ما تقدم بلد وارتقى إلا وكان حُسن الإدارة فى المُعادلة، وما تأخر بلد وتراجع وتقهقر وتأزم وتقزم إلا وكان سوء الإدارة فى المُعادلة، وأكبر دليل على ذلك هو عاصمة حُسن الإدارة فى العالم.. عن «دُبَى» أتكلم! إذا كنت أيها القارئ الكريم تستطيع قراءة هذا المقال بسهولة، فأنت فى الغالب عربى مُتَعلِم، وعندما يقرأ العربى المُتَعلِم أن عاصمة الإدارة فى العالم عربية، فقد تختلف مشاعره.. قد يشعر بالفخر والعزة والأمل فى الغد، ذلك أن العرب يستطيعون، وإذا كانت دبى قد بدأت ووصلت ولكنها مع ذلك مستمرة فى السعى بخطى واسعة وطموحة، إذن فالأمل موجود، وما علينا إلا العزم والتوكل على الواحد المعبود.. وقد يشعر أيضاً بمشاعر سلبية، فقد يجد مبالغة فى وصف دبى بأنها عاصمة الإدارة فى العالم، أو أن الشعور الدائم بالدونية والتبعية للغرب سيغلب على صاحبه ويأبى إلا أن تكون عاصمة الإدارة غربية! ولكن دعنا من المشاعر والانطباعات، ولنتحدث عن الواقع والإنجازات.. هل تعلم أنك إذا بحثت فى أى وقت من العام، ستجد فى دبى وحدها من بنى البشر ما يزيد على 200 جنسية على اختلافاتهم الفكرية والثقافية والدينية وحتى الفقهية والمذهبية، يعملون ويتجولون ويتعبدون فى هدوء وانسيابية؟ كيف لها ذلك؟ إنه حُسن الإدارة! هل تعلم أن أكبر جزيرة فى التاريخ من صنع الإنسان موجودة فى دبى؟ عن جزيرة النخلة أتكلم.. هل تعلم أن أطول بناء عَمرَه الإنسان على مر الزمان موجود فى دبى؟ عن برج خليفة أتكلم.. هل تعلم أن هناك مركزاً تجارياً زاره أكثر من 65 مليون إنسان فى عام 2012؟ عن مول دبى أتكلم! لماذا كل هذه الدعوات المتتالية فى مصر للاستفادة من التجربة التركية أو الماليزية أو الأمريكية.. ولا نجد من يدعو مع هذا، بشكل لائق ومنهجى، للبحث والاستفادة من التجربة الإماراتية؟ إنها النموذج الوحدوى العربى الأنجح منذ أوائل سبعينات القرن الماضى وحتى يومنا هذا، النموذج الذى يثبت للعالم بحق أن العرب يتفقون ويتحدون، وليس صحيحاً أنهم دائماً وأبداً مختلفون ومختصمون، إنها الإمارات السبع التى توحدت برؤية رجل فأصبحت دولة مُستقرة قوية.. عن زايد، رحمه الله، وعن دولة الإمارات أتكلم! لماذا يدرس أبناؤنا من طلبة الإدارة سيرة ومسيرة «جاك وولش» وغيره من القادة والمديرين التنفيذيين كأمثلة يحتذى بها فى حسن الإدارة ومهارات القيادة، ولكنهم مع ذلك لا يدرسون سيرة ومسيرة محمد بن راشد؟ لا يجب أن يمنع الحرج أساتذتنا ومعلمينا من التحدث بشكل إيجابى عن حاكم أو سياسى إذا وجدوا فيه نموذجاً عربياً مُشرفاً فى حُسن الإدارة ومهارات القيادة. سأل أحدهم حاكم دبى عن تقييمه لما وصل إليه بلده كنسبة مئوية من رؤيته لها، فقال: 10%.. ولما أجاب عن نفس السؤال بعد عام واحد، قال: 7%.. فلما تعجب السائل: كيف تنخفض النسبة رغم التطور الهائل الذى تشهده دبى؟ كان رد محمد بن راشد أن التطور المستمر فى رؤيته لمستقبل بلاده أسرع بكثير من الإنجاز الحقيقى على الأرض مهما كان قوياً.. عن الرؤية وعن الطموح أتكلم! ليس الغرض من هذا المقال هو الدعوة للتحسر على حالنا، أو التندر بإنجازات أشقائنا، وإن كان هذا فخرا لنا ومن حقنا، لكن هذا المقال دعوة للأمل، لأن العرب بفضل الله يستطيعون، ودعوة للتحفيز والعمل، ودعوة للتعلم والاستفادة دون حرج ولا كبر من خبرات من سبقونا فى شىء لا غنى لنا عنه للخروج ببلادنا من الأزمات المتتالية، هذا الشىء الذى من دونه لن نصل لما نستحقه من المكانة العالية، إنه الشىء الذى يقدره اللبيب بغير إشارة، إنه الشىء الذى تبنى عليه المدنية وتحيا به الحضارة.. إنه طوق النجاة، إنه فنُ الحياة، إنه.. حُسن الإدارة!