"كانت كالضوء الذي يحيطني، تثيرني تناقضاتها وغموضها" بهذه الكلمات البسيطة القليلة التي حملت بين طياتها حبًا عميقًا، لخَّص رائد المسرح الأمريكي بقدراته الكتابية المتميزة، مشاعر عشقه لسيدة استولت على قلوب الجميع بسحرها وجمالها، وعبَّرت عن العلاقة التي دامت لأكثر من 5 سنوات بين الكاتب والروائي آرثر ميللر، والفنانة مارلين مونرو. وكما كان الغموض يغلِّف حياة "ميللر" و"مونرو"، كل على حدة، كان هذا أيضًا هو حال علاقتهما العاطفية فألقى عليها ظلالًا ثقيلة، حيث تزوَّجا رسميًا بعد عام كامل من الشائعات التي أحاطت بهما، وذلك في 29 يونيو 1956، بحيث يعتبر هو الزواج الثالث لمارلين مونرو، فيما كانت هي الزيجة الثانية له بعد ماري سلاتري، وحينها تحوَّلت مارلين إلى اليهودية. وعاش "ميللر" و"مونرو" معًا علاقة حب قوية، ظهرت في صورهما معًا، والتي تبادلا فيها نظرات الحب سويًا، وتنقَّلا معًا بين بلدان العالم للاستمتاع بمعالمها وأماكنها المختلفة، متعانقي الأيدي والروح، سعى خلالها "ميللر" ليتوِّجها في كتاباته وداخل عالمه المسرحي، فجسَّدت عددًا منها في السينما، فيما اعتبرت "مونرو" زواجها منه بمثابة إضافة كانت بحاجة إليها لأنه الرجل الوحيد الذي حاول أن يكتشف الوجه الآخر لها، بعيدًا عن أفلام الإغراء التي ظهرت فيها. "ميللر".. كان هو الحب الوحيد في حياة "مونرو"، فأعاد صياغتها من جديد وكأنها إحدى بطلات رواياته، وشكَّل حياتها بمنظوره، مغيرًا تفكيرها ليجعلها مهتمة بقضايا المجتمع وحاول أن ينمي داخلها قوى الوعي والفهم، فشجَّعها على المتابعة اليومية للصحف والقراءات المتعددة، فضلًا عن اهتمامها بالكتابة فحسَّن من كتابتها، فأهدته قصيدة كتبتها خصيصًا له، ضمَّت بها مشاعرها الرقيقة التي تكنها له، والخوف الذي تحمله داخلها من فقدانه، مخالفة به عادات "مونرو" الجريئة، فكانت "حبي ينام بجانبي.. تحت النور الخافت أرى فكَّه الرجولي.. يتراجع ويعود.. رقته ترتعش في سكونه.. وعيناه لا بد أنهما تطلان بذهول من كهف الصبي الصغير.. لكن هل سيبدو كذلك حين يموت.. أواه يا الحقيقة المحتمة التي لا تحتمل.. ولكن أسرعان ما سيموت حبه عندي أو أموت عنه". كما أثَّرت مونرو على حياة ميللر الأدبية في المقابل، فكان لها أثر بالغ انعكس على مؤلفاته، منذ أن دخلت قلبه، فأشعت نورًا بسحرها في كتاباته، وتمايلت ناثرة عطرها في كلماته وبين سطوره التي يخطها قلمه، فكما أسرته قلبًا وقالبًا، انعكس صداها على مسرحياته، فكان من أشهر ما جسَّد علاقتهما، مسرحية "بعد السقوط"، و"حادثة في فيتشي"، وفي محاولة منه لإنقاذ زواجهما ومساعدتها للتعافي بعد إجهاضها، كتب فيلم "الامنتمون" كهدية عيد الحب، وكان أيضًا آخر فيلم كامل لها. وبعد 5 أعوام من الحب القوي الذي غلَّفه عمق المشاعر والمثابرة والاستمتاع بالحياة سويًا، افترق الثنائي المتميز في العالم الأمريكي لرمز وقار القلم المسرحي، وسحر الأنوثة والإغراء، في سكون، فكان الخط الرابط بين بداية العلاقة ونهايتها، هو الغموض الذي سيطر على حياتهما وأنهاها دون مشادات في 24 يناير 1961. عملاق المسرح الأمريكي المعاصر.. هكذا عُرف آرثر ميللر، في الوسط الأدبي، فضلًا عن أنه كان من كبار المدافعين عن الحرية الفكرية، ومنددًا بكل أشكال القمع وكان من المنادين بفكرة مسرح في متناول الجمهور، وتميَّزت كتاباته المسرحية بالحدة في تناولها لإشكاليات الإنسان المعاصر وبشكل خاص الإنسان الأمريكي، وكتب العديد من المسرحيات أهمها (المحنة، ونظرة من الجسر، وكلهم أبنائي) والتي حصلت عام 1947 على جائزة توني لأفضل مسرحية، وفي عام 1949 منح جائزتيّ "بوليتزر" وجائزة نقاد الدراما عن عمله الأكثر شهرة "موت بائع متجول" التي ترجمت إلى أكثر من 20 لغة بعد أشهر على ظهورها ولا زالت تُدرَّس وتُعرض حول العالم.