تمر هذه الأيام الذكرى الثالثة والسبعون على رحيل المفكر اللبنانى شكيب أرسلان «25 ديسمبر 1869 - 9 ديسمبر 1946»، كاتب وأديب ومفكر عربى لبنانى اشتهر بلقب أمير البيان وأديب الشرق الكبير.. والمفكر والمؤرخ والكاتب والمناضل العربى الكبير ؛ لغزارة إنتاجه اللغوى ونصاعة بيانه العربى.. وهو سليل عائلة عريقة جداً فى الشام ويمتد نسبه للعرب المناذرة ملوك الحيرة فى الجاهلية. شكيب بالفارسية تعنى «الصابر»، وأرسلان تعنى بالتركية والفارسية «الأسد». والدته شركسية الأصل. اهتم والده بتعليمه القراءة والكتابة ثم انتقل إلى مدرسة الحكمة وتعلّم على يديّ العلاّمة عبدالله البستاني. ومنها إلى مدرسة السلطانية التى كان يدرّس فيها الشيخ محمد عبده وانعقدت بينهما أواصر المودة والتواصل العلمي. وفى شبابه أدركته حرفة الأدب فنظم الشعر، وكتب المقالات، وطبع ديواناً بعنوان «الباكورة» وهو فى الثامنة عشرة من عمره، ولكنه سرعان ما انصرف إلى النثر بمختلف فنونه، فحقق بعض كتب التراث وترجم رواية «آخر بنى سراج» عن الفرنسية، وألف عدداً من الكتب عن الإسلام وحضارته منها: «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم» و«الحلل السندسية فى الأخبار والآثار الأندلسية» و«الارتسامات اللطاف فى خاطر الحاج إلى أقدس مطاف»، كما كتب هوامش وتعليقات مستفيضة على ترجمة كتاب: «حاضر العالم الإسلامى» لمؤلفه الأمريكى «ستوارد» وترجمة عجاج نويهض. ولد شكيب أرسلان فى الشويفات فى لبنان.. وكان ينتمى لطائفة الدروز... لكن كل حياته كانت متأثرة بروحانية الإسلام ومفاهيمه وأخلاقياته وكانت زوجته شركسية... دعا إلى وحدة المسلمين رفض الانضمام للثورة العربية الكبرى بقيادة حسين بن على معللاً ذلك بأن البلاد العربية سوف تغدو بعدها نهباً للدول الاستعمارية فرنسا وبريطانيا. أنتج الأمير شكيب أرسلان العديد من المؤلفات الرائعة.. وأهمها: الحلل السندسية فى الأخبار والآثار الأندلسية.. ولماذا تأخر المسلمون.. وقد قضى الأمير شكيب حياته متنقلاً فى بلدان العالم فسافر إلى أوربا وتنقل فيها وكتب فى جرائدها.. ثم عاد مع نهاية الحرب العالمية الثانية واستقلال لبنان وسوريا إلى وطنه لتوافيه المنية ويدفن فى مسقط رأسه.. رثاه مصطفى السباعى قائلاً : سلام عليك أبا غالب.. أمير البيان أمير القلم هتكت برأيك حجب الظلام... وثرت إباءً إذا الخطب عم وطوفت فى الأرض تبغى السلام... لقومك والحق ممن ظلم فخضت الغمار وصنت الذمار... وكنت الإمام وكنت العلم كان يجيد اللغة العربية والتركية والفرنسية والألمانية. التقى بالعديد من المفكرين والأدباء خلال سفراته العديدة مثل جمال الدين الأفغانى وأحمد شوقي. بعد عودته إلى لبنان، قام برحلاته المشهورة من لوزان بسويسرا إلى نابولى فى إيطاليا إلى بورسعيد فى مصر واجتاز قناة السويس والبحر الأحمر إلى جدة ثم مكة وسجل فى هذه الرحلة كل ما رآه وقابله. من أشهر كتبه «لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟»، و«خلاصة تاريخ الأندلس»، و»تاريخ غزوات العرب»، وغيرها. ولقد لقب بأمير البيان لغزارة كتاباته، ويعتبر واحداً من كبار المفكرين ودعاة الوحدة الإسلامية والوحدة والثقافة. لا يزال السؤال الذى طرحه أمير البيان شكيب أرسلان (1869-1949) فى العام 1930 يرنّ فى العالم العربى والإسلامي: «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدّم غيرهم؟»، واضعاً يده على الجرح، أى إشكالية التخلّف والتقدّم فى عالمنا. أصدر فى برلين مجلة عربية باسم لواء «الإسلام ورأس المؤتمر الإسلامى فى أوروبا»، كما ساهم فى تأسيس المعهد الإسلامى فى برلين عام 1927، كما أسس مجلة شهرية بالفرنسية باسم الأمة العربية عام1930م. كان شكيب أرسلان صريحاً يعترف بالواقع المزرى المتمثل بالشقاق بين المسلمين فكتب كتابه: (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟)، وقد ذكر رشيد رضا سبب تأليف شكيب أرسلان لهذا الكتاب فقال: كتب إلى تلميذى المرشد الشيخ محمد بسيونى عمران إمام مهراجا جزيرة سمبس برنيو (جاوة) كتاباً يقترح فيه أمير البيان أن يكتب للمنار مقالاً بقلمه السيال فى أسباب ضعف المسلمين فى هذا العصر وأسباب قوة الإفرنج واليابان وعزتهم بالملك والسيادة والقوة والثروة، وأراد الرجل أن يكتب الأمير فى هذا الباب للتأثير فى نفوس المسلمين بما يناسب حالهم الآن لتنبيه غافلهم وتعليم جاهلهم وتحريك خاملهم وتنشيط عاملهم فلما عاد الأمير شكيب من رحلته فى إسبانيا كتب رسالته فكانت آية من آيات البلاغة ارتفع بها إلى مستوى العالم المصلح الكبير. ومن أعظم أسباب انحطاط المسلمين فى نظر شكيب هو فقدانهم كل ثقة بأنفسهم كما خلص فى ختام كتابه إلى دعوة المسلمين لينهضوا أو يتقدموا ويجاهدوا بالمال والأنفس وأن يرتقوا كما ترقى غيرهم فهم رجال كما أن أولئك رجال ويجب أن يبتعدوا عن التشاؤم والاستخذاء وانقطاع الآمال. كان شكيب أرسلان صاحب فكر إسلامى مستنير يعتد بالنموذج الأول للتطبيق الإسلامى فى عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، ويدعو إلى الوحدة والتكاتف والتعاون كأسس للنهوض والعودة إلى عظمة الماضى، وقد انتقل إلى جنيف حيث عاش آخر حياته ولفظ أنفاسه الأخيرة ليلة الاثنين 9 من ديسمبر 1946م بعد حياة حافلة بالدفاع عن الإسلام وبحث أسباب تخلف المسلمين وعلاج هذا التخلف حتى يمكنهم تقدم ركب الحضارة الإنسانية. هو كاتب وسياسى، عاش عصره كما يليق بعَلَم نهضوى إصلاحى وأحد الدعاة الكبار للوحدة الإسلامية والعربية التى أساسها وحدة الثقافة، اليوم فى ذكرى مرور 73 عامًا على رحيله لا تزال أفكاره تحمل الكثير من الحيوية والحضور والقابلية والانسجام مع القناعات والمبادئ والصدق مع النفس والآخرين والإخلاص للبلاد وأهلها.