أشعلت روسيا شرارة الحرب العالمية الثالثة بشنها ضربات جوية استهدفت مواقع للإرهابيين فى محافظات حماة وحمص واللاذقية، وبهذا يتأكد أن التدخل الروسى فى سوريا قد خرج من طور الأقوال إلى الأفعال، ومن إطلاق التصريحات وردود الأفعال إلى المشاركة فى العمليات الميدانية ليس فقط ضد تنظيم داعش، ولكن ضد المعارضة المسلحة المدعومة من دول إقليمية، ما ينبئ بفوضى تخلق مناخا مواتيا لحرب عالمية جديدة تنطلق من سوريا ولايعلم أحد كيف تنتهي، لكنها من المؤكد ستضيف إلى المشهد الدامى فى منطقة الشرق الأوسط مزيدا من مئات الآلاف من الضحايا واللاجئين والعودة بدول أخرى فى المنطقة إلى ما قبل المدنية. الموقف الروسى الفاعل والمبادر أربك الحسابات الأمريكية والغربية وجعلها غير قادرة على قراءة المشهد وهى التى اعتادت على التردد والتقاعس الروسى فى كافة المواقف والحروب التى شنتها أمريكا فى السابق ضد دول حليفة للاتحاد السوفيتى السابق ووريثته الحالية روسيا الاتحادية، مما ينبئ بتغير حاد فى المعادلات الدولية قد يرغم الولاياتالمتحدةالأمريكية على الانسحاب والتوارى من تصدر المشهد الدولى كقوة عظمى أدارت السياسة الدولية لنحو نصف قرن بغطرسة واستعلاء كرس الظلم والجور وعدم الإنصاف. لقد ظهر الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى الأممالمتحدة واثقا من مواقف وقدرات بلاده فى الوقت الذى بدا فيه الرئيس الأمريكى باراك أوباما شاحبا مترددا عاجزًا وهى صورة تجسد حالة قوتين، أمريكا المرهقة والمنهكة من جراء سياسات عشوائية باتت عاجزة عن الفعل أو حتى ردود الفعل، وروسيا المتعافية التى تعود إلى المشهد الدولى فى لحظة زمنية فارقة تقوقعت فيها أمريكا بعد أن باعت (دون ثمن) حلفاءها فى الشرق الأوسط لإيران حليفة روسيا التى فيما يبدو أن التنسيق بينهما عمل على استدراج الولاياتالمتحدةالأمريكية إلى صلح مع إيران يفقدها ثقة حلفائها العرب ثم تتدخل روسيا لملء الفراغ الأمريكى بإثبات قوة الدب الروسى فى مواجهة العجز الأمريكي. ومن جهتها صعدت السعودية فى مواجهة الأسد المدعوم بسلاح الجو الروسى على لسان وزير خارجيتها عادل الجبير التى تشن بلاده حربا فى اليمن ضد الحوثيين وأنصار المخلوع على عبد الله صالح والذى قال فى مؤتمر صحفى عقده على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك: على بشار الأسد أن يرحل أو أن يواجه خيارًا عسكريا، هذا الموقف السعودى المفاجئ إنما جاء نتيجة للتردد والتخاذل الأمريكى والاصطفاف الروسى القوى والفاعل بجانب النظام السوري، وقد سبق للسعودية أن أعلنت رفضها المشاركة مع روسيا التى طالما ناشدت بتأسيس تحالف دولى يتشكل من السعودية وتركيا والأردن وقطر لمحاربة داعش، ظنا من السعودية أن هذا الحلف ظاهره محاربة الإرهاب وداعش، وباطنه محاولة إنقاذ نظام الأسد، وهو ما اضطر روسيا لإعادة تشكيل حلف جديد يتكون منها وإيرانوسوريا والعراق. وقد أعربت المملكة العربية السعودية أمس أيضا على لسان مندوبها الدائم لدى الأممالمتحدة السفير عبدالله بن يحيى المُعَلِّمِى أمام مجلس الأمن عن قلقها البالغ جراء العمليات العسكرية التى قامت بها القوات الروسية فى سوريا وخلفت العديد من الضحايا الأبرياء، مطالبة بوقفها الفوري، فى حين أكدت أن محاولات الهيمنة والتدخل فى الشئون الداخلية للدول وإذكاء النزعات الطائفية مثل ما تفعله إيران فى العديد من دول المنطقة هى ممارسات أثبت التاريخ مأساويتها وأظهر الحاضر إخفاقها. وأكدت المملكة أن تحقيق الأمن والسلم فى سوريا يتطلب قيام تحالف عريض يتصدى لجذور المشكلة المتمثّلة فى استمرار النظام السورى وامتناعه عن الامتثال لبيان جنيف 1 الذى نص على إنشاء حكومة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية واسعة النطاق، مشيرة إلى أن بشار الأسد ونظامه لا يمكن أن يكون طرفاً فى أى حرب ضد الإرهاب؛ لأنه يمثل الإرهاب بعينه. الوضع الملتهب فى سوريا قد ينبئ بتطورات كبرى قد تتسع تأثيراتها لتطال الجوار الإقليمي، ويدخل المنطقة كلها فى أتون حرب سنكون نحن وقودها وضحاياها.