"إن العلمانيين يريدون إسلامًا كنسيًا داخل المسجد حتى يخلو لهم الجو فيفسدوا الحياة السياسية"، هكذا فضح الإمام الراحل محمد متولي الشعراوي كل من اصطف خلف انقلاب 30 يونيو 2013، حتى بعد وفاته قبل ذلك بسنوات.. فيما قال فارس المنبر الشيخ الراحل عبدالحميد كشك، عن الانقلابات العسكرية: "الاستبداد أساس كل بلاء فقد أعطى ذريعة للغرب أن يتدخل في بلاد المسلمين وأعطى ذريعة للمسلم أن يقتل أخاه!". من وسائل علماء السلطان الطعن في العلماء العاملين، وهذا ما حاول مستشار رئيس الانقلاب السفيه عبدالفتاح السيسي، للشئون الدينية، أسامة الأزهري، بقوله إن "ظاهرة هائلة من الهياج والصياح والتعليق السطحي المبتذل على أمور المجتمع، فين ده من أداء الشيخ الشعراوى مثلا؟.. شتان". "تاريخ ظهور الدعاة غير المؤهلين في بمصر هو تاريخ ظهور جماعة الإخوان المسلمين، وتأسيسها على يد البنا"، هكذا حمل هجوم "الأزهري" الكثير من الدلالات الكاشفة، في برنامج "آخر النهار"، الذي يقدمه محمد الدسوقي رشدي، منتقدًا الشيخ كشك برفضه طريقته في "الهياج والصياح"، حسب تعبيره، معتبرا ذلك أحد أسباب انحطاط الخطاب الديني عبر "تسييسه"، متهما مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بأنه أول من انتج هذه الظاهرة بتشجيعه تكوين رجال دين بمجرد الحماس، والاشتغال بالوعظ، دون تأهيل علمي. إرهاب علماء السلطان لكن الأزهري كثيرا ما يضرب المثل بأستاذه، مفتي الجمهورية السابق الدكتور علي جمعة، الذي انتهج الأسلوب ذاته خلال فترة تأسيس نظام الانقلاب، بعد الإطاحة بالرئيس الشرعي المنتخب محمد مرسي، حينها ألقى جمعة خطبا حماسية دعا خلالها جنود الجيش إلى "الضرب في المليان"، وواصفا معارضي الانقلاب المؤيدين للرئيس مرسي، بالخوارج الجدد. وقد تردد صدى هذا الفهم في حديث الأزهري بالبرنامج، حيث بدا حريصا على جمع كل الجماعات والتيارات والحركات الإسلامية في سلة واحدة، واعتبارها جميعا سبب بلاء الأمة وجنوح الشباب نحو التطرف والإرهاب. هكذا أورد مستشار السيسي "الإخوان وبوكو حرام وداعش والقاعدة" في جمل عدة، باعتبارها "مترادفات" لجوهر واحد يشوه الدين ويجعل منه مطية لأغراض سياسية وشخصية، حسب قوله. مستشار السيسي أهبل! تناقض آخر كشفه محتوى الهجوم، يتمثل في اقترانه بالدفاع عن حق التعبير لمن اتهمهم علماء الأزهر أنفسهم بتشويه الدين، وأدانه القضاء بتهمة ازدراء الإسلام، وعلى رأسهم إسلام بحيري. والأزهري أكد رفضه اللجوء إلى القضاء في مواجهة "أطروحاته الفكرية"، مبديا شدة تحفظه على ذلك، واعتبره "ضيق صدر" مرفوض. لكن صدر مستشار السيسي بدا ضيقا في مواجهة أطروحات فكرية أخرى، لسيد قطب، على سبيل المثال لا الحصر، حيث وصفه بأنه "منبع التكفير"، واتهمه ب "الإجرام الفكري"، وإعادة بعث فكر الخوارج القديم". هذه التناقضات وغيرها جعلت من "الدفاع عن صورة الدين" و"احترام حق التعبير" و"الحفاظ على الخطاب الديني من الانزلاق نحو التطرف" مجرد شعارات خالية من المضمون في حوار الأزهري، ما دفع العديد من المراقبين إلى محاولة استقراء الدافع الحقيقي وراء هجومه على كشك تحديدا. كشك شوكة للعسكر واستند مستشار السيسي في هجومه على مقارنة بين كشك والشعراوي، مقارنة الأزهري بين كشك والشعراوي، خلص منها إلى أن الأول بلا مدرسة علمية أو فكرية، وأن الثاني كون "جامعة شعبية قوامها 30 مليونا"، حسب تعبيره. اختار مستشار السيسي الشيخ الشعراوي تحديدا لعقد المقارنة، لتمتعه بشعبية لا تقل عن تلك التي اكتسبها كشك، إلا أن منهج الأول في الانتقاد اللاذع للنخب لم يكن ديدن الثاني، وهو ما أشار إليه مستشار السيسي صراحة في حواره، معترفا بأن أسلوب كشك جعل منه الخطيب الأول في العالمين العربي والإسلامي. شعبية كشك إذن تحتاج إلى كبح طالما أن منهج أتباعه يسير على المنوال ذاته، الأمر الذي لا ترتضيه نخبة الانقلاب في مصر، وهو مضمون ما ورد في تعليق رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الدكتور يوسف القرضاوي، على هجوم الأزهري. النخبة لا تحب كشك، فيما يرى القرضاوي، لأنه "الخطيب الذي هز أعواد المنابر، وأرعب أرباب الكراسي، صاحب الطريقة المتميزة، والبيان المتدفق، والأسلوب الساخر، الذي شدت خطبه الجماهير المسلمة، وانتشرت أشرطته في المشارق والمغارب". ولذلك أطلق محبو كشك لقب "فارس المنابر" عليه، تعبيرا عن شعبيته ومنهجه في آن واحد، فقد عرف عنه الشجاعة والحماسة في الأسلوب، وانتقاد أعلام النخب المترفين والحكام الظالمين. ولعل ذلك ما دفع الأزهري إلى تركيز هجومه على كشك وقطب تحديدا، في ظل "انحسار الثقة في علماء الأزهر"، وهو ما اعترف به صراحة خلال الحوار. الأزهر يتمسح بالشعراوي لكن سبب هذا الانحسار، عند مستشار السيسي، يرتبط بفقد العلماء لكثير من الأدوات العلمية الصحيحة، التي اعتاد عليها الناس من مؤسسة الأزهر، حسب قوله، دونما إشارة إلى فقدان كثير منهم ل "المصداقية"، كونهم في صف موالاة الانقلاب بشكل دائم. من جانبها كتبت سناء البيسي سابقا في صحيفة الأهرام الرسمية، واصفة كشك ب"شيخ الغلابة"، وهي التي لم تنتمِ يوما للتيار الإسلامي، كما أشار إليه الصحفي فتحي مجدي، قائلا: "رحل الرجل (كشك) ولم يضبط وهو يحصل على جنيه من حاكم، ولم يركب سيارة فارهة لم يدفع فيها مليمًا، لم يصفق لباطل، ولم يشرعن لظالم".