الدفاع السعودية: اعتراض 4 مسيرات أطلقت باتجاه حقل الشيبة النفطي    10 سنوات.. «بالورقة والقلم» يحتفل بمسيرة تناولت أخطر ملفات مصر والمنطقة    وزيرة التضامن تشهد الإطلاق الرسمي لمؤسسة النادي الأهلي للتنمية المجتمعية    إن بي سي نيوز: ترامب ناقش فكرة نشر قوات برية في إيران مع مساعديه ومسؤولين من الحزب الجمهوري    الداخلية البحرينية: إطلاق صفارات الإنذار ونرجو من المواطنين والمقيمين الهدوء والتوجه لأقرب مكان آمن    القاهرة الإخبارية: عناصر حزب الله تستهدف طائرات إسرائيلية    زيارة كوندوليزا رايس للبيت الأبيض تُثير جدلًا حول استراتيجية ترامب تجاه إيران    كرة طائرة - انتصار سيدات الأهلي والزمالك في بداية الدور النهائي للدوري المصري    سلوت: من المهم أن يسجل صلاح الأهداف دائما.. ومحبط من مباراة ولفرهامبتون    بيطري الغربية يضبط لحوم مذبوحة خارج المجازر و570 كيلو دهون قبل بيعها للمطاعم    ألفت عمر: ردود أفعال «على كلاى» فاقت توقعاتى    "الكحلاوي" يصدح بالمديح النبوي في الليلة السابعة ل "هل هلالك 10".. صور    مسلسل نون النسوة الحلقة 3، مي كساب تتورط في جريمة قتل وتتعرض للابتزاز من طليقها    منتخب الناشئين 2009 يتعادل وديا مع شباب النصر    دوري المحترفين – القناة يقترب أكثر من الكبار.. وإغماء بعد الاحتفال بهدف بروكسي    مؤشرات: اعادة علي مركز النقيب العام بين ضاحي وعبدالغني.. والكفراوي رئيسًا لنقابة مهندسي القاهرة    رويترز: غارات جوية كثيفة تستهدف مطار مهرآباد في طهران    ضبط المتهم بإطلاق النار على عامل داخل محطة معالجة مياه بالقطامية    تموين الإسكندرية يشن حملة موسعة على مستودعات البوتاجاز والأسواق    ضبط 3 متهمين سرقوا توك توك بكفر الشيخ بعد تهديد صاحبه و رَش عليه شطة    مصرع سيدة مسنة فى حادث قطار بمحافظة البحيرة    وزير الخزانة الأمريكي: إمدادات النفط العالمية مستقرة وقد نرفع العقوبات عن النفط الروسي    مصر للطيران تنفي شائعات رفع أسعار تذاكر عودة المصريين من الخليج    محافظ سوهاج: ضخ 150 ألف أسطوانة بوتاجاز إضافية في سوهاج لمواجهة السوق السوداء    عمرو جلال يكتب: حرب النبوءات    "درش" الحلقة 17.. مفاجأة في الأحداث بعد مواجهة زوجات مصطفى شعبان    محمد حاتم بطل مسلسل عرض وطلب: وجود أمى يشعرني بالأمان    حكم دخول الماء للجوف أثناء الاستنجاء؟.. هل يفسد الصيام؟    تشييع جثمان شاب توفى خلال صلاة الجمعة بمسجد بكفر الشيخ    هل تسقط كفارة الصيام بعدم الاستطاعة؟.. المفتي يوضح    علي جمعة: المراهم والكريمات ولصقة النيكوتين لا تفطر الصائم    الوقاية من الأنيميا و تقوية جهاز المناعة.. فوائد الفراولة للأطفال    نظام غذائي صحي للطفل الرياضي في رمضان    فالفيردي يخطف فوزا قاتلا لريال مدريد أمام سيلتا فيجو بالليجا    إصابة 3 جنود من اليونيفيل في عملية استهداف قاعدة أممية جنوبي لبنان    سعر الذهب اليوم الجمعة 6 مارس 2026 في مصر    " ابو زيد " عقب خسارته لمقغد نقيب المهندسين بقنا: مكناش بنكسب منها علشان نزعل عليها"    أصحاب الأرض.. قوة الفن ورسالة وطن شكرا المتحدة    انتظروا لقاء الفنان ياسر جلال على تليفزيون اليوم السابع مع حنان شومان    القيادة المركزية الأمريكية: استهدفنا 43 سفينة إيرانية و أكثر من 3000 هدف    زلزال اليوم.. تفاصيل الهزة الأرضية شمال رشيد قوتها 4.7 ريختر    الزمالك يهزم الاتحاد السكندري ويصل للفوز الثامن على التوالي    العثور على جثة شاب عمره 20 عامًا داخل مسكنه غرب الإسكندرية    رقمان مميزان للزمالك بعد الفوز على الاتحاد السكندري    وزراء الرياضة والتموين والتضامن يشاركون بحفل إطلاق مؤسسة الأهلى للتنمية المجتمعية    طالب أزهري.. أحمد الجوهري يخطف القلوب في التراويح بالجامع الأزهر    الوفد : كلمة الرئيس بالأكاديمية العسكرية نموذج للرؤية الاستراتيجية لبناء الدولة والمواطن    مصرع عنصر جنائى أطلق النار على عامل بمحطة معالجة مياه فى القطامية    طريقة عمل الغريبة الناعمة بالفستق بمقادير مضبوطة    الشباب والرياضة بالإسكندرية تنفذ مبادرة "الأسرة السكندرية بين الرياضة والثقافة" بمركز شباب العمراوي    "القومي للبحوث" يقدم الدليل الكامل ل مائدة رمضانية آمنة وخالية من المخاطر الصحية    وزير البترول: برنامج لتعظيم الاستفادة من موارد حقل ظهر بالتعاون مع شركاء الاستثمار    جامعة المنوفية تشارك بوفد طلابي في ملتقى «قيم» وتطرح مبادرة «مهاراتك أمان لبكره»    مجلس الوزراء يستعرض بالإنفوجراف أبرز أنشطة رئيس الحكومة هذا الأسبوع    تأجيل عمومية الصحفيين لعقد الاجتماع العادى ل20 مارس لعدم اكتمال النصاب    الصحة: اعتماد أول مستشفى تابع للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان من GAHAR    أسعار البيض اليوم الجمعة 6 مارس 2026    النقل تحذر المواطنين من اقتحام مزلقانات القطارات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تفسير الشعراوي للآية 35 من سورة البقرة
نشر في مصراوي يوم 24 - 09 - 2014

بعد أن خلق الله سبحانه وتعالى آدم وأمر الملائكة أن تسجد له وحدث كفر إبليس ومعصيته أراد الله جل جلاله أن يمارس آدم مهمته على الأرض. ولكنه قبل أن يمارس مهمته أدخله الله في تجربة عملية عن المنهج الذي سيتبعه الإنسان في الأرض، وعن الغواية التي سيتعرض لها من إبليس. فالله سبحانه وتعالى رحمة منه لم يشأ أن يبدأ آدم مهمته في الوجود على أساس نظري، لأن هناك فرقا بين الكلام النظري والتجربة.
قد يقال لك شيء وتوافق عليه من الناحية النظرية ولكن عندما يأتي الفعل فإنك لا تفعل شيئا. إذن فالفترة التي عاش فيها آدم في الجنة كانت تطبيقا عمليا لمنهج العبودية، حتى إذا ما خرج إلى مهمته لم يخرج بمبدأ نظري، بل خرج بمنهج عملي تعرض فيه لا فعل ولا تفعل. والحلال والحرام، وإغواء الشيطان والمعصية. ثم بعد ذلك يتعلم كيف يتوب ويستغفر ويعود إلى الله. وليعرف بنو آدم أن الله لا يغلق بابه في وجه العاصي، وإنما يفتح له باب التوبة. والله سبحانه وتعالى أسكن آدم الجنة. وبعض الناس يقول: أنها جنة الخلد التي سيدخل فيها المؤمنون في الآخرة. وبعضهم قال: لولا أن آدم عصى لكنا نعيش في الجنة. نقول لهم لا.. جنة الآخرة هي للآخرة ولا يعيش فيها إنسان فترة من الوقت ثم بعد ذلك يطرد منها بل هي كما أخبرنا الله تعالى جنة الخلد.. كل من دخلها عاش في نعيم أبدي.
إذن فما هي الجنة التي عاش فيها آدم وحواء؟ هذه الجنة هي جنة التجربة أو المكان الذي تمت فيه تجربة تطبيق المنهج. ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم نجد أن الحق سبحانه وتعالى قد أطلق لفظ الجنة على جنات الأرض. والجنة تأتي من لفظ (جن) وهو الستر، ذلك أن فيها أشجارا كثيفة تستر من يعيش فيها فلا يراه أحد. وفيها ثمرات تعطيه استمرار الحياة فلا يحتاج إلى أن يخرج منها. ونجد في القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلاَ يَسْتَثْنُونَ}.. [القلم: 17-18].
وهذه قصة الأخوة الذين كانوا يملكون جنة من جنان الأرض فمنعوا حق الفقير والمسكين واليتيم، فذهب الله بثمر الجنة كلها وأحرق أشجارها. وهناك في سورة الكهف قصة صاحب الجنتين: في قوله تعالى: {واضرب لهُمْ مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}.. [الكهف: 32].
وهي قصة ذلك الرجل الذي أعطاه الله جنتين.. فبدلا من أن يشكر الله تعالى على نعمه.. كفر وأنكر البعث والحساب. وفي سورة سبأ اقرأ قوله تعالى عن أهل سبأ الذين هداهم الله وبين لهم الطريق المستقيم ولكنهم فضلوا الكفر.
واقرأ قوله تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ واشكروا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العرم وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ ذلك جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نجازي إِلاَّ الكفور}.. [سبأ: 15-17].
وهكذا نرى أن الحق سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قد أطلق لفظ الجنة على جنات الدنيا، ولم يقصره على جنة الآخرة.
إذن فآدم حين قال له الله سبحانه وتعالى: {اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة}.. [الأعراف: 19].
فهي ليست جنة الخلد وإنما هي جنة سيمارس فيها تجربة تطبيق المنهج. ولذلك لا يقال: كيف دخل إبليس الجنة بعد أن عصى وكفر، لأن هذه ليست جنة الخلد ولابد أن تنتبه إلى ذلك جيدا حتى لا يقال أن معصية آدم هي التي أخرجت البشر من الجنة. لأن الله تعالى قبل أن يخلق آدم حدد مهمته فقال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً}.. [البقرة: 30].
فآدم مخلوق للخلافة في الأرض ومن صلح من ذريته يدخل جنة الخلد في الآخرة، ومن دخل جنة الخلد عاش في النعيم خالدا.
والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا} فالله سبحانه وتعالى أمد الجنة التي سكنها آدم وحواء بكل ما يضمن استمرار حياتهما، تماما كما خلق كل النعم التي تضمن استمرار حياة آدم وذريته في الأرض قبل أن تبدأ الحياة البشرية على الأرض. فالله سبحانه وتعالى له عطاء ربوبية فهو الذي خلق. وهو الذي أوجد من عدم، ولذلك فقد ضمن لخلقه ما يعطيهم استمرار الحياة على الأرض من ماء وهواء وطعام ونعم لا تعد ولا تحصى فكأن الله تعالى قد أمد الجنة التي سكن فيها آدم وزوجته بكل عوامل استمرار حياتهما قبل أن يسكناها. كما أمد الأرض بكل وسائل استمرار حياة الإنسان قبل أن ينزل آدم إليها. إذن فقوله تعالى: {يَآءَادَمُ اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة}.
هذه فترة التدريب على تطبيق المنهج. والسكن هو المكان الذي يرتاح فيه الإنسان ويرجع إليه دائما. فأنت قد تسافر فترات، وكل الدول التي تمر بها خلال سفرك لا تعتبر سكنا إلى أن تعود إلى بيتك، فهذا هو السكن والرجل يكد ويتعب في الحياة وأينما ذهب فإنه يعود مرة أخرى إلى المكان الذي يسكنه ليستريح فيه.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} هو استكمال للمنهج. فهناك أمر ونهي افعل ولا تفعل: {اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجنة} أمر: {وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً} أمر، {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} نهي وهذا أول منهج يعلم الإنسان الطاعة لله سبحانه وتعالى والامتناع عما نهى عنه، وكل رسائل السماء ومناهج الله في الأرض أمر ونهي.
افعل كذا ولا تفعل كذا.
وهكذا فإن الحق سبحانه وتعالى ضمن لآدم الحياة، وليست الحياة فقط ولكن رغدا. أي مباحا وبلا تعب وعن سعة وبدون مشقة. كما أننا نلاحظ هنا أن المباح كثير والممنوع قليل. فكل ما في الجنة من الطعام والشراب مباح لآدم، ولا قيد إلا على شيء واحد.. شجرة واحدة من بين ألوف الأشجار التي كانت موجودة في الجنة.. شجرة واحدة فقط هي الممنوعة.
وإذا نظرت إلى منهج السماء إلى الأرض تجد أن الله سبحانه وتعالى قد أباح فيه نعما لا تحصى ولا تعد وقيد فيه أقل القليل.. فالذي نهانا الله عنه بالنسبة لنعم الأرض هو أقل القليل، كما كان في جنة آدم شجرة واحدة والمباح بعد ذلك كثير. وإذا أخذنا ألفاظ العبارات نجد أن الله سبحانه وتعالى ساعة يقول: {وقُلْنَا يَآءَادَمُ} أتى بضمير (ن) ضمير الجمع، لأن الله واحد أحد، ولكنهم يسمونها: نون الكبرياء ونون العظمة.
إذن فكل حدث يأتي فيه الحق تبارك وتعالى بنون الكبرياء ونون التعظيم. لأن كل فعل من الأفعال يحتاج إلى صفات متعددة حتى يتم. فأنت إذا أردت أن تفعل شيئا فإنه يقتضي منك قوة ويقتضي منك علما ويقتضي منك قدرة ويقتضي منك حكمة.. إذن فهناك صفات كثيرة موجودة يقتضيها الفعل.
ولكن حين يتكلم الحق سبحانه وتعالى عن شهادة التوحيد يقول (إنني أنا الله) ولا يقول: إنما نحن الله.. لأنه جل جلاله. يريد توحيدا. ففي موقع التوحيد يأتي بضمير الإفراد واحد أحد.. أما في صدر الأحداث. فيأتي بضمير الكبرياء والعظمة. واقرأ قوله تعالى: {والسمآء بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.. [الذاريات: 47].
وعندما أراد الحق تبارك وتعالى أن يمتدح إبراهيم قال: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً} ما معنى أُمَّة؟ أي جامعا لصفات الخير التي لا تجتمع في فرد ولكنها تجتمع في أمة. فالأمة تجتمع فيها صفات الخير.. هذا متميز بالصدق، وذلك بالشجاعة. وهذا بالحلم. فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يقول إن إبراهيم كان أمة أي أنه كان جامعا لصفات الخير.
وفي قوله {وقُلْنَا يَآءَادَمُ} آدم اسم علم على المسمى الذي هو أول خلق الله من البشر (واسكن) تحتاج إلى عنصرين: الهدوء والاطمئنان.. هذا هو معنى اسكن. توفير الهدوء والاطمئنان، ومنه أخذ اسم السكن. وكلمة المسكن وأطلق على الزوجة.. وإذا فقد المكان الذي تسكن فيه عنصرا من هذين العنصرين وهما الهدوء والطمأنينة لا يقال عليه مسكن. والزوجة سميت سكنا كما جاء في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.. [الروم: 21].
لأن الهدوء والرحمة والبركة تتوافر في الزوجة الصالحة. والحق سبحانه وتعالى يقول: {وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاوتك سَكَنٌ لَّهُمْ}.. [التوبة: 103].
أي راحة واطمئنانا ورحمة. فالإنسان يريد في بيته أن تكون الحياة فيه مريحة له من عناء العمل وصخب الحياة. ويقول الحق سبحانه وتعالى: {اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ} وكان من الممكن أن يقول اسكن وزوجك لأن الفاعل في فعل الأمر دائما مستتر. ولكنه سبحانه قال: اسكن أنت وزوجك.. وإياك أن تظن أن أنت هو فاعل الفعل اسكن. ولكنه ضمير جاء ليفصل بين اسكن وبين زوجك حتى لا يعطف الاسم على الفعل.
أننا لابد أن نلاحظ أن كلمة زوج تطلق على الفرد ومعه مثله. ولذلك لم يأت بتاء التأنيث.. اسكن أنت وزوجتك. لأن الأمر التكليفي من الله. سواء فيه الذكر والأنثى. واقرأ قوله تعالى: {وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ}.. [غافر: 40].
إذن فهما متساويان في هذه الناحية. هذه الجنة ماذا وفر الله سبحانه وتعالى لآدم وزوجه فيها؟ اقرأ قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى}.. [طه: 118-119].
هذه عناصر الحياة التي وفرها الله لآدم وزوجه في جنة التجربة الإيمانية العملية على التكليف. وهكذا نرى من الأوصاف التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لنا لهذه الجنة أنها ليست جنة الآخرة. لأنه أولا فيها تكليف. في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} وجنة الآخرة لا تكليف فيها، والحق تبارك وتعالى أباح لآدم وحواء أن يأكلا كما يشاءان من الجنة. والجنة فيها أصناف كثيرة متعددة. ولذلك قال: {حَيْثُ شِئْتُمَا}.
وأنت لا تستطيع أن تقدم لإنسان صنفا أو صنفين وتقول له كل ما شئت. لأنه لا يوجد أمامه إلا مجال ضيق للاختيار، كما أن قلة عدد الأصناف تجعل النفس تمل. ولذلك لابد أن يكون هناك أصناف متعددة وكثيرة.
ثم جاء النهي. في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة} أي لا تقتربا من مكانها. ولكن لماذا لم يقل الحق سبحانه وتعالى ولا تأكلا من هذه الشجرة؟. لأن الله جل جلاله رحمة بآدم وزوجه كان لا يريدهما أن يقعا في غواية المعصية. فلو أنه قال: ولا تأكلا من هذه الشجرة لكان مباحا لهما أن يقتربا منها فتجذبهما بجمال منظرها ويقتربا من ثمارها فتفتنهما برائحتها العذبة ولونها الجذاب. حينئذ يحدث الإغواء. وتمتد أيديهما تحت هذا الإغراء إلى الشجرة ليأكلا منها.
ولكن الله تعالى يعلم أن النفس البشرية إذا حرم عليها شيء ولم تحم حوله كان ذلك أدعى ألا تفعله. فالله تعالى حين حرم الخمر لم يقل حرمت عليكم الخمر وإلا كنا جلسنا في مجالس الخمر ومع الذين يشربونها. أو نتاجر فيها وهذا كله إغراء بشرب الخمر.. ولكنه قال: {ياأيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.. [المائدة: 90].
هذا النص الكريم قد جعلنا نبتعد عن الأماكن التي فيها الخمور. فلا نجلس مع من يشربونها، ولا نتاجر فيها حتى لا نقع في المعصية. فإذا رأيت مكانا فيه خمر فابتعد عنه في الحال. حتى لا يغريك منظر الخمر وشاربها بأن تفعل مثله. والحق جل جلاله يقول في المحرمات: (لا تقربوا) واجتنبوا.. أي لا تحوموا حولها. لأنها إذا كانت غائبة عنك فلا تخطر على بالك فلا تقع فيها. ولذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ والْحَرَامَ بَيِّنٌ وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا وإن لكل مَلَكٍ حِمَى ألا وإِن حمى الله محارمه".
ولقد كان بعض الناس يقبلون على شرب الخمر ويقولون إنه لم يرد فيها تحريم صريح.. فلم تأت مسبوقة بكلمة حرمت.. نقول إن كلمة اجتنبوا. أشد من التحريم. فقوله تعالى: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} معناه ألا تنظر حتى إلى الصنم. واجتناب الخمر ألا تقع عينك عليها.
وقد اختلف الناس في نوع هذه الشجرة. وهل هي شجرة تفاح أو تين أو عنب أو غير ذلك. ونحن نقول: ليس هذا هو المقصود. ولكن المقصود هو التحريم. لأن منهج الله سبحانه وتعالى يحلل أشياء. ويحرم أشياء.
وقوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} الظلم هو الجور والتعدي على حقوق الغير. والظالم هو من أخذ فوق ما يستحقه بغير حق. والظلم يقتضي ظالما ومظلوما. وموضوعا للظلم. فكل حق سواء كان ماديا أو معنويا يعتدي عليه إنسان بدون حق فقد حمل ظلما. حتى الإنسان أنه أحيانا يظلم نفسه. واقرأ قوله تعالى: {والذين إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظلموا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ الله}.. [آل عمران: 135].
كيف يظلم الإنسان نفسه؟ قد يظلم الإنسان غيره. ولكنه لا يظلم نفسه أبدا لأنه يريد أن يعطيها كل ما تشتهيه. وهذا هو عين الظلم للنفس. لأنه أعطاها شهوة عاجلة في الدنيا. ربما استمرت ساعات. وحرمها من نعيم أبدي في الآخرة. فكأنه ظلمها بأن أعطاها عذابا أليما في الآخرة مقابل متعة زائلة لا تدوم.. وهناك من يبيع دينه بدنياه. ولكن أظلم الناس لنفسه من يبيع دينه. بدنيا غيره. يشهد زورا. ليرضي رئيسا. أو يتقرب لمسئول. أو يرتكب جريمة.. إذن قوله تعالى: {فَتَكُونَا مِنَ الظالمين} أي من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.