"سألوذ بحضنك من جهلي.. من شهواتي..أدعوك تعال.. ففي قلبي شوق غامر..لن أخشى الموت فقد صرت أنت حياتي.. وبقربك يولد في عمري عمر آخر.. إلهي أنت أحمدك".. هذه كلمات إحدى القصائد الدينية التي اشتهر بها الفنان المرنم ماهر فايز في مناجاته لربه من خلال صوته العذب الذي يسبح في بحور مدرسته الصوفيه ومنهجهه الذي يرسم حياته . كان ماهر فايز قد أعلن منذ أيام عن انطلاق فعاليات أول مدرسة متخصصة في التصوف المسيحي، والذي قال عنها "المدرسة ستأخذ المتدربين فيها إلى رحلة من النمو والارتقاء، من خلال التعلم والفهم عن التصوّف، مرورًا بتاريخ الروحانية المسيحية لمعرفة الفرق بين التصوّف المسيحي والأديان الأخرى". وأكد "المرنم الصوفي" أحد أبناء حي شبرا بالقاهرة ومواليد عام 1962 أنه كان يعيش قبل التصوف حياه بعيدة عن الله تملأها الشهوات والخطايا والتي ذكرها في أحد حوارته قائلاً " كنت أقوم بالغناء والتلحين، وكنت أعيش حياة ملؤها اللذة، وإشباع الشهوات ، حتي أنني كنت أنوى تغيير اسمى ليكون ماهر سيد زكى حتى أكون مطرباً مُعتمداً فى الإذاعة، وفى أثناء ذلك كان والدى لا يكف عن الصلاة من أجلى". وتابع "فى إحدى الليالى سهرت مع أصدقائى في شقة أحدهم حتى الفجر، وكنا نتعاطى الخمور والمسكرات وكان فى هذه الشقة صوراً لبعض القديسين وأيضاً صورة للسيد المسيح، معلقة على الحوائط، وبدأ أحد السكارى يستهزئ بالصور وفجأة وجدت نفسى أثور على هذا الشخص المستهزئ، ثم قمت ونزلت تاركاً الشقة بمن فيها وجلست فى الشارع لبعض الوقت وصرت أبكى، وأنا متضايق من حالة الشر التى أعيش فيها، وشعرت بأني لن أطيق الاستمرار فى حالة الخطية، وعندما وصلت البيت، وجدت والدى راكعاً يصلى لأجلى بدموع، ووجدت نفسى أركع بجواره وأصلى معلناً توبتى، ومنذ ذلك وقت وقد أعلنت ترك الغناء". الصوفية المسيحية بدأت العلاقة بين فايز والتصوف المسيحي حينما درسه وتخصص فيه منذ عام 1987، وقام بعد ذلك بوضع منهج له في مدرسة "الكاروز" للعبادة الروحانية، وأشار إلي أن ظاهرة التصوف المسيحي ليست حديثة، بل لها تاريخ طويل يعود إلى القرون الميلادية الخمسة الأولى. وتابع "عندما ظهرت مجموعة من الروحانيين المسيحيين ذكرهم التاريخ المسيحي بعد ذلك على أنهم معلمو اللاهوت الروحي وهم أوريغانوس، وأنطونيوس، وباسيليوس الكبير، غريغوريوس النيصي، وغريغوريوس الثيؤلوغوس، وأمبروسيوس، وأغسطينوس، وهؤلاء السبعة هم أصحاب أغلب نصوص العبادة اللاهوتية والشروحات الروحية، وهم أول من بدأوا التصوف المسيحي من خلال القراءة الروحية والتأويل الرمزي والمجازي للنص المقدس". وأضاف: ظهرت بعدهم مجموعة أخرى من القساوسة والكهنة الذين ساروا على دربهم في التصوف المسيحي وتعاليمهم، وعلى رأسهم غريغوريوس بالماس، ويوحنا الصليبي، وتيريز الأفيلية، وقديسي جبل آثوس باليونان، والأب المصري متى المسكين. وفي تصريح له عرّف "فايز" التصوف المسيحي بأنه أحد فروع العلوم اللاهوتية، وقال "التصوف يتناول تحديداً اللاهوت الروحي، وهو كل ما يختص بحركة الإنسان الداخلية وذلك تجاوباً مع محبة الله وحكمته المتجسدة في المسيح، ومن الممكن أن نعرف التصوف المسيحي بشكل أدق بأنه الخبرة الروحية الشخصية مع الله". الكنيسة والتصوف وأشار المرنم القبطي إلى أن التصوف المسيحي ابتعد عن دائرة الضوء فترة طويلة حتى أن بعض المسيحيين لا يعلمون بوجود تصوف في دينهم، مرجعاً ذلك إلى أن "المؤسسة الكنسية تسعى إلى إقصاء التصوف لكونه حركة فاضحة لسطحية التعليم الروحاني". ويرى "فايز" أن التصوف هو الجسر الإنساني الذي شيدته القلوب المحبة بين الإنسان وأخيه، قبل أن يكون بين الإنسان والله، مضيفاً "التصوف هو الجسر الآمن للتعرف على الحقائق الإيمانية لكل ديانة، دون إقصاء أو تكفير أو تحقير للآخر". وأشار إلي أن للتصوف المسيحي أربعة معالم رئيسية أولها التركيز على جوهر العبادة لا على شكلها، مع توجيه القلب لله وحده؛ وثانياً مركزية شخص المسيح كطريق يأتي من الله ليحمل الإنسان إليه ولا ينطلق من الإنسان ليتحرك ناحية الله، ثالثاً محورية لاهوت الخلاص إذ تبدأ منه الروحانية، ورابعاً وأخيراً ممارسة العبادة بفرح بسبب حضور المسيح بنفسه وسط العابدين كقائد وموجه لهم. التصوف الإسلامي والمسيحي ويرى فايز أن هناك ما يميز التصوف المسيحي عن التصوف الإسلامي، ويشكل فرقاً جوهرياً بينهما،"في التصوف المسيحي يتم التواصل المباشر لله مع الإنسان، حسبما أعلن الوحي في المسيحية عن تجسد الله وظهوره كإنسان أو اتحاده بالإنسان، وهذا يخالف العقيدة الإسلامية كلها وليس الصوفية الإسلامية فحسب". وتابع "التصوف المسيحي يلتقي من نواحٍ أخرى بنظيره الإسلامي في الإبداع الإنساني الأدبي والفني والفكري، حيث يتحرك الإنسان ناحية المعبود حباً وتقديساً وزهداً للاغتناء به والاتكال عليه والصبر له". وأوضح فايز أن ممارسات الصوفية المسيحية لا تختلف كثيراً عن نظيرتها الإسلامية إذ إنها عبارة عن إبداع حبي لله وتعبير عن هذا الحب بكل الطرق والوسائل بداية من التعبير بالشعر، أو بحركات الجسد أو من خلال استخدام الموسيقى، على أن يكون هذا التعبير تحت إشراف شيخ متقدم وهو، في المسيحية، شخص له خبرات واسعة في التصوّف ويقود الصوفيين ويعلمهم الزهد في العالم، والاتكال على الله والصبر له. حفلات الإنشاد والترنيم في السنوات الماضية شارك فايز في فكرة الجمع بين الإنشاد الإسلامي والترانيم المسيحية بحفلات مشتركة مستعيناً في ذلك بزميله المنشد علي الهلباوي ومن خلال فرقة "الكاروز" التي أسسها صليب فوزي كرؤية جديدة للمزج بين الألحان القبطية والأشعار والأغاني الصوفية والمديح، وقدمت الفرقة أغنية "كيريالايسون" في تناغم موسيقي ومزج بين صلاة كيريالايسون القبطية وأسماء الله الحسني، وهدف إلى أن تكون رسالة هذا العمل روح مصرية تغني للسلام وتخاطب كل فئات المجتمع وتركز علي فكرة حب الله ذاتها. وعلق فايز علي مشاركته في هذه الحفلات قائلاً إنه يهدف إلي تقديم فن يدعوا إلى التلاحم والعمل تحت شعار "مصر فقط" ونبذ أى محاولة تفرقة بين المواطنين والتأكيد أن الفن يجمع المصريين بمختلف انتمائهم. رسائل السلام وفي أغسطس 2015 شارك المنشد الصوفي، زين محمود، مع المرنم القبطي ماهر فايز، في صنع لوحة جمالية تبعث رسائل السلام من على خشبة مسرح الفلكي بقلعة صلاح الدين، وذلك خلال افتتاح مهرجان الموسيقى والغناء بالقلعة في دورته الرابعة والعشرين. وفي هذا الحفل مزج "زين" و"ماهر" ما بين الصوفية الإسلامية والترانيم القبطية، لأول مرة في تاريخ فرقة "كايرو ستيبس" التي افتتحت المهرجان، حيث تغنى المطربان بأغنية جديدة أعدوها خصيصًا للمهرجان تحت عنوان "سيوة"، وظهر في أداء الأغنية حالة من الانسجام والتآخي ما بين المطربين، الأمر الذي نقل حالة السلام الروحي إلى الجمهور الذي استمتع بالأغنية. ولم يقتصر موقف فايز في نقل رسائل السلام من خلال الأغاني فقط وإنما قام قبل ذلك في أغسطس 2013 عقب فض اعتصام رابعة والنهضة والاعتداء علي الكنائس بتوجيه رسالة لجماعة الإخوان المسلمين عبر شبكة التواصل الاجتماعي "فيس بوك" قال فيها "لا تحرق كل الكنائس ربما تحتاج في وقت أن تلجأ إليها .. ستجد قلوبا محبة.. تغفر وتحمي وتنسى".