بعض الأمور حين نرتكبها لا نستطيع محوها قول مأثور اختيار المعركة الصحيحة بالمعنى السياسى ربما يحسم نسبة قد تصل الى 50 % من نسب الانتصار فى هذه المعركة . بينما اختيار المعركة الخطأ قد يمثل أولى خطوات الهزيمة فى تلك المعركة . وبالطبع لا يعنى الانهزام فى معركة ما ؛ الخروج بالضرورة نهائياً من الملعب . ولكنه على الأغلب قد يعنى الجلوس إلى فترة طويلة على دكة الاحتياطى . أقول هذا وعينى على انتخابات الرئاسة , التى تم تعديل خارطة المستقبل من أجلها لتكون قبل الانتخابات البرلمانية . وكانت الفلسفة التى تكمن خلف هذا التعديل تتمثل فى الحفاظ على الاصطفاف الوطنى الذى نتج عن 30 يونيو 2013م ؛ وعدم التضحية بهذا الاصطفاف فى خضم المنافسة على مقاعد البرلمان التى قد تؤدى إلى انقسام الشارع من أجل أهداف حزبية أو فئوية وليست بالضرورة وطنية . وكان الضامن لنجاح هذه الفلسفة أن تتوحد كل القوى الثورية خلف مرشح واحد يمثل أهداف الثورة ؛ حتى وإن اقتصرت الانتخابات عليه دون غيره ؛ باعتبار أن التوحد فى هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ الثورة هو حصن الأمان فى ظل التربص من جماعة إرهابية بالداخل وأذرعها الراعية لها فى الخارج . ولكن يبدو أن البعض لا يتعلم من دروس الماضى القريب أو حتى الحاضر المقيم . ولئن كان هذا البعض من الشباب الثورى الذى يغلب عليه الحماس ؛ فإننا قد نلتمس لهم العذر . ولكن عندما يكون هذا البعض من المحسوبين على الصف الأول من اللاعبين السياسيين ؛ فإننا نلتمس لأنفسنا نحن العذر فى الكفر بسقطاتهم وفشلهم المزمن فى إدراك الحقائق السياسية الساطعة فى سماء الوطن والمستقرة على أرضه . ولقد أصابتنى خيبة الأمل ؛ عندما شاهدت حمدين صباحى يعلن ترشحه للرئاسة بتاريخ 8 فبراير 2014م ؛ وخلفه اثنين من رموز حركة تمرد . لإننى أيقنت وقتها بأن الدوامة التى عشنا فيها لمدة عامين ونصف قبل 30 يونيو 2013م نتيجة عدم القدرة على الاصطفاف خلف المصلحة الوطنية ؛ هذه الدوامة قد عادت تدور من جديد لتبلع بداخلها كل عوامل الاستقرار والتوحد التى كان يمكن الحفاظ عليها ؛ لو ارتفع البعض فوق نواقص كبريائه السياسى . لا أعلم بصدق ؛ لماذا لا يرى حمدين صباحى نفسه إلا رئيساً ؟!!!! ولا أعرف , لماذا تراجع فجأة عن مقولته الناصرية الشهيرة بأن : الشعب هو المُعلم ؟!! ألم يسر حمدين صباحى فى شوارع مصر وحاراتها وميادينها وساحاتها ؛ ليرى بأم عينيه ويسمع بإذنيه قدر الشعبية التى يتمتع بها المشير السيسى فى قلوب الملايين من المصريين . فلماذا يتحدى عاطفة الشعب ( المُعلم ) ولن أقول إرادته ويصر على الزج بهذا الشعب فى منافسة عبثية تربكه وتعكر عليه صفو اصطفافه خلف رجل تراه الجماهير باعتباره الزعيم الوطنى المناسب لهذه المرحلة . ولماذا يتم شق صفوف حركة وطنية شبابية ملهمة مثل حركة تمرد ؛ لينفرط عقدها ويتنابذ رموزها ؛ من أجل الدخول فى المعركة الخطأ . نعم .. المعركة الخطأ ؛ المعركة الخطأ , المعركة الخطأ .... بالتلاتة . فأى رجل سياسة يمتلك عقلاً راجحاً وقدرة على قراءة الحقائق والمخاطر على الأرض ؛ ينبغى أن يجعل شاغله الشاغل هو الحفاظ على الاصطفاف الوطنى ؛ ويتقدم كجندى ليشغل الموقع الذى تحتاجه المصلحة الوطنية وليس المقعد الذى يطمح إليه كبريائه السياسى . المعركة الخطأ ؛ تتمثل فى السير عكس اتجاه الجماهير ؛ وإرباكها ؛ والدخول فى منافسة مع رجل استطاع أن يوحد خلفه غالبية المصريين . فالمشير السيسى هو الذى يمثل الرقم الصحيح الذى يضيف إلى رصيد الخطوات المطلوبة لتحقيق أهداف الثورة ؛ انطلاقاً من شعبيته الجارفة التى ستجعل انتمائه لمطالب الشعب بمثابة ترجمة بالضرورة لهذه المطالب . ولذلك فإن منافسة السيسى فى انتخابات الرئاسة تمثل المعركة الخطأ ؛ التى ستشق الاصطفاف الوطنى ؛ وتجعل قطاعاً من التيار الثورى خصماً للرجل الذى يقف وراءه قطاع عريض من الشعب , فتصبح الفرصة متاحة لفلول النظام السايق لينفذوا إلى الرجل أويتجمعوا حوله أو يسدوا الفراغ الذى نشأ عن ابتعاد مجموعة من رموز الثورة عنه . ولكن إذا كانت منافسة المشير السيسى فى انتخابات الرئاسة هى المعركة الخطأ ؛ فما هى المعركة الصحيحة ؟ المعركة الصحيحة من استقراء الأحداث والحقائق فى الملعب السياسى , تتمثل فى معركة الانتخابات البرلمانية . نعم الانتخابات البرلمانية .. التى ينبغى أن تستعد لها كل الفصائل المخلصة لأهداف الثورة تحت لواء واحد يضم الجميع وليس ألوية متنافسة , لمواجهة تيار الاسلام السياسى او فلول النظام السابق الذين يمتلكون المال السياسى العابر للحدود والخارق للذمم . لاسيما وأن الدستور الجديد يعطى سلطات لمجلس الوزراء فى مواجهة سلطات رئيس الجمهورية ؛ بما يجعل منصب رئاسة الوزراء رقم لا يمكن تجاهله فى معادلة تحقيق أهداف الثورة , ويجعل الأغلبية البرلمانية التى ستشكل الحكومة هى القاعدة التنفيذية والتشريعية الضامنة لتحقيق هذه الأهداف . إذن المعركة الصحيحة هى معركتنا الحقيقية , التى لا تتمثل فى انتخابات الرئاسة وإنما فى الانتخابات البرلمانية . وليسمح لى حمدين صباحى بأن أسأله : ماذا سيفعل هو وتياره الشعبى عندما يثبت لهما الشعب المُعلم بأن تحدى اختياراته العفوية سيكون لها ثمن فادح سيدفعانه من شعبيتهما الجماهيرية . فيخسر الوطن بذلك قطاعاً من رموز الثورة وجنودها فى معركتنا الحقيقية ؛ معركة الانتخابات البرلمانية . ولماذا يصبح حمدين صباحى منافساً للسيسى بينما يمكن أن يصبح رئيساً للوزراء أو وزيراً ثورياً ؛ لو حشد فكره وجهده مع مناصريه فى تكوين تحالف مدنى ثورى قوى من كل الأحزاب الوطنية غير المتأسلمة ؛ فيحصل هذا التحالف على الأغلبية البرلمانية ويفوز بتشكيل الحكومة. لماذا يتحالف حمدين صباحى دائما مع التيار الخطأ مثلما انضوى مع جماعة الإخوان تحت لواء ( التحالف الديمقراطى من أجل مصر ) فى انتخابات برلمان 2011م ؛ فخدعوه . ولم يكلف نفسه عناء التحالف مع ( الكتلة المصرية ) أو تحالف ( الثورة مستمرة ) . ربما يسطر حمدين صباحى بخياراته الخاطئة وقصر نظره السياسى الذى يجعله دائما يتصدى للمعركة الخطأ ؛ ربما يسطر نهاية تاريخه السياسى ؛ ليصير المرشح الرئاسى الذى خسر مرتين ؛ وبالطبع لن تكون هناك مرة ثالثة . ولكنه هذه المرة لن يخسر فقط مقعد الرئاسة ؛ بل سيخسر ثقة الجماهير إن لم يكن احترامها . ***** دكتور / محمد محفوظ [email protected]