التلفزيون الإيراني: غارات إسرائيلية أمريكية على مدن طهران وأصفهان ويزد وخوستان    ارتفاع تاريخى لأسعار الذهب والنفط وتطورات خطيرة بسبب الحرب على إيران.. فيديو    دوي انفجارات بطهران.. القيادة المركزية الأمريكية: قواتنا تتخذ إجراءات حاسمة للقضاء على تهديدات نظام المرشد    السيسي للمصريين: اطمنوا على مصر.. محدش بفضل الله يقدر يقرب من البلد دي    وزير الخارجية العماني: الحرب لا ينبغي أن تطفئ أمل السلام    الأرصاد تحذر من طقس اليوم: شديد البرودة وانخفاض درجات الحرارة على أغلب الأنحاء    إصابة 4 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بمركز طامية في الفيوم    محمد صبحي يغيب عن مواجهة الاتحاد السكندري بسبب الإيقاف    الذهب يرتفع بأكثر من 2% إلى 5391.24 دولار للأونصة مع تصاعد حرب إيران    جيش الاحتلال الإسرائيلي يعلن بدء ضرباته في جميع أنحاء لبنان ردا على حزب الله    من سهرة في المعادي إلى شقة مهجورة بالفيوم.. تفاصيل سقوط مدير بنك في فخ طالبة حقوق    بيان مشترك لأمريكا والسعودية والبحرين والأردن والكويت وقطر والإمارات بشأن هجمات إيران    طقوس رمضان| شريف خيرالله يحكي ذكرياته مع مائدة الرحمن في عابدين    النادي المصري يحتج على التحكيم بعد خسارته أمام إنبي    محافظ الغربية يستقبل مسؤولي شركة «كاوتشوك» لتدعيم الصناعة المحلية    ارتفاع كبير فى أسعار النفط على خلفية التصعيد بالشرق الأوسط    اقتراح برغبة أمام البرلمان بشأن ميكنة خدمات الأحياء    معتمد جمال: مواجهة بيراميدز كانت الأصعب.. ولا مجال لإهدار النقاط    شاهدها الآن ⚽ ⛹️ (0-0) بث مباشر الآن مباراة ريال مدريد وخيتافي في الدوري الإسباني 2025-2026    المحمودى: شيكو بانزا قضية مثيرة فى الزمالك    مصر تفوز على أوغندا فى ختام منافسات النافذة الثانية لتصفيات كأس العالم لكرة السلة    مستشار وزير التموين السابق: جرام الذهب سيتخطى 8 آلاف جنيه في حال تفاقم الحرب    "صناعة النواب" تفتح ملفات إغلاق مراكز التدريب وتوصي بتسريع ترفيق المناطق الصناعية    يديعوت أحرونوت: الجيش يستعد لرد قوي بعد إطلاق صواريخ من لبنان    حزب الله يطلق صواريخ باتجاه شمال إسرائيل لأول مرة منذ اتفاق وقف إطلاق النار    مطاردة مثيرة في شوارع الجيزة.. كشف لغز فيديو ملاحقة سيارة ملاكي ل "سائق خردة"    كل ما تريد معرفته عن افضل مميزات الايفون    مواقيت الصلاة وعدد ساعات الصيام اليوم الإثنين 12 رمضان 2026    إنشاد ديني ومواهب شابة في ليالي رمضان بالغربية    نيقولا معوض: وفاة والدي تركت فراغا لا يعوض.. و «الأميرة ضل حيطة» مقتبس عن قصة حقيقية    أسرار البيان| رحلة في الفروق اللفظية للقرآن الكريم.. (12) "الثياب واللباس"    د.حماد عبدالله يكتب: التسوق والتسول !!    صافي الأصول الأجنبية يسجل 29.5 مليار دولار بنهاية يناير    إبراهيم حسن يوضح ل في الجول حقيقة إلغاء معسكر منتخب مصر في قطر    لحظة رعب| شريف خيرالله يروي موقفًا كاد يودي بحياته في البحر    الفنان نيقولا معوض: السوشيال ميديا أصبحت مستفزة.. وأنا شخص حقيقي جدا ولا أعرف الكذب    المفتي: الصيام مدرسة لتهذيب النفس وضبط اللسان.. و«إني امرؤ صائم» انتصار للقيم على الغضب    كبار القراء ونجوم «دولة التلاوة» يواصلون إحياء الليلة الثانية عشرة من رمضان في المساجد الكبرى    تصعيد الأطماع الإسرائيلية.. بين الأساطير التوراتية وقواعد القانون الدولى    جامعة المنصورة تفتتح الدورة الرمضانية الحادية والعشرين تحت شعار «دورة الوعي والانتماء»    البابا تواضروس الثاني يشارك في إفطار القوات المسلحة احتفالًا بذكرى انتصار العاشر من رمضان    خالد جلال: ياسمين عبد العزيز بتسحرني.. ومحمد سعد بيغني أحسن من مطربين كتير    التوريث فى حد الأقصى توريث محمود    «إفراج» الحلقة 11.. الإعدام يشعل الصراع وعمرو سعد في أصعب اختبار    ضبط 2 طن لحوم غير صالحة في حملة رقابية مكثفة بغرب شبرا الخيمة    معتمد جمال: أطالب الجماهير بالصبر على بانزا.. ولهذا السبب أشركت صبحي    مفتي الجمهورية يوضح جواز قراءة القرآن على الموبايل في حالات معينة    مفتي الديار المصرية يوضح معنى «القوامة» في الإسلام من بيت النبوة    لماذا استغرق النبي 11 عامًا لترسيخ ركن الشهادة؟.. عالم أزهري يُجيب    هل يجوز الصيام لمرضى ضعف عضلة القلب؟    وكيل صحة سوهاج يتفقد سير العمل في مستشفى أخميم    توزيع 1000 كرتونة مواد غذائية من مسجد الحسين للأسر المستحقة    محافظ السويس يتفقد مدرسة الإعدادية بنون بالصباح    القائد العام للقوات المسلحة يتفقد الجاهزية القتالية للمنطقة المركزية العسكرية    وزير الصحة: خطة عالمية لمدة 10 سنوات لتحسين أوضاع مرضى الأمراض النادرة    البنك المركزي يعلن انضمام 32 جامعة أهلية لمبادرة «منحة علماء المستقبل»    معهد الأورام: بدء التسجيل لمؤتمر صيدلة الأورام المقرر إقامته يوم 2 أبريل المقبل    الصحة: اعتماد 4 منشآت طبية متخصصة من «جهار».. خطوة جديدة نحو جودة الرعاية الشاملة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أبو طالب المكى.. قوت القلوب وأحد أعمدة «السالمية»
نشر في الوطن يوم 16 - 07 - 2013

الصوفى والمحدث الذى نقل عنه أبوحامد الغزالى فى «الإحياء»، وصاحب الأدعية العميقة المؤثرة، الذى طالب دوما بالتوكل على الله، وهو السالمى، الذى سار على نهج المتصوف الكبير سهل التسترى، وهو العابد القانت الذى عرف من حوله حسن ختامه لحظة احتضاره، فرحل عن دنيانا تزفه علامات الفرح والامتنان. كتابه العمدة، ومسلكه الذى زاوج فيه بين رحابة أهل التصوف والتزام أهل الأثر، حيث تتعانق المحبة بالتدبير، والحقيقة بالشريعة، هو ما جعل اسمه يوضع فى السلسلة الذهبية لكبار المتصوفة، وجعل كثيرين يستدعون ما تركه، ليوزعوه على أبواب التصوف والفلسفة والفقه والرقائق.
هو أبوطالب محمد بن على بن عطية الحارثى المكى، تعود جذوره إلى خراسان، لكنه تربى فى مكة وهو صغير، واستقر به المقام فى مدينة البصرة العراقية، وبها التحق بالمدرسة السالمية، ثم انتقل إلى بغداد، حيث درس الفقه والوعظ.
والسالمية كما يقول د.عبدالمنعم الحفنى فى «موسوعة الفرق والجماعات والمذاهب والأحزاب والحركات الإسلامية» هى «طريقة صوفية تعود إلى أبى عبدالله محمد بن سالم البصرى، والتى وضع لبنتها أستاذه المتصوف الكبير سهل التسترى، وتقوم على أصول محددة تنطلق من أن الله سبحانه وتعالى هو الخالق، كان ولا يزال، أفعاله قديمة، وهو حاضر وناظر فى كل مكان، يتجلى على الخصوص فى لسان كل قارئ قرآن. ومشيئة الله غير حادثة، وإرادته حادثة بمشيئته. والعبد يصدر عنه الذنب ولم يرده الله، وإبليس كان فى بداية أمره كافرا، ثم صار إلى الطاعة وقنع بما نيط به. والله تعالى يراه المقربون يوم القيامة كما أخبر القرآن، وإنما يكون فى هيئة إنسية محمدية، ويتجلى على الخلق».
ويضيف الحفنى أن السالمية ترى أن «الله موجود فى كل مكان، وبذا يصبح معنى العرش هو الوجود بأسره، وأن الله تعالى لم ير لعبده إلا الطاعة، ولله سر لو كشفه بطل التدبير، وللأنبياء سر لو انكشف بطلت النبوة، وللعلماء سر لو كشفوه بطل علمهم».
وقد سئل أحمد بن سالم عن معنى الحديث «أطيب ما أكل الرجل من كسب يده» فقال: الكسب سنة نبينا عليه الصلاة والسلام، والتوكل حاله، ولذلك شرع الكسب على أمته، وتحدث فى الكسب دون التوكل، لأنه كان يعلم بضعف أمته، وأنها على تقوى على التوكل، وباستطاعتها الكسب.
وترك أبوطالب المكى خلفه كتابا مهما فى رحلة الفكر الصوفى هو «قوت القلوب فى معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد»، والذى كتبه بغية الدفاع عن التصوف فى وجه من قدحوا فيه، وزعموا أنه لا يمثل طريقا سليما للإسلام، وبَيَّن «المكى» فى كتابه هذا كيف أن التصوف يتجلى فيه جوهر الإسلام ولبابه، وكيف أنه يشكل اتباعا وتسليما بتعاليم الرسول الكريم. لكن الخطيب البغدادى قال إن الكتاب احتوى على أشياء منكرة ومستشنعة فى الصفات، رغم حرص «المكى» على أن يصف العبادات بتفصيل دقيق، وبلغ فى هذا شأنا معقولا إلى درجة أن أبا حامد الغزالى، نقل عنه آراء كثيرة من دون أن يحيل إليه، أو يأتى على ذكره كمرجع أو مصدر. كما قام ابن عطاء الله السكندرى بالنقل منه أيضاً. وهناك كتاب آخر له عنوانه «علم القلوب» لكن يوجد من يشكك فى نسب هذا الكتاب أصلا إلى «المكى»، ويقول إنه من تأليف أحد تلاميذه.
ويحوى «قوت القلوب» فصلاً كاملاً فى الحديث عن الإحسان والإيمان والإسلام وما يتفرع عنهما، ويتضمن أيضاً ردا شاملا على المرجئة، ونقض كلامهم بحجج واضحة، لكن أكثر ما يهتم به المتصوفة فى الكتاب هو ما يتعلق بشرح مقام التوكل ووصف أحوال المتوكلين، وهو المقام السابع من أعلى مقامات اليقين، وأشرف أحوال المقربين.
وينقل «المكى» حديثا عن أحد السلف الصالح يقول فيه:
«رأيت أحد العباد من أهل البصرة فى المنام فقلت: ما فعل الله بك؟
قال: غفر لى وأدخلنى الجنة.
قلت: فأى الأعمال وجدت هناك أفضل؟
قال: التوكل وقصر الأمل، فعليك بهما».
وينقل كذلك عن أبى يعقوب السوسى قوله: «المتوكلون على الله تجرى أرزاقهم بعلم الله واختياره على يد خصوص عباده بلا شغل ولا تعب، وغيرهم مكدودون مشغولون».
وقال أيضاً: «المتوكل إذا رأى السبب أو ذُم أو مُدح فهو مدعٍ، لا يصح له التوكل. وأول التوكل ترك الاختيار. والمتوكل على صحة قد رفع أذاه عن الخلق، لا يشكو ما به إليهم، ولا يذم أحدا منهم لأنه يرى المنع والعطاء من واحد، فقد شغله عما سواه».
وسُئل سهل التسترى: ما أدنى التوكل؟
قال: ترك الأمانى، وأوسطه ترك الاختيار.
قيل: فما أعلاه؟
قال: لا يعرفه إلا من توسط التوكل وترك الاختيار.
ويرى كثيرون أن أكثر ما فى كتاب «إحياء علوم الدين» من كلام حسن فهو مأخوذ من «قوت القلوب»، بل يرون أن القوت على ما فيه من خلل، من وجهة نظر الحنبليين، إلا أنه أقل من الإحياء خطراً وخللاً، وهو إن كان مشتملاً فى رأيهم على بعض البدع، لكنه يخلو مما فى الإحياء من الطوام، وتقل فيه الأحاديث الضعيفة والموضوعة مقارنة ب«الإحياء».
وقد اعتمد الغزالى على «القوت» شكلا ومضمونا، ونسج على منواله، وأفاض وأكثر من الروايات والقصص والغرائب والضعاف والموضوعات التى خطها وسردها فى كتاب الإحياء. وبالتالى فإن كان على «قوت القلوب» بعض المآخذ لكنها مآخذ تغتفر له؛ لأنه قد وقع فيها قبله بعض العلماء كما فى مسألة تفسير الإيمان بالإسلام. ورغم أن الغزالى وقع فى مثلها فإن اللاحقين يلقبونه بشيخ الإسلام، ويتعاملون مع الإحياء بشكل مختلف كثيرا عن تعاملهم مع «القوت»، مع أن الغزالى انتهى فى آخر حياته، وبعد «المنقذ من الضلال» صوفيا.
وقد اتهم أعداء «المكى» بأنه «اعتزالى» أفسد على الناس بعض عقيدتهم، بعد أن حفظوا عنه أشياء فيها، فحفظ عنه الناس أقوالا هجروه من أجلها. وقال «العتيقى» إنه قد دخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد له مجلس الوعظ بها، فغلط فى كلام وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق. فقال الناس إنه يبتدع فى الدين، وهجروه، ومُنع من الاتصال بهم، والكلام فيهم.
وقد كان أبوطالب المكى يبيح السماع، فدعا عليه عبدالصمد بن على ودخل عليه فعاتبه على ذلك، فنظر إليه أبوطالب وأنشد:
فيا ليل كم فيك من متعب
ويا صبح ليتك لم تقرب
فزفر عبدالصمد، ثم خرج غاضبا، وراح يحكى للناس أن أبا طالب يبيح السماع، وهو فى نظر عبدالصمد وأضرابه محرما أو على الأقل مكروها.
وقد روى أبوطالب المكى الحديث عن أبى بكر الأجرى، وابن خلاد النصيبى، وأحمد بن ضحاك الزاهد، ومحمد بن عبدالحميد الصنعانى، وعلى بن أحمد المصيصى، ومحمد بن أحمد المقيد، بينما روى عنه كثيرون فى مقدمتهم عبدالعزيز الأزجى. وهناك من يقول إنه قد ترك خلفه أربعين حديثا بخطه، وخرج فيها عن عبدالله بن جعفر بن فارس الأصبهانى إجازة، وفيها عن أبى زيد المروزى من «البخارى»، أولها: «الحمد لله، كنه حمده بحمده».
وقد شهد له كثيرون ووصفوه بأنه كان مجتهدا فى العبادة، وله رياضات روحية، إذ كان يترك جوفه فترات طويلة بلا طعام، حتى تخمد شهواته، وتصفو نفسه. وهو بهذا من «الجوعية» وهم المتصوفة الذين يرون أن جوع البطن يوقظ خلايا الروح، ويزيد من السكينة.
وفى مسائل الأسماء والصفات والقضاء والقدر والإيمان كان المكى على مذهب «أهل السنة والجماعة»، أما تصوفه فيعزى إلى سلوكه، حيث العبادة والقنوت والذكر، وما له من رياضات روحية، يحصل عليها بالجوع والتفكر فى ملكوت الله ومخلوقاته وحكمته وذاته وصفاته وما عليه الناس من أفعال وأحوال.
ولا يعتبر أبوطالب المكى الولاية أمرا مرتبطا بأحوال غريبة، ولا شطحات مستهجنة من قبل المختلفين فى الرأى والموقف، أو فلسفات تنطوى على غرائبية، ولم ير أنها هجر الدنيا أو غلظة المنظر والمظهر، إنما يربطها بالأخلاق الكريمة والرحمة السابغة، انطلاقا من أن «الدين المعاملة» وتطبيقا لآيات قرآنية كريمة مثل «وإنك لعلى خلق عظيم» و«وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين»، ولهذا يقول «المكى»: «الأولياء يعرفون بلطف لسانهم، وحسن أخلاقهم، وبشاشة وجوههم، وسخاء أنفسهم، وقلة اعتراضهم، وقبول عذر من اعتذر إليهم، وتمام الشفقة على جميع الخلائق برهم وفاجرهم». ولا يقصد هنا بقلة الاعتراض، السمع والطاعة لكل أحد، أو مجاراة الناس على ما هم عليه من أخطاء، وعدم ردهم وصدهم، إنما يعنى بها عدم الاعتراض على قدر الله.
وكان «المكى» يعتبر أن أفضل الثبات هو الثبات على الله تعالى. وكان يرى أن هذا يتحقق بالمجالسة له، والإصغاء إليه، والعكوف عليه، وقوة الوجد به، وهذا خصوص للمقربين أو حياء منه أو حب له، أو تسليم أو تفويض إليه، وهو السكون تحت جريان الأقدار وشهودها من الأنعام، ومن حسن تدبير الأقسام فى شهود المسألة والحكمة فيها والقصد بالابتلاء.
ويضيف «المكى» إلى أركان الإيمان الخمسة المعروفة لدينا ركنين آخرين، فإلى جانب الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، يضع أيضاً الإيمان بالقدر، وبالجنة والنار. ويعلق البعض على ذلك بأن الركن السادس استقاه «المكى» من حديث جبريل عليه السلام، لكن الزيادة والغرابة فى الركن السابع الذى هو: الإيمان بالجنة والنار. وأدلة ثبوت الإيمان باليوم الآخر محكمة قطعية، ما تبينه الآية الكريمة: «وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً». أما جعل «المكى» الجنة والنار أصلاً سابعاً، فيفسره البعض على أنه قد قصر الإيمان باليوم الآخر على البعث، والحشر، والنشور، والحساب، وغيره مما يتعلق به، ثم بعد ذلك الإيمان بالجنة والنار، فكأنه أصل آخر، وهو فى الحقيقة تابع له، وبذا فليس فى كلامه أمر جديد أبدا.
وقد حوى «قوت القلوب» أدعية عميقة رائقة، تبعث على الخشوع لله، وتظهر تذلل العبد إلى ربه، وحبه له، والتعويل عليه، مثل:
«اللهمَّ يا هادى المضلين ويا راحم المذنبين ومقيل عثرة العاثرين، ارحم عبدك ذا الخطر العظيم والمسلمين كلهم أجمعين، واجعلنا مع الأحياء المرزوقين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين».
«اللهم إنى أسألك قلباً سليماً ولساناً صادقاً وعملاً متقبلاً، أسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب».
«اللهم إنى أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، وقرة عين الأبد، ومرافقة نبيك محمد، وأسألك حبك وحب من أحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك، اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على خلقك، أحينى ما كانت الحياة خيراً لى، وتوفنى ما كانت الوفاة خيراً لى، أسألك خشيتك فى الغيب والشهادة، وكلمة العدل فى الرضا والغضب، والقصد فى الغنى والفقر، ولذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة».
«اللهم ارزقنا حزن خوف الوعيد وسرور رجاء الموعود حتى نجد لذة ما نطلب وخوف ما منه نهرب، اللهم ألبس وجوهنا منك الحياء واملأ قلوبنا بك فرحاً، وأسكن فى نفوسنا من عظمتك مهابة، وذلل جوارحنا لخدمتك، واجعلك أحب إلينا مما سواك؛ واجعلنا أخشى لك ممن سواك، نسألك تمام النعمة بتمام التوبة، ودوام العافية بدوام العصمة، وأداء الشكر بحسن العبادة».
«اللهم عالم الخفيات رفيع الدرجات، تلقى الروح بأمرك على من تشاء من عبادك، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذا الطول لا إله إلا هو أنت الوكيل وإليك المصير، يا من لا يشغله شأن عن شأن ولا يشغله سمع عن سمع، ولا تشتبه عليه الأصوات، ويا من لا تغلطه المسائل ولا تختلف عليه اللغات، ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين.. أذقنى برد عفوك وحلاوة رحمتك».
«اللهم ارحم ما خلقت واغفر ما قدرت وطيب ما رزقت وتمم ما أنعمت وتقبل ما استعملت واحفظ ما استحفظت ولا تهتك ما سترت فإنه لا إله إلا أنت، أستغفرك من كل لذة بغير ذكرك من كل راحة بغير خدمتك ومن سرور بغير قربك، ومن كل فرح بغير مجالستك ومن كل شغل بغير معاملتك».
«اللهم ارزقنا العون على الطاعة، والعصمة من المعصية، وإفراغ الصبر فى الخدمة، وإيذاع الشكر فى النعمة، وأسألك حسن الخاتمة، وأسألك اليقين وحسن المعرفة بك، وأسألك المحبة وحسن التوكل عليك، وأسألك الرضا وحسن الثقة بك، وأسألك حسن المنقلب إليك».
«اللهم إنى أستغفرك من كل ذنب تبت إليك منه ثم عدت فيه، اللهم إنى أستغفرك من كل عقد عقدته ثم لم أوف به، اللهم إنى أستغفرك من كل نعمة أنعمت بها على فقويت بها على معصيتك، اللهم إنى أستغفرك من كل عمل عملته لك فخالطه ما ليس لك».
«اللهم إنى أسألك بركة الحياة وخير الحياة، وأعوذ بك من شر الحياة وشر الوفاة. وأسألك خير ما بينهما، أحينى حياة السعداء: حياة من تحب بقاءه، وتوفنى وفاة الشهداء: وفاة من تحب لقاءه، يا خير الرازقين وأحسن التوابين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين ورب العالمين».
«اللهم اغفر لى ولوالدى ولمن ولدا وارحمهما كما ربيانى صغيرا، واغفر لأعمامنا وعماتنا، وأخوالنا وخالاتنا وأزواجنا وذرياتنا ولجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات يا أرحم الراحمين يا خير الغافرين».
«اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد وأصلح أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، واللهم فرج عن أمة محمد فرجاً عاجلاً، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل فى قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم».
وتوفى أبوطالب المكى فى جمادى الآخرة سنة 386ه/ 998م ودفن فى الرصافة بالعراق وعن لحظة احتضاره قال أبوالقاسم بن بشران: دخلت على شيخنا أبى طالب، فقال: إذا علمت أنه قد ختم لى بخير، فانثر على جنازتى سكرا ولوزا، وقل: هذا الحاذق، وقال: إذا احتضرت، فخذ بيدى، فإذا قبضت على يدك، فاعلم أنه قد ختم لى بخير، فقعدت، فلما كان عند موته، قبض على يدى قبضا شديدا، فنثرت على جنازته سكرا ولوزا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.