لأنها عاصمة وحاضنة العرب فقد أتاحت القاهرة لعشرات من أبناء البلدان العربية أن يتألقوا فيها فليس من مثقف أو فنان إلا ويجد لزاما عليه أن ينهل من مباركة الوطن الذي أسس الحضارة ونشر النور وفي أرضه بزغ فجر الضمير ليست صدفة استثنائية أن يتحول جرجي زيدان إلي واحد من دعائم الثقافة المصرية والعربية وأن يؤسس دار الهلال سنة 1892 تلك المؤسسة الشامخة التي تقترب من عامها العشرين بعد المائة وقدمت عبر رحلتها الطويلة عشرات الرموز والمواهب التي أثرت الحياة الثقافية والصحفية المصرية. ولد جرجي زيدان في الرابع عشر من ديسمبر سنة 1861 وهاجر من لبنان إلي القاهرة بحثا عن المناخ الصحي الذي يدعم طموحاته ولقد أنتج الرائد الكبير مؤلفات جليلة ذات شأن تنم عن ثقافته التاريخية الرفيعة ولعل الأشهر منها حيث تتكرر الطبعات بلا توقف تلك السلسلة الممتعة من الروايات التي تتناول تاريخ الإسلام لا تخلو هذه الروايات من ملاحظات فنية ومآخذ فكرية لكن المشروع في مجمله يمثل إضافة بالغة الأهمية وبخاصة عند النظر إلي طبيعة الثقافة السائدة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. لم يكن جرجي زيدان مصريا، لكنه اندمج في نسيج الحياة المصرية وتحول إلي علامة ثقافية بارزة كالعهد بها دائما، تتسع القاهرة لاحتضان كل موهبة أصيلة دون نظر إلي أوراق الهوية وموطن الميلاد من ناحية أخري فإن قدر مصر العظيمة أن تكون دائما في الموضع الذي يعبر عن مكانتها الشامخة ومثل الكبار جميعا لا تتأثر مصر بتفاهات الصغار وميلهم إلي التطاول، فهي تدرك أن مثل هذه الإفرازات نتيجة منطقية لأمراض العقل والروح. علي الذين يطالعون إصدارات دار الهلال الصحفية والثقافية أن يتذكروا دائما حقيقة أن منشئ هذه المؤسسة العملاقة رجل غذته مصر بتسامحها وكرمها وإيمانها الراسخ بأنها العاصمة الجامعة لمن يختلفون ويتشرذمون.