يعد الفنان التشكيلى الراحل زكريا الزينى (1932-1993) واحدًا من أهم الفنانين التشكيليين المصريين الذين قدموا إسهامات فنية تحمل خصوصية مصرية واضحة، وهو فنان موهوب له طابع مميز على الساحة الفنية المصرية الحديثة، ومن هنا تأتى أهمية معرض «مولد يا دنيا» بجاليرى سفرخان الذى يضم مجموعة من إبداعات الفنان الراحل، وهى مجموعة فنية متعددة ومتنوعة تكشف عن مهارته فى تصوير ونقل القضايا المختلفة من خلال تقنيات مميزة. ويتسم المعرض بأنه يتجاوز فكرة الموضوع الواحد إلى تصوير الحياة المصرية فى مختلف أشكالها، ولهذا نجد به موضوعات متنوعة كالسحر الأسود، والخرافات والممارسات الشعائرية غير الدينية التى تنتشر فى الطبقات الاجتماعية الأكثر فقرا فى مصر، والمناظر الطبيعية والبورتريهات والمرأة فى المجتمع الشرقى وما تتعرض له من الاضطهاد. وفى أعمال المعرض التى تتجاوز العشرين عملا يقدم الزينى لنا نافذة رائعة تكشف عن تمكنه كرسام من خلال الرسوم التوضيحية، والأشكال الهندسية وكذلك الكتل المحتشدة داخل اللوحات، وإطارات من التجريد والأشكال الغامضة والظلال التى مزجت مع كتلة الألوان لإنشاء تشكيلات فنية، وكذلك الأشكال البسيطة أو الشخصيات البشرية إلى الواقعية الشديدة فى البورتريه والمناظر الطبيعية. والمعروف أنه خلال المسيرة الفنية للفنان الزينى قدم مجموعة من المراحل الفنية منها مرحلة المولد والزار وطقوس الاحتفالات الشعبية، التى تأثر فيها بالسيدة زينب ذلك الحى الذى ولد ونشأ فيه، وهو ما جعله يحمل تراثا ضخما فوق كتفيه وهو ما أثر فى تكوينه الفنى فيما بعد، سواء فى مشروع تخرجه فى كلية الفنون الجميلة عام 1960 الذى كان عن مولد السيدة، أو فى تجربته الفنية ومنها رصده لعالم الزار الذى اقتحمه الزينى مسجلا بالاسكتشات ملامح وطقوس هذا العالم الملىء بالصور والتفاصيل ليختار إحدى علامات هذا الحدث، وهى العروسة التى أصبحت عنده الموديل التى تجتمع فيها شخصيات المجتمع، وله مرحلة مهمة هى النفايات التى سلط الضوء عليها فى الثمانينيات اعتراضا على حجم القمامة فى حياتنا باحثا عن الجمال فى القبح، وهناك مرحلة توابيت النساء المتحجرات مستفيدا من وجوه الشخوص فى الفن القبطى ومعبرا عن الجمال الأنثوى فى الشرق، وهناك مجموعة لوحات الزهور وهى ذات إشراق وجمال مكثف وذات لمسة شاعرية. • الجانب الفلسفى ويصل الزينى إلى الأقنعة - وهى كما يقول الناقد والفنان محمد الناصر- آخر مراحلة الفنية والتى اتخذ فيها الجانب الفلسفى، حيث لا ترى ولا تسمع ولا تتكلم ليرتفع القناع بواسطة عصا بلا حراك لا حول لها ولا قوة تلك الأقنعة وخيوط موضوعاته التى تربطه بجذوره فى المولد ليستلهم الأعلام التى يحملها الناس ويحولها إلى أشكال مستطيلة تميزها ألوانها من خلال علاقات بين الأشكال والألوان فى تصميمات محكمة وحسابات التكوين بنظرة فلسفية مفادها أن الناس داخل مساحة واحدة، ولكن كل فرد يعيش داخل المربع الخاص به وفى النهاية فالمساحة الكلية تحتوى هذه المربعات. • مفردات خاصة وزكريا الزينى - بحسب دكتورنا الراحل الفنان التشكيلى السيد القماش فى قراءة له فى أعمال الزينى- هو واحد من المصورين الذين ينهلون من الطبيعة كمصدر فنى، لكن بعد أن تتحول الأشكال والعناصر والألوان داخل معمله الخاص بالرؤية، حيث يتبلور فيها الحس الصادق والأداء العالى والوعى بحركة المجتمع والتطور إلى مفردات خاصة يؤلف منها أعماله مؤكدا أنه- أى الزينى - لم يكن هدفه تسجيل الواقع لونيا وخطيا، بل كان يعمد إلى خلق حوار متوازن بين الشكل والمعنى مستلهما فى جانب كبير من تلك الأعمال الواقع الشعبى وهو مصور يعشق اللون والفرشاة ويجيد التعامل والجمع بينهما. وجدير بالذكر أن الزينى تقلد عدة مناصب منها أستاذ ورئيس قسم التصوير الأسبق بكلية الفنون الجميلة - جامعة حلوان، وكيل كلية الفنون الجميلة الأسبق لشئون التعليم والطلاب، عمل كرئيس لقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة بالمنيا بالانتداب، وهو حاصل على دبلوم كلية الفنون الجميلة بالقاهرة قسم التصوير 1960، دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة بفينيسيا قسم التصوير 1964، دبلوم أكاديمية الفنون الجميلة برافنا قسم التصوير جدارى 1966، ومثّل مصر فى العديد من المعارض الدولية، وحصل على الجائزة الأولى (تصوير) بينالى الإسكندرية 1991، ورحل عن عالمنا فى العام 1993، وله ابنتان وولد.•