج مصابي غزة    تعليم القليوبية يشدد الإجراءات الأمنية قبل انطلاق الفصل الدراسي الثاني    طريقة عمل الثوم المخلل فى خطوات بسيطة وسريعة    الزمالك: دونجا ساعد الزمالك بالموافقة على الرحيل للدوري السعودي    تعليم القليوبية تدشن فعاليات منتدى وبرلمان الطفل المصري    مفيش رسوم نهائي.. شروط إقامة موائد الرحمن خلال شهر رمضان 2026    شن حملة تفتيشية مكثفة على المحلات بالغردقة لضبط الأسواق.. وتحرير 8 إنذارات لمخالفات متعددة    التقرير الطبي يكشف تفاصيل إصابة خفير بطلق ناري على يد زميله بالصف    هل يجوز الصيام بعد النصف من شعبان.. الأزهر للفتوى يجيب    صحة المنيا: مستشفى أبو قرقاص استقبلت 20 ألف مواطن وأجرت 193 عملية خلال يناير    نشاط رياح مثيرة للرمال والأتربة على مطروح والساحل الشمالي والعلمين    الداخلية تضبط 462 تاجر سموم وتصادر 600 كيلو حشيش و285 قطعة سلاح    براءة طبيب من تهمة الإهمال والتزوير في قنا    سوق الدواجن يستقبل شهر رمضان بموجة غلاء جديدة وكيلو الفراخ البيضاء ب 100 جنيه    موعد مباراة الزمالك وزيسكو الزامبى بالكونفدرالية    الرئيس السيسى لمجتمع الأعمال المشترك: نضع حجر أساس مرحلة جديدة طموحة جوهرها مصلحة شعبينا    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



احمد شوقي ,فيلسوف الشعر ,الذي ظفر بزبدة الحكم
نشر في شباب مصر يوم 23 - 11 - 2018

مضت اكثر من ثمانية عقود ,على رحيل احمد شوقي بك, امير الشعراء وشاعر الامراء, ولسان مصر الناطق: كما سماه طه حسين
وجدت الرجل بحرا بلا ساحل, فهو شاعر السياسة والاقتصاد والاجتماع والانتروبولوجيا والطب, اضافة الى كونه شاعر كلمة, لايعتبر المدح تملقا ولا دبحا, كما يحلو لابن الخطاب القول , بل يعتبره تضرعا ودعاء
الذين يتعمقون في شوقي الشاعر لن يجدو ضالتهم في شاعر القصر الخديوي العلوي, المنتسب لال البيت بالدعاء المدحي, بل سيجدونها في شوقي صاحب الكلمة المعتبرة, كزبدة للحياة, بتعبير اخر, شوقي وصل لامارة الشعر, وتبوا مقعد شاعر القصر الخديوي كمنصب رسمي سامق, لكن ذلك لايعني ان شوقي الشاعر انصرف عن كنه الدنيا, التي بلغ به الامر الى وصفها بما يلي
سماؤك يادنيا خداع سراب ****وارضك عمران وشيك خراب
وما انت الا جيفة طال حولها ****قيام ضباع او قعود ذئاب
ويقول في موضع اخر ما يلي
فمن يغتر بالدنيا فاني **********لبست بها فابليت الثياب
جنيت بروضها وردا وشوكا **********وذقت بكاسها شهدا وصابا
ويضيف في قصيدة نهج البردة
يانفس دنياك تخفي كل مبكية *****وان بدا لك منها حسن مبتسم
ويضيف في قصيدة الى عرفات الله ما يلي
ومن تضحك الدنيا اليه فيغتر **********يمت كقتيل الغيد بالبسمات
فتجربة شوقي احمد بك هي محنة الشرق برمته ,محنة شمس شيعت ومال الناس لضحاها
شيعوا الشمس ومالوا بضحاها ***وانحنى الشرق عليها فبكاها
شوقي يتحدث عن محن جهنمية كان الناس يواجهونها وردا , فاصبحوا الان ياتونها فرادى
مشينا امس نلقاها جميعا ***ونحن اليوم نلقاها فرادى
اريد من خلال استحضار الجانب الحكمي في تاريخ شوقي شاعر البشرية الشامخ,الاشارة الى ان الزبدة الحكمية التي انتهى اليها حول الدنيا, لم تات عبثا بل هي ثمرة حياة شامخة, نثر فيها الذهب الخديوي للطفل شوقي عساه ينظر ارضا, فكذبت حياته ذلك فتامل افقا, وانتهاء بماساة المنفى باسبانيا, مرورا بالتمدرس بالجامعات الافرنجية والوقوف على تاريخ مصر الفرعونية الضارب الاطناب الى ما قبل 33 قرنا وفقه
شوقي اراد عبرة حياتية تكون كلمته فيها زبدة لكل المعتبرين من دنيا الناس, التي يعتبرها البارودي دولاب, ويعتبرها ابو البقاء الرندي في مرثية الاندلس ,حين تساءل هل اتاك حديث اندلس ؟فاختصر الكلام باعتبار الدنيا كما شهدتها –بكسرالهاء- دول او كما جاء في الذكر الحكيم ,الايام دول ,تخلص بك لخلاصة ابي البقاء مرة اخرى
ان كنت في سنة***فالدهر يقظان
شوقي الشاعر وجد نفسه بين عدة كينونات: كينونة ارض الكنانة غير المفصولة عن عمقها الافريقي السوداني, حيث وحدة النيل, فهو شاعر الوحديين الجغرافيين,السباقين لثنائية هوية زواج العروبة والاسلام ,وفي نفس الوقت يمجد حضارة النوبيين من اهالي النيل, الممتد لعروق قرابة عشر دول
ولن نرتضي ان تقد القناة *****ويبتر من مصر سودانها
فمصر الرياض وسودانها*****عيون الرياض وخلجانها
وماهو ماء ولكنه *****وريد الحياة وشريانها
اما على مستوى واقع الادب: فصداقة شوقي امير الشعراء لامير البيان شكيب ارسلان, والتي دامت اربعين سنة, جعلتهما يتبوئان عرش الادب العربي الاسلامي بلا منازع, لكن الذي فرقهما بطبيعة الحال هو الانتماء الايديولوجي والتصور السياسي, ففي الوقت الذي ظهر فيه شوقي بك كشاعر التامل, الذي كسر قيود الانضباط الشعري لقوافي الاوزان, ومن ورائهما الانضباط الفقهي الطقوسي: اللذين يتحكمان في اهل الفقه والبيان, وعلى راسهم ارسلان,مع ان شوقي يشطر الابيات ويزنها كما تشطر النساء الزيتون ,وكما يزن الصائغون معادنهم النفيسة
شوقي مهد لظهور شعراء كبار في الشعر النثري من طينة محمود درويش وسميح القاسم وبقية شعراء الرابطة القلمية ,وهانحن الان نعيش زمنية وزن الكلافيي حيث اصبحت التقنية هي التي ترفض الاضافات ,ففي الشعر الالكتروني عليك ان تساوم الكلافيي حتى لايرسل الكلمات للاسطر الموالية ,فمن الشيخ الفراهيدي خليل لكلافيي الكتابة الالكترونية ,ظل الشعر شامخا ,في منظومه ومنثوره
شوقي اهتم بالصورة الشعرية وبالتامل الغير الطقوسي, فهو بذلك سابق لزمانه ولاجياله, بل يمكن عده حداثيا من الطراز الرفيع, وبيته الشعري وتصوره لوطنيته تجاه ارض الكنانة, والاغراق في التاملية كفيلة بان تدلنا على شوقي المتعبد الرفيع: الذي يرى الله في كل شيئ, ليس في السماوات والارض فقط, بل في ماء النيل, وارض الكنانة ايضا, وهاكم ابياته بهذا الصدد
يبنون لله الكنانة بالقنا *****والله من حول البناء موفق
ويضيف في قصيدة* سلو قلبي* بانه لايقف بباب غير باب الله, ولايركن لحكم غير حكم الله, فهو متحرر من طقوسيات الاوزان والفقهيات النقلية
فلم ار غير حكم الله حكما *****ولم ار دون باب الله بابا
اما عن حديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم, فهو يفتخر بالانتساب لال البيت بمدحه, واضافته لموقع النبي كلبنة خاتمة في مؤسسة الانبياء ودرجات الايمان: هو اعتباره اياه* امير الانبياء* مشيرا الى ذلك بقوله
لزمت امير الانبياء ومن ****يمسك بمفتاح باب الله يغتنم
وتماشيا مع نظرة شوقي للمدح كدعاء, كما جسدت ذلك قصيدة* ولد الهدى* حيث يقول
ماجئت بابك مادحا بل داعيا *****ومن المديح تضرع ودعاء
ويكفي شوقي فخرا ان قصيدة ابا الزهراء التي نظمها بنهج البردة ,اراد بذلك تنمية الخيط الشعري التسلسلي من بصيري البردة لنهج البردة مع شوقي, وقس على ذلك محبي المديح من انبياء وختما بالعظماء
ومن شجاعة شوقي التي عز نظيرها, ربطه التصوف الايماني الوحداني بالتصوف السياسي اليوناني السقراطي: فيصل الى تماهي الرسالة النبوية مع الرسالة الفلسفية ,في اشارة لوحدة المبحث الانطولوجي عند التصورات الايمانية, والى ذلك يشير بيته
بنيت على التوحيد وهو حقيقة *****نادى بها سقراط والقدماء
والهدف من تجاوز القدر: بالمدح, هو نيل رتبة الانتساب للنبي, ان لم يكن بالدم, فالبعمل المدحي, والى ذلك يشير بقوله
ابا الزهراء قد جاوزت قدري *****بمدحك بيد اني لي انتسابا
ولعل الماخذ الذي يسجل على مخاطبة النبي* بابي الزهراء* ان فيه جاهلية كجاهلية افاطم, والحال ان النبي هو ابو ابراهيم: الذي قال في حقه بان امته على فقده لمحزونة, لان ابراهيم فلذة كبد النبي, يمثل رغبته في الانتماء الانساني خارج النسب المنافي والال المطلبي, خاصة وانه يشكل نتاج تصاهر حجازي قبطي مع السيدة مارية عليها السلام امر الله قدر مقدورحزن النبي على فق ذكران ابنائه ,من ابراهيم والطيب والقاسم ...عليهم السلام
شوقي يستشعر دائما رابط المواطنة ,الذي يجعل لكل معتقد حقه الوجودي ,في اطار التعايش المشترك بين مواطني الموطن الواحد ,والى ذلك يشير تجسيدا لوحدة مواطني بلده مصر, مسلمين واقباطا
انما نحن مسلمين وقبطا *****امة وحدت على الاجيال
احمد شوقي لايمر دون الاشارة الى فحوى الرسالة المحمدية حيث خلصها في الشورى والرحمة
والدين يسر, والخلافة بيعة *****والامر شورى, والحقوق قضاء
واذا رحمت فانت ام او اب *****هذان في الدنيا هما الرحماء
من الاغراض المنتمية لمجال سوسيولوجيا السياسة, التي اشتغل بها شوقي, هي قضية تشييئ كل شيئ, بما في ذلك الزواج الذي هو ميثاق عاطفي قوامه المحبة التي تعلو على ماديات دنيا الناس, لكن احمد شوقي اكتشف بمرارة تشييئ الزواج, واستغلال الشيوخ المترفين للصبايا باسم التعاقد الشرعي, وغير ذلك, وقد سبق ان وضع جبران خليل جبران تحت مشرحة النقد الزواج بلا حب, وشوقي بدوره استنكر ظاهرة تشييئ الزواج,بل هناك تشريعات عربية مثل التشريع المغربي تزجر على الزواج القسري او التطبيل له بغرامات قاسية تصل الى 3000اورو ,والهدف من ذلك هو ايقاف النخاسة المعاصرة التي حولت كل المدن والقرى الى وكالات زواج وهمي ,ولو وظفت تلك الجهود في التعاطي مع المعضلة الديموغرافية ,لاعطت نتائج اكثر فائدة وايجابية , فيقول في هذا الشان
المال حلل كل غير محلل *****حتى زواج الشيب بالابكار
مازوجت تلك الفتاة وانما *****بيع الصبا والحسن بالدينار
بعض الزواج مذمم ما بالزنا *****والرق ان قيسا به من عار
فتشت لم ار في الزواج كفاءة*****ككفاءة الازواج في الاعمار
ومن الناحية السياسية يعول شوقي في التغيير المجتمعي ,على رجال التعليم ونسائه, فيقول عن اهميتهم
قم للمعلم وفه التبجيلا*****كاد المعلم ان يكون رسولا
اعلمت اشرف اواجل من الذي *****يبني وينشئ انفسا وعقولا
لكن الشاعر ابراهيم طوقان, يدهب مدهبا مخالفا لذلك, معتبرا نداء شوقي صادر عن عدم امتهان التعليم , ومصاحبة الصغار, فرد عليه ببيته=
لوجرب التعليم شوقي ساعة *****لقضى الحياة شقاوة وخمولا
ورغم ما اسلفنا الحديث عنه حول شوقي شاعر التجربة الحياتية المريرة, فان ذلك لايعني عدم اساتذيته في الشعر الوجداني العاطفي, بل ان اميريته فيه تضاهي كل اميرية اخرى, فهو صاحب قصيدة ,اتعجل العمر, التي قال فيها
اتعجل العمر ابتغاء لقائها *****فاذا تلاقينا بكيت حياتي
تمضي بي الايام وهي رتيبة *****لاهم لي الا اللقاء الاتي
ازن الحديث اقوله عند اللقا*****فيضيع عند تقابل النظرات
ولكي يصد كل من يلج عالم الحب, والوجد, والشوق, فينصحه بقوله له
واخاف ان تلقى الذي لاقيته *****في الحب ومن وجد ومن حرقات
اما في قصيدة *سلو قلبي* فيخلص الى ان الجمال لايترك للمرء استبيان الصواب من الخطا, والى ذلك يشير بقوله
ويسال في الحوادث ذو صواب *****فهل ترك الجمال له صوابا
وكنت اذا سالت القلب يوما *****تولى الدمع عن قلبي الجواب
ففي قصيدة* سلو كؤوس الطلا* يخرج شوقي عن رتابة النظرة والابتسامة التي جسدتها قصيدته المشطورة , خدعوها بقولهم حسناء المنسوبة للهلالي
خدعوها بقولهم حسناء ***وامتداح الكواعب استهواء
دنت للوصال بعد نفور ***والغواني يغرهن الثناء
لاشفاني اليوم ان لم ***يك بيني وبينها اشياء
نظرة فابتسامة فسلام ***لفؤاد العليل هو الشفاء
ثم رد فبث شكوى بعاد***فكلام فموعد فلقاء
وعلينا من العفاف رقيب ***لم تدنس وصالنا فحشاء
الى ان يصل في نهاية نصيحة الغانية ,بان الشعراء هم الناس وعليهم بتقوى الله في قلوب العذارى او الغواني لان قلوبهن هواء ,وهي شهادة تدخل في خضم وشهد شاهد من اهلها ,أي بتعبير السوسيولوجيين هي البوح الزوليخي ,نسبة لبوح زوليخا زوجة بونيفار عزيز مصر, ابان عشق يوسف الصديق, قبل ان تختم حياتهما بالزواج الفعلي بعد وفاة عزيز مصر ,شان ما جرى ما عليه الواقع السياسي بين البداوة والحاضرة ,العاكسة في الغالب للتفاهم العبري الفرعوني , على لزومية حضور البداوة كاساس متفق عليه في تدبير شؤون القصر المركزي في تلك العهود بامبراطورية مصر,قبل ان تدخل مسرحية اوديب ملكا ,لعبة الحكم الى ضوابط المد والجزر ,الى ذلك يشير على لسان تلك الغادة بقوله =
اتقوا الله في خداع العذارى ***فلكم في اصطيادهن دهاء
لاتصيدوا الابكار بالشعر ختلا ***فالعذارى قلوبهن هواء
شوقي ينحشر في الحديث: او همس العشاق , فيقول
حديثها السحر الا انه نغم *****جرت على فم داوود فغناها
ياجارة الايك ايام الهوى ذهبت *****كالحلم اها لايام الهوى اها
اما قصيدة ياجارة الوادي فهي تختلف عن جارة الايك ,لانه خلالها يبوح عشقا وشعرا بانه عاش تجربة رمبوية كالتي عاشها رامبو ,ابان زواجه بالحبشية السمراء ,فيقول في قصيدة ياجارة الوادي
وتعطلت لغة الكلام وخاطبت ***قلبي باحلى قبلة شفتاك
وبلغت بعض ماربي اذ حدتث***عيني في لغة الهوى عيناك
لاامس من عمر الزمان ولاغد ***بنواك اه من النوى رحماك
سمراء ياسئلي وفرحة خاطري ***جمع الزمان فكان يوم لقاك
اما الاسكندرية عاصمة العلم والمعرفة ,منذ ان تبحرت البشرية في الكتابة ,فينعتها بغرة الوادي ,ويخاطب بها خزانة الوادي
ياغرة الوادي وسدة بابه ***ردي مكانك في البرية يردد
اخزانة الوادي ,عليك تحية ***ربضت كجنح الغيهب المتلبد
واسكندرية على غرار قرطبة والبندقية وجدة وغيرها من المدن التاريخية ,شغلت كل روائيي وشعراء مصر ,ويكفي ان دنقل اختصر الاسكندرية, في انها تعشق البحر والبحر يعشق اسكندرية ,اما نجيب محفوظ في رواياته فان وصف الامطار بالاسكندرية وجوها الممطر لايقل شان عن قصيدة مطر مطر مطر لابن جيكور ,بدر شاكر السياب العراقي
شوقي حرص ايضا على صيانة تاريخ مصر كله ,معتبرا اياه مثل صون العرض, فيقول بهذا الشان
وانا المحتفى بتاريخ مصر*****من يصن مجد قومه صان عرضا
ويسرد تاريخ المؤسسة النبوية بمصر, في اشارة الى انها ارض الايمان التي تستقبل المضطهدين من الرسل والانبياء والمتصوفة , فيقول بهذا الشان
اين الفراعنة الالى استدرى بهم *****عيسى ويوسف والكليم الصعق
الموردون الناس منهل حكمة *****افضى اليها الانبياء ليستقوا
هذا اذن نزر يسير من تاريخ هرم كبير من اهرامات مصر الانسانية: الجديرة بابقاء الذكرى عنه حية والى الابد, ولعل احسن ما يرثى به, هو ما ارثاه به بشارة الخوري حين قوله عنه
الاهة الشعر, قامت عن ميامنه *****وربة النثر, قامت عن مياسره
فلو صح اذعان اهل الكلمة للمدهبية التاملية غير الطقوسية, لاعتبر احمد شوقي بك: امير الشعر والبيان في دنيا الناس, لكن واقع الناس شيئ اخر, فكما ان العملة الرديئة تطرد الجيدة عند اهل الاقتصاد فيما يسمى بقانون جريشام, والاخلاق السفيلة تطرد الرفيعة عند اهل السياسة, كذلك الطقوسية تطرد التاملية عند اهل الادب والفقه
احمد شوقي كله تامل ومقت للجهل ,فاذا تحدثنا عن مدرسة فرانكفورت ومقتها الكليانية ,فيمكن الجزم من خلال قصيدة يارب ما حكمك؟ماذاترى ؟سنجد ان شوقي بك اب روحي لتلك المدرسة التي وقفت في وجه الكذب الرسمي, ومسوقي الدجل, فردد قائلا=
جناية الجهل على اهله ***قديمة ,والجهل بئس الدليل
شوقي يعتبر القضاء والقدر معضلة لم يحلها احد ,يجعل البنون فتنة ان صلحوا, ومحنة ان فسدوا
البنون هم دمنا ***والحياة والورد
فتنة اذا صلحوا ***محنة اذا فسدوا
شاغل اذا مرضوا ***فاجع اذا فقدوا
القضاء معضلة * **لم يحلها احد
احمد شوقي ينظر للاندلس كروح ما ان تتحرك الاعين حتى توقظ السلاطين ,يعني التاريخ العربي الطويل بالاندلس ,فيقول في اندلسية
حيا نائح الطلح اشياء عوادينا***نشجى لواديك ام ناسى لوادينا ؟
كادت عيون قوافينا تحركه***وكدنا يوقظن في الترب السلاطينا
اعظم حكمة عند شوقي, هي تصديه المفحم للغلا ء,فارسى سنة حياة في بيت اخاذ
وان غلا علي شيئ تركته***فيكون ارخص مايكون اذا غلا
ومن اعجب ماجاء بالتراث الشوقاني او المتشوق ,ان الندي يفتح اكمام منشدي شوقي وشادنيه ,فيقول =
هام الفؤاد بشادن***الف الدلال على المدى
ابكي فيضحك ثغره***والكم يفتحه الندى
ويضيف في موضع اخر على ان التراث الشرقي متناغم مع بعضه منذ مئات السنين, فيقول في هذا السياق الشوقاني المتشوق ,لانه مدرسة قائمة الذات ومتكاملة لاتحتاج الى مرجع يقيمها,فلنمتعن معه قصيدة سطوب, حيث يطالب بعدم التمادي في اخراج سيف الاخداد من غمدها ,فالهدنة الطف ,وكانه يتحدث لغة اهل مكناس بالمغرب والملحون ,الذي يشير الى ما يلي **الخدود يعصروا عصيرهم **الى ان صار العصير ,جليلا على تغلغل قصيدة الكاس للملاحنية المغاربة =
قف باللواحظ عند حدك***يكفيك فتنة نار خدك
واجعل لغمدك هدنة ***ان الحوادث ملء غمدك
مواضيع خاضها شوقي واهمها على غرار ثرثرة على النيل لنجيب محفوظ ,فهو الاخر يمعن في الرومانسية التي تتركها مناظر النيل التي قلنا سابقا انها عروق حياة ,لكنه في هذه يتحرى عن اخبار محبي النيل, التي تفضي بها اليه نسمات اسحاره فيقول =
بالله يانسمات النيل في السحر*** هل عندكن عن الاحباب من خبر؟


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.