»ينبغى على الشاعر الدرامى أن يرينا العظماء فى حال ارتفاع نجمهم وتألقه حتى إذا انتقلوا من حال السعادة والنعيم إلى حال التعاسة والشقاء أشفق المتفرج عليهم وتألم لمصائرهم، إذ إن انتقال العظيم من الارتفاع إلى الانحدار يثير فى النفس من المشاعر أكثر مما يثيرها انحدار من لم يعرف طعم السعادة ولم يذق حلاوة النعيم». هذا ما يراه العم صلاح عبد الصبور فى مسرحيته الشعرية الجميلة «بعد أن يموت الملك».. والتى يروى فيها حكاية ملك لم تعرف المملكة التى يحكمها حاكما آخر غيره على مر السنين والعصور. وليؤكد لنا هذا الانتقال من حال إلى حال يبدأ مسرحيته بالملك وهو فى قمة زهوته وسلطانه وامتلاكه البلاد وعبثه بمصائر العباد.. «ما دمت أنا صاحب هذى الدولة فأنا الدولة.. أنا ما فيها.. أنا من فيها أنا بيت العدل وبيت المال وبيت الحكمة بل إنى المعبد والمستشفى والجبانة والحبس بل إنى أنتم.. ما أنتم إلا أعراض زائلة تبدو فى صور منبهمة وأنا جوهرها الأقدس« ثم ينتقل بعد هذا إلى حال آخر.. حيث يموت الملك فجأة بعد مصارحة زوجته له بحقيقته التى تتمثل فى أنه غير قادر على منحها طفلا من صلبه.. »لكنك لم تقدر أن تعطينى طفلا.. تعطينى الماضى، لكن لا تعطينى المستقبل» يموت الملك بحسرته.. وهنا تتضح عادة تلك البلاد الغريبة تجاه الموت حيث «كان من عادة أهل هذه المدينة أن يلبسوا الميت أزهى أثوابه ويمددوه على فراشه الوثير -أو الفقير- أربعين يوما كاملة يطوف فيها أصحابه وأحباؤه حوله ويناشدونه أن يستجمع قواه الخائرة ويطرد من جسده عصفور الموت الأسود، وهم يعرضون عليه عندئذ كل ما كان يحب فى حياته من طعام وشراب وثياب ورياش ولهو ومتعه.. وكان الفقراء بالطبع لا يقومون أبدا من نومهم، بل لعلهم يزدادون استغراقا فى الموت كلما عرضت عليهم حياتهم الماضية.. أما الملوك.. فمن يدرى.. فإن مباهج حياتهم كثيرة».. و بالفعل، يحاول دلاديل وألاضيش الملك ووزراؤه وجواريه وجلاده إيقاظه من الموت.. إنها مشكلة الألاضيش دوما، لا يستطيعون الحياة دون سيد يستعبدهم. وتستمر الحكاية، حيث تهرب الملكة العاشقة للحياة من القصر (الموت) مع الشاعر (الحياة) ويمنحها الطفل الذى تحلم به (المستقبل). وهنا يضعنا العم صلاح عبد الصبور أمام حل من ثلاثة لإنهاء تلك الحكاية.. أختار لكم منها الحل الثانى والذى تنجب فيه الملكة من الشاعر طفلا.. ينتظران حتى يكبر ويعلمانه الحكمة والشعر وحين يتم العشرين يعودان به إلى القصر الكئيب الذى ينعق البوم فى جوانبه وتعشش العناكب فى أركانه، بينما الحاشية ما زالوا يجلسون فى انتظار استيقاظ ملكهم الميت وقد طالت لحاهم حتى مست الأرض.. يباغتها القاضى لتصعد إلى جثة الملك وترقد إلى جانبه حتى يخرج منه طير الموت الأسود.. فيفاجئه الشاعر بالحقيقة المرة.. »حسبك يا مجنون صار الملك ترابا من أزمان اكشف عنه.. تجد الطحلب ينمو فوق فراشه« يصعد القاضى متهالكا لينظر إلى الملك ثم يعود واجما.. »حقا.. فقد اهترأ الثوب صار الملك ترابا ينبت فيه بعض العشب« يحاول ابن الملكة والشاعر الاقتراب من العرش.. يضع التاج على رأسه فيتفتت قطعا.. يجلس على كرسى العرش فينهار به.. « لا أبصر حولى إلا ما هو منهار ساقط أو مهدوم متحطم علل كامنة فى التاج وفى خشب العرش وفى جدران القاعة وفى الأستار وفى درجات السلم فى شعر لحى هذى الأشباح المرتاعة أهى السوس أم الموت أم اللعنة ماذا أفعل؟ من أين بداية عهدى أبدأ من هذا الركن المعتم أم من هذا الركن المتهدم؟ سأزيل بقايا الماضى وأعيد بناء القصر» س: ما الحكمة المستفادة من تلك الحكاية الشعرية والملهاة المأساوية؟ ج: أن بعض الملوك الراقدين على فراشهم -بعد ذهاب ملكهم- والذين يظن البعض أنهم لا يزالون أحياء.. موتى منذ زمن.. حتى وإن بدا الأمر عكس ذلك!