حالة الترابط عبر التاريخ التى جسدتها وحدة النسيج الوطنى بين مسلمى مصر ومسيحييها، تزداد متانتها مع محاولات الفرقة أو زرع بذور الطائفية والفتن، ويلتف الجميع حول شعار «الدين لله والوطن للإنسان»، الذى انطلق من ثورة 1919، وعبر عنه الهتاف الشهير «يحيا الهلال مع الصليب»، حينما اعتلى «قس» منبر الجامع الأزهر يخطب بوطنية فى المصريين، أو حين دخل «شيخ» إلى كنيسة ليؤكد من أمام مذبحها أنها «بيت من بيوت الله» سيدافع عنها المسلم قبل المسيحى، وصولاً إلى مقولة البابا تواضروس الثانى الخالدة «وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن». ومن المفارقات التى شهدتها الوحدة الوطنية هذا العام أن الأعياد الدينية للمسلمين والمسيحيين تزامنت فى توقيت واحد تقريباً، لتزيد التجانس بينهما، فلم تكد تمر أيام على احتفال أقباط مصر بعيد القيامة المجيد، إلا واجتمع المصريون جميعاً على مائدة عيد شم النسيم، وبعدها احتفل المسلمون بعيد الفطر المبارك، لتتزامن الأعياد معاً فى أقل من أسبوع، وقد سبقها صيام أصحاب الديانتين معاً أيضاً، حيث صام المسلمون شهر رمضان فى الوقت الذى كان الأقباط بكافة طوائفهم يصومون بمناسبة أسبوع الآلام. نائب رئيس جامعة الأزهر: الرسالات السماوية بها أمور مشتركة بين الأديان وعن ذلك يقول الشيخ أبوزيد الأمير، نائب رئيس جامعة الأزهر، إن فترة الأعياد بشكل عام سواء لدى المسلمين أو الأقباط تتميز بإظهار المحبة والأخوة، وهو ما نراه فى اللقاءات المتبادلة بين الطرفين خلال زيارة شيخ الأزهر إلى البابا فى أعياد المسيحيين والعكس، وأضاف أن هذا العام كان مميزاً، حيث لم يكن التلاحم كتقديم تهنئة من طرف لآخر فقط، بل كان هناك توافق المناسبات أيضاً، ففى نفس الوقت الذى كان يصوم فيه الأقباط قبيل عيد القيامة كان المسلمون يصومون رمضان، وكذلك تزامن الاحتفال بعيد القيامة قبل عيد الفطر بأيام قليلة، مؤكداً أن الرسالات السماوية بها أمور مشتركة بين الأديان، من القيم والمبادئ الأساسية للدين، ويُفترض أن يمتلكها الإنسان المؤمن ويسعى لنشرها، وتتضمن المحبة والأخوة والتسامح. وتابع «الأمير» قائلاً إن اللقاءات المتبادلة بين الطرفين خلال الأعياد ليست من قبيل الشكليات أو المجاملات كما يروج البعض، بل من صميم الأديان والفهم الصحيح للدين، موضحاً أن أصحاب الديانات السماوية يجب أن يلتفوا حول القيم الإنسانية، فهى الصوت الباقى لإنقاذ الإنسان من المغريات المادية الحالية. القمص شنودة منصور: المحبة والتسامح تظهر بقوة خلال فترة الأعياد واتفق معه القمص شنودة منصور، كاهن كنيسة السيدة العذراء والقديس بولس الرسول بالنهضة بالقاهرة، قائلاً إن المحبة والتسامح تظهر بقوة خلال فترة الأعياد، التى غالباً ما يسبقها صوم سواء فى المسيحية أو الإسلام، وفريضة الصيام تلجم الإنسان، فتجعله ينتقى ألفاظه وكلماته وحتى سلوكه وطريقة تعبيره. وأضاف أن تلاقى الشعائر الدينية مثل الصيام والاحتفال بالأعياد فى نفس الوقت، يزيد التقارب والمحبة بين الطرفين فى مشهد يعكس الترابط التاريخى بين أبناء الأديان السماوية، فنجد العديد من المشاهد التى لا يمكن مشاهدتها إلا فى مصر، وهو حضور المسلمين لتهنئة الأقباط بينما يكون المسيحيون موجودين لإفطار الصائمين قبيل أذان المغرب. وقال القس حبيب غطاس، راعى كنيسة مارجرجس للأقباط الكاثوليك بقرية نجع الدك مركز أبوقرقاص المنيا، إن ثقافة المحبة والتسامح التى ترفعها المسيحية كشعار، تتلاقى مع الثقافة الإسلامية التى تدعو للمحبة والإخاء، لاسيما خلال الاحتفال بأسبوع الآلام بالتزامن مع شهر رمضان المبارك. وأضاف أن المسلمين والمسيحيين تبادلوا التهانى فى نفس الوقت، بمناسبة عيد القيامة الذى سبق عيد الفطر بأيام قليلة، موضحاً أن هذا يزيد من فكرة التعايش المشترك وتفعيل القيم الطيبة وترسيخ هذه المفاهيم لدى الشباب والجيل الجديد. وقال إيهاب رمزى عضو مجلس النواب، إن تزامن أعياد المسلمين والأقباط من الأمور التى تتكرر كل عدة عقود، موضحاً أن روح المحبة والمودة تظهر بوضوح فى تلك الفترة، فلم يكد ينتهى المسيحيون من الصيام الكبير والاحتفال بعيد القيامة إلا وقد احتفل المسلمون أيضاً بعيد الفطر المبارك. وأشار إلى أن المحبة تظهر فى الدعم المادى والاقتصادى الذى يتم تقديمه من الطرفين للفقراء والمحتاجين فى ذلك الوقت، حيث ينتشر توزيع الملابس الجديدة للمحتاجين والوجبات، ثم يأتى تبادل الحلويات والهدايا بين الجيران والأسرة المصرية، احتفالاً بالأعياد. وتابع قائلاً إن تزامن الأعياد معاً يدعم قيم المواطنة ويرسخ قيم التسامح والترابط والمودة بين جميع الأطراف، ويظهر المحبة والدعم بين جميع الأطراف.