تراجع أسعار المستهلك في اليابان بنسبة 2ر0% شهريا    انفجار في مصفاة نفط قرب سواحل تكساس يجبر السكان على البقاء في منازلهم    تحذير من تقلبات جوية حادة بعد ساعات.. أمطار غزيرة وعواصف رعدية قادمة    الهلال الأحمر: العدوان على إيران ألحق أضرارًا ب 292 منشأة طبية وأدى إلى استشهاد 22 من الكوادر الطبية وإصابة المئات    الأسهم الآسيوية ترتفع بحذر وسط تضارب إشارات التهدئة بين واشنطن وطهران    90 دقيقة متوسط تأخيرات قطارات «بنها وبورسعيد».. الثلاثاء 24 مارس 2026    هبوط أسعار الذهب عالمياً في بداية تعاملات الثلاثاء    إدانة بيل كوسبي بالإعتداء الجنسي وإلزامه بدفع نحو 60 مليون دولار    مفعولها سريع وآمنة، كيف تحمين أسرتك من نزلات البرد بالأعشاب؟    إعلام لبناني: استشهاد شخص وإصابة آخرين بنيران الاحتلال خلال توغل في حلتا    تأجيل حفل عمرو دياب في دبي بشكل مفاجئ.. اعرف التفاصيل    مواقيت الصلاة اليوم الثلاثاء 24 مارس 2026 في مصر وأفضل أوقات الدعاء    انضمام 7 لاعبين من أهلى 2009 لمنتخب الناشئين للمشاركة ببطولة شمال إفريقيا    بحضور أبو ريدة.. المنتخب الوطني يواصل الاستعداد لوديتي السعودية وإسبانيا    سفارة أمريكا فى لبنان تبدى استعداداتها لمساعدة رعاياها الراغبين فى مغادرة المنطقة    ارتفاع درجات الحرارة وأمطار وشبورة كثيفة، الأرصاد تحذر من الظواهر الجوية المتوقعة اليوم    إصابة 5 أشخاص فى حادث تصادم بكوم حمادة فى البحيرة    مصرع شخصين صدمهما قطار بمركز الواسطى شمال بنى سويف    إصابة 16 شخصًا في انقلاب أتوبيس رحلات بترعة البراجيل بأوسيم    السعودية تبحث مع بلجيكا واليونان مستجدات الأوضاع بالمنطقة    "سي بي إس": مسؤول إيراني يؤكد تلقي نقاط من الولايات المتحدة عبر وسطاء    روح رياضية في موسم العيد.. صناع إيجي بست يحضرون عرض برشامة    هاجر أحمد: ياسمين أحمد كامل قادت «أب ولكن» بصرامة وواقعية.. وكواليس العمل كانت منضبطة    "تهديدات بالقتل تلاحقه.. بطل "سناب" الجديد يواجه كابوس الشهرة في عالم هاري بوتر"    سبيلبرج يكشف السر الخفي وراء عبقرية توم كروز: انضباط صارم وشغف لا يعرف التوقف    قرية سقارة تكافئ أوائل حفظة القرآن الكريم ب15 رحلة عمرة.. صور    زفة شعبية مهيبة ل300 حافظ للقرآن الكريم فى قرية سقارة بالجيزة.. فيديو    سقارة تزف حفظة القرآن فى احتفالية مهيبة.. الأهالى ينظمون ممرا شرفيا لأبنائهم والزغاريد والتكبيرات تملأ الشوارع.. تكريم 300 طالب وطالبة ورحلات عمرة للأوائل.. ومحمد القلاجى نجم دولة التلاوة يحيى الحفل    مصادر تكشف ل "الفجر" الخطة الشيطانية الإثيوبية لمحاصرة إريتريا وتهديد السودان    وكيل «صحة قنا» تجري جولة لمستشفى الحميات لمتابعة الخدمات الطبية في العيد    مدير«المعاهد التعليمية» يتفقد مستشفى شبين الكوم والأحرار لمتابعة الجاهزية خلال العيد    المبادرات الرئاسية "100 مليون صحة" تواصل تقديم خدماتها المجانية لمواطني شمال سيناء    الكويت: خروج 7 خطوط هوائية لنقل الطاقة عن الخدمة إثر سقوط شظايا    أبرزها المونوريل.. وسائل نقل حديثة تربط شرق القاهرة بغربها    أول صورة ل الشاب ضحية مشاجرة بين عائلتين بالفيوم    موعد مباراة منتخب مصر والسعودية الودية استعدادًا لبطولة كأس العالم 2026    رويترز: العقود الآجلة للخام الأمريكي ترتفع بأكثر من دولار إلى 89.19 دولار    وكيل أعمالي موجود، رد ناري من يورجن كلوب على أنباء تدريب ريال مدريد    بوميل: الترجي لعب بطريقته أمام الأهلي.. وحديث القائد بين الشوطين غير الأمور لصالحنا    استبعد منتخبين كبيرين، توماس مولر يرشح 5 منتخبات للتتويج بكأس العالم    مقتل 8 أشخاص على الأقل في تحطم طائرة عسكرية كولومبية    مصرع شخصين صدمهما قطار بالقرب من مزلقان العطف بمركز الواسطى ببني سويف    طارق الدسوقي: أعتذر للجمهور عن أي تقصير في «علي كلاي» .. وبذلنا قصارى جهدنا لإسعادكم    مصدر أمني ينفي مزاعم «الإرهابية» باحتجاز فتاة وتعذييها بقسم شرطة بالقاهرة    طلب إحاطة عاجل بالبرلمان لمواجهة خطر القمامة الإلكترونية في مصر    طارق الدسوقي لجمهوره: حبكم هو المكافأة الأجمل.. وأعتذر عن أي تقصير في "علي كلاي"    الأزهر الفتوى يوضح حكم الجمع بين صيام القضاء والسِّت من شوال    تحرك برلماني لتحسين الطوارئ وضمان استقرار الكوادر الطبية في مستشفى أبوتيج المركزي    مبابي: مررت بفترة صعبة بسبب الإصابة.. وتعافيت بشكل كامل    ريال مدريد يتحرك لتأمين مستقبل فينيسيوس.. وضغوط لحسم التجديد سريعا    متحدث التعليم العالي: إنشاء فروع لجامعات مصرية في الخارج توجه رئيسي للوزارة    مصادر ل"البوابة نيوز": اجتماع لرئيس النواب مع رؤساء الهيئات البرلمانية الأربعاء لأمر مهم    رسائل نقيب المحامين للأعضاء الجدد بالنقابة الفرعية في سوهاج    مديرية تعليم القليوبية تعلن جدول امتحانات مارس للإعدادي 2026    وفاة طفلة بوجبة غذاء فاسدة في الشرقية    تعرف علي حكم صيام الست من شوال مع صيام قضاء رمضان    موعد محاكمة عاطل بتهمة إصابة آخر بعاهة مستديمة في مشاجرة بعين شمس    مواقيت الصلاة اليوم الإثنين 23 مارس 2026 في القاهرة والمحافظات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لا كرامة لمجانية التعليم فى مصر

عندما بدأ محمد على باشا والى مصر «1805 -1849» فى إنشاء المدارس المدنية لإعداد طبقة من المهنيين لخدمة أهداف التنمية وخاصة فى الإدارة والصناعة وبناء الجيش، كان التحاق أبناء المصريين من الفلاحين بهذه المدارس مجانا ودون رسوم، حيث تتحمل الخزينة العامة جميع نفقات التعليم وكذا تكاليف الإقامة فى بعض المدارس «المدرسة الداخلية»، وكان خريجو هذه المدارس يلتحقون بمختلف وظائف الإدارة، ومنهم أيضا كان يتم اختيار المتفوقين والنابهين وإرسالهم فى بعثات خارجية على نفقة الدولة أيضا لنقل الخبرات اللازمة لمشروعات تنمية البلاد ونهضتها.
ولقد فتحت هذه المجانية فى التعليم الفرصة أمام أبناء مصر للتعلم تعليما اختلف عن التعليم فى الكتاتيب الذى ظل سائدا لقرون طويلة والذى كان قوامه العلوم الدينية «الشرعية» واللغة العربية والحساب.
وكان الفرق بين تلميذ وآخر يكمن فى الفروق الفردية بين الناس إذ كان البعض لا يكمل تعليمه ويخرج إلى العمل المهنى والحرفى، والبعض ينهى دراسته بالكاد دون تفوق ملحوظ، والبعض ينهى دراسته بتفوق ويصبح علما بين أقرانه، وهكذا اختلفت الخبرات بين الناس ومن ثم اختلفت وظائفهم، واختلفوا تبعا لذلك فى الرواتب وكذا فى المكانة الاجتماعية ووسائل المعيشة. لكن الأصل فى هذه الاختلافات لم يكن بسبب اختلاف الثروة بين فقير وغنى، إنما كان بسبب اختلاف القدرات الذهنية بين تلميذ وآخر ومدى الاستعداد لتلقى المعارف والعلوم والقدرة على الفهم والمتابعة. وكانت المجانية هى قاعدة تكافؤ الفرص أمام الجميع، أما اختلاف الخبرات فيعود إلى اختلاف القدرات بين الناس. وإلى هذه السياسة التى وضعها محمد على باشا فى مجانية التعليم نشأت الطبقة الوسطى فى مصر التى ضمت الفنيين والمهنيين والموظفين وهم فى الأصل أبناء عامة الفلاحين فى الريف والعمال فى المدن.
وظل التعليم المجانى القاعدة المعمول بها حتى وقعت مصر تحت الاحتلال البريطانى «1882» حيث بدأت السياسة البريطانية فى فرض رسوم مالية على التعليم من أول مراحله «الابتدائية» إلى البكالوريا «الثانوية العامة» وفى المدارس العليا «الكليات الجامعية ابتداء من إنشاء الجامعة المصرية فى عام 1908». ومع فرض الرسوم المالية فى التعليم للحصول على الخبرات اللازمة لممارسة العمل فى مختلف المجالات أصبح التعليم طبقيا.. أى أن من لديه قدرة مالية يستطيع اكتساب الخبرة اللازمة للعمل والحصول على الأجر المناسب حتى ولو لم يكن من النابهين أو القادرين على اكتساب المعرفة. ومن لا يستطيع دفع الرسوم المالية المقررة يتجه إلى العمل فى أى حرفة من الحرف فى الدكاكين أو الورش الصغيرة أو العمل فى الخدمات، بصرف النظر عن أن الجمعيات الأهلية التى بدأت تنتشر فى مصر مع نهاية القرن التاسع عشر مثل الجمعية الخيرية الإسلامية وجمعية التوفيق القبطية وجمعية المساعى المشكورة.. إلخ، كانت تخصص نسبة 8% من مجمل التلاميذ الملتحقين بمدارسها بالمجان لأولاد الفقراء وهى نسبة ضئيلة جدا بالنسبة لعدد الفقراء والمعوزين والمحتاجين.
وعلى هذا أخذت القسمات الطبقية فى مصر تأخذ شكلا حادا وخسرت البلاد الكثير من أصحاب المواهب والقدرة الذهنية الفائقة الذين حال فقرهم دون الانتظام فى سلك التعليم العام.
وأكثر من هذا أن الأغنياء كانوا يعملون على سد السبل أمام أبناء الفقراء للحصول على أدنى درجة من درجات التعلم ألا وهى التعليم الإلزامى لأولاد الفلاحين «محو الأمية الآن». ففى عام 1933 وعلى سبيل المثال ناقش مجلس النواب مشروعاً لزيادة ميزانية التعليم الإلزامى لأبناء الفلاحين لمواجهة زيادة عددهم، فاعترض الأغنياء فى المجلس على تعليم أولاد الفلاحين لأن تعليمهم سوف يغير من طبيعتهم الخشنة وسوف يجعلهم مع مرور الأيام يستنكفون من مهنة آبائهم.
ولاشك أن هذه الحالة الطبقية من التعليم التى سادت بفعل الرسوم المالية العالية وحرمان أولاد الفقراء، كانت وراء صرخة طه حسين وزير المعارف فى حكومة الوفد «يناير 1950 - يناير 1952» حين قال: التعليم كالماء والهواء حق لكل إنسان. وأسرعت حكومة الوفد فى تقرير مجانية جزئية فى المرحلة الابتدائية برسوم ضئيلة فى متناول محدودى الدخل.
فلما قامت ثورة يوليو 1952 استمرت فى تقرير مجانية التعليم فى المرحلة الابتدائية ثم أخذت فى تعميم المجانية تدريجيا فى مختلف مراحل التعليم، حتى أصبحت مجانية التعليم كاملة ابتداء من عام 1962وكان هذا يتفق مع الأخذ بالنظام الاشتراكى الذى يسعى لتحقيق العدالة الاجتماعية، أى العودة لتحمل الدولة نفقات التعليم لاكتشاف الخبرات وإعطاء الفرصة لأصحاب المواهب لصقل موهبتهم من أجل خير المجتمع وفائدته.
ولم يكن التعليم المجانى يعنى مجانية تامة إنما برسوم ضئيلة جدا فى متناول الجميع كمصروفات إدارية. ومع ذلك لم يكن كل الصبية الذين يبلغون سن الالتحاق بالتعليم يستكملون مراحل التعليم المختلفة من الابتدائى إلى الجامعة، بل كان منهم من يخرج من التعليم فى أى مرحلة من مراحله إلى مجال العمل فى أى مهنة أو حرفة نظرا لعدم استعداده ذهنيا للتعلم أو بسبب ظروف عائلية استثنائية مثل وفاة الأب ومن ثم الاضطرار لترك المدرسة والعمل فى أى حرفة أو مهنة لمواجهة أعباء الحياة. ولم يكن عدم إتمام التعليم فى هذه الحالة بسبب عدم القدرة على دفع رسوم مالية عالية، لأن الأصل أن قاعدة تكافؤ الفرص فى التعليم المجانى متاحة للجميع، واختلاف الخبرة ومن ثم اختلاف المستوى الاجتماعى يعود بالتأكيد إلى عدم الاستعداد الذهنى وليس لعدم توافر المال.
ومع مجانية التعليم على ذلك النحو وضعت دولة يوليو قاعدة أخرى لتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص تمثلت فى تنظيم الالتحاق بالجامعة من خلال مكتب عام للتنسيق للالتحاق بالكليات الجامعية حسب المجموع الكلى للدرجات فى الثانوية العامة تحقيقا للعدالة والقضاء على التمييز الطبقى. وأتذكر أن أستاذا شهيرا فى كلية الطب قال لى فى عام 2001 وكنا نناقش سياسة التعليم إنه من أسرة متواضعة ولولا مكتب التنسيق ما التحق بكلية الطب.
وبسبب دور الدولة فى التعليم بالمجان الذى أتاحته ثورة يوليو فى كل مراحل التعليم بما فى ذلك الجامعة وتوظيف الخريجين، أصبح التعليم وسيلة للحراك الاجتماعى لأبناء المجتمع من حيث الانتقال من حال إلى حال فضلا عن إتاحة الفرصة للمتعلمين كل فى مجاله فى العمل على تنمية المجتمع واستفادة الدولة بهم فى مشروعات النهضة والعمران وما يترتب على هذا من تماسك اجتماعى وارتباط بالدولة التى تنفق عليهم من أجل رخاء الجميع.
ولما بدأت الدولة منذ عهد الرئيس السادات الأخذ بسياسة الانفتاح ابتداء من منتصف عام 1974 وتطبيق آليات نظام الاقتصاد الحر وما ترتب عليه من نظام الخصخصة كما هو معروف، بدأت الدولة تفكر فى التخلى عن دورها فى تحمل أعباء نفقات التعليم المجانى فبدأت تشجع افتتاح الجامعات الخاصة برسوم عالية لا يقدر عليها إلا الأغنياء والقادرون بأى وسيلة من الوسائل. وبدأت سياسة الالتفاف حول مجانية التعليم الحكومى بفرض رسوم بأى شكل من الأشكال وإيجاد تسميات جديدة وغريبة وغير متداولة لنظم تعليمية مثل «الانتساب الموجه»، و«التعليم الموازى»، و«التعليم المفتوح» برسوم عالية جدا. وأكثر من هذا بدأ الحديث عن أن مجانية التعليم هى المسئولة عن هبوط مستوى التعليم وهذا أمر غير حقيقى وإنما هو محض ادعاء للقضاء على دور الدولة فى إتاحة فرصة التعليم للجميع.
مؤرخ وعميد كلية الآداب بحلوان «سابقا»


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.