بمجرد أن مرر الكونجرس الأمريكى مشروع قانون «العدالة ضد رعاة الإرهاب»، تسابق المحللون السياسيون فى مختلف المنابر العربية، خاصة السنية منها، إلى الدفاع عن المملكة العربية السعودية، كون القانون يطال 15 ممن يحملون جنسيتها، فهل سيصدر القانون فعلا وتجعل أمريكا من نفسها محكمة لها صلاحية مطاردة حكومات أى دولة فى العالم، أم أن أوباما سيستخدم حق الفيتو وينقذ السياسية الأمريكية من أشد ابتكاراتها تهورا؟ أعضاء بمجلسى الشيوخ والنواب يزعمون وجود تقرير فى البيت الأبيض، ورد فيه أن ثلاث شخصيات سعودية وصفها التقرير بالمهمة، متورطة فى هجمات 11 سبتمبر، بينما القانون يفصح بوضوح عن أنه يمكن الولاياتالمتحدة من ملاحقة حكومات الدول، ما يدعو إلى التساؤل عن الشكل الذى سيبدو عليه العالم والحال هكذا. السعودية، التى قال المحللون إن إيران تقف وراء استهدافها بقانون الملاحقة الأمريكى، تحتفظ مع الولاياتالمتحدة، بعلاقات قوية على المستويين الاقتصادى والسياسى، من خلال تنفيذ بعض المهام المتعلقة بالشرق الأوسط، وهو ما يجعل من المستبعد أن تسمح الإدارة الأمريكية بإنفاذ القانون حرصا على علاقتها بالمملكة، فقد أكد السيناتور الديمقراطى بوب جراهام، والنائب الجمهورى بورتر جوس، مع مجموعة من أعضاء الكونجرس، أن تقرير البيت الأبيض يحتوى وثائق تثبت تورط حكومتها فى الهجمات، إذ إن تحريات المباحث الفيدرالية رصدت اتصالات بين عناصر حكومية وأخرى من العائلة المالكة، وبين أعضاء تنظيم القاعدة الإرهابى الذين نفذوا تفجير برج التجارة العالمى بنيويورك عام 2001. النائبان جراهام وجوس، يقودان حملة تطالب الرئيس الأمريكى باراك أوباما بالكشف رسميا عن صفحات التقرير السرية التى تدين شخصيات سعودية وتضعها تحت طائلة مشروع قانون الملاحقة، كما صرحا بأن الرئيس السابق جورج بوش تلقى هذا التقرير من المباحث الفيدرالية، ولم يفصح عنه وقتها، حرصا على عدم إفساد العلاقات القوية بين واشنطنوالرياض. وهناك علاقات تاريخية جمعت بين البلدين بداية بالاجتماع الشهير لمؤسس المملكة الملك عبد العزيز ، مع الرئيس الأمريكى وقتها فرانكلين روزفلت، الذى أكد أن التعاون بين البلدين فى تصاعد مستمر، ومن ساعتها وقعت السعودية والولاياتالمتحدة سلسلة من الاتفاقيات التعاونية فى عدة ميادين، منذ مرحلة اكتشاف النفط فى الأراضى السعودية وحتى تحقيق سلسلة من التعاونات بين البلدين فيما بعد فى إطار من الشراكة، والتزمت واشنطن بمواصلة تعاونها الوثيق مع الرياض حتى اليوم. وقد أعلن الرئيس باراك أوباما، الذى يقضى أيامه الأخيرة فى البيت الأبيض بعد ولايتين متتاليتين، أنه لن يقبل بإقرار قانون «العدالة ضد الإرهاب» بهذه الصيغة، وأنه سيستخدم حق النقض (فيتو) ضد القانون الذى يسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر بمقاضاة السعودية، أو أى من الدول الأخرى، ومطالبتها بتعويضات، وهو ما علق عليه المتحدث باسم الرئاسة الأمريكية جوش إرنست، بأن رفض أوباما للقانون لا ينبع فقط من حرص واشنطن على عدم توتير علاقاتها مع دولة واحدة، بل لأنه يعرض مصالح الولاياتالمتحدة فى العالم أجمع للخطر، مشيرا إلى أن القانون يتعارض مع مبدأ الحصانة السيادية التى تتمتع بها الدول، ومساس الولاياتالمتحدة بهذا المبدأ يجعلها عرضة للملاحقة القضائية فى العالم بأكمله، فهو يضع العسكريين والدبلوماسيين الأمريكيين فى الخارج فى وضع حساس، إذ تسقط عنهم الحصانة التى يتمتعون بها حاليا ويجيز تاليا مقاضاتهم. لكن بحسب تحليل لموقع «فرانس 24» فإنه حتى إذا استخدم أوباما الفيتو فإن هذا لا يعنى تلقائيا أن القانون لن يرى النور، إذ يمكن للكونجرس أن يتخطى الفيتو الرئاسى ويصدر القانون إذا ما أقره مجلسا الشيوخ والنواب مجددا، بأغلبية الثلثين هذه المرة، وهو أمر ليس مستبعدا فى ظل هيمنة الجمهوريين على المجلسين، وإذا ما تحقق هذا السيناريو وانكسر الفيتو الرئاسى، يكون أوباما قد منى بانتكاسة كبيرة فى الأشهر الأخيرة من عهده، إذ لم يسبق لأى من الفيتوات العشرة التى استخدمها خلال ولايتيه الرئاسيتين، أن سقط بتصويت مضاد. هذه التخوفات، دفعت دول مجلس التعاون الخليجى، وغيرها من دول المنطقة، إلى التحذير من مخاطر هذا القانون، وقال الأمين العام للمجلس عبد اللطيف الزيانى فى بيان، إن «دول المجلس تعتبر هذا التشريع الأمريكى متعارضا مع أسس ومبادئ العلاقات بين الدول، ومبدأ الحصانة السيادية التى تتمتع بها الدول»، وهو المعنى الذى حملته بيانات منفردة من دول سنية بالمنطقة. وفى مرحلة مبكرة عند تقديم مشروع القانون إلى الكونجرس، فى مايو الماضى، استبقت السعودية بالتحذير من مغبة تمريره وقالت على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير، إن ذلك من شأنه أن ينال من ثقة المستثمرين من مختلف أنحاء العالم فى الولاياتالمتحدة، كما أنه يحول العالم من القانون الدولى إلى «قانون الغاب»، وهو ما بلورته صحيفة «نيويورك تايمز» بقولها إن «حكومة الرياض هددت ببيع أصول بقيمة تصل إلى 750 مليار دولار إذا ما أقر الكونجرس الأمريكى مشروع قرار ينزع الحصانة من الحكومات الأجنبية فى قضايا تتصل بهجوم إرهابى يقتل فيه أمريكى على أرض أمريكية». أصابع الاتهام السنية اتجهت إلى زعيمة الشيعة إيران، واعتبرتها جزءًا من مؤامرة لتمريره، فى إطار مكتسباتها من القبول بالاتفاق النووى مع القوى العظمى قبل فترة، وهى المكتسبات التى تحرص على الاستفادة منها إقليميا بتوجيه ضربة موجعة إلى المملكة، التى تمثل الطرف الثانى فى الصراع المذهبى بالشرق الأوسط. ويأتى تمرير هذا القانون بالتزامن مع موسم الحج، الذى شهد هذا العام تصعيدا كبيرا من ملالى إيران ضد مشايخ السعودية، بسبب تعامل الرياض مع الحجاج الشيعة الذين زعموا أنهم يتعرضون لاضطهاد فى الأراضى المقدسة، على خلفية الطقوس التى يمارسونها وفق مذهبهم، ويصر المنظمون السنة على منعهم منها، وللمرة الأولى يخرج المرجع الشيعى الأعلى فى إيران على خامنئى، ليندد ب«نظام آل سعود» ويتهمه بالتسبب عمدا فى قتل حجاج شيعة سقطوا ضمن ضحايا «حادث منى» العام الماضى، واتكأ على ذلك ليطالب عموم المسلمين بسحب إدارة الحج من المملكة، على أن تكون بالشراكة بين جميع حكومات الدول الإسلامية. وإذا كانت هذه الحملة الإيرانية، وفقا للتحليلات السنية، هى التى وضعت السعودية فى مقدمة المتضررين من القانون، فإن هناك تقارير أخرى تفيد بأن الطريق إلى 11 سبتمبر بدأ من طهران، حيث كان هناك تعاون بين الملالى وتنظيم القاعدة، حتى إن وزارة الخزانة الأمريكية أقرت عقوبات على 3 من قياديى القاعدة الذين يعيشون فى إيران، بسبب تمويلهم ودعمهم لعملاء إرهابيين بالشرق الأوسط، وهم فيصل جاسم محمد العمرى الخالدى ويسرى محمد إبراهيم بيومى وأبو بكر محمد جوماين، وكشفت لجنة تحقيق وجود أدلة قوية على أن إيران سهلت عبور أعضاء القاعدة لتنفيذ الهجمات فى 11 سبتمبر 2001، وأن عناصر من تنظيم القاعدة وحزب الله اللبنانى كانوا يتلقون تدريبات مشتركة فى إيران منذ تسعينيات القرن الماضى. الولاياتالمتحدة ربما تكون تستخدم هذا المشروع المثير للجدل، كورقة ضغط على الطرفين -السعودية وإيران- لإحكام قبضتها على موازين القوى فى الشرق الأوسط. ورغم ذلك، فإن محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران، كتب مقالا فى «نيويورك تايمز» يهاجم فيه السعودية تحت عنوان «دعونا نخلص العالم من الوهابية»، وقال فيه إن المملكة هى من تمول القاعدة وجبهة النصرة وغيرها من الجماعات الإرهابية، مضيفا أنه منذ الهجمات الإرهابية فى 11 سبتمبر 2001، خضع المتشددون الوهابيون لسلسلة من عمليات «شد الوجه»، لكن تحت نفس الأيديولوجية التى لا تزال كما هى سواء فى طالبان، أو تنظيم القاعدة أو داعش. وفى حين أن ظريف يقول هذا الكلام من منصة غربية كبيرة وهى «نيويورك تايمز»، فإنه استطرد: «جهود السعودية لإقناع الغرب لدعم سياساتها الضيقة، قائمة على أسس باطلة هدفها نشر المزيد من الفوضى فى العالم العربى بهدف توجيه ضربات للجمهورية الإسلامية الإيرانية»، متابعًا: «ما يتردد من أوهام بأن انعدام الاستقرار فى المنطقة قد يؤدى إلى احتواء إيران، أو أن العداء المزعوم بين الشيعة والسنة قد ينتهى بالصراع فى المنطقة، يعارض الحقيقة تمامًا».