خرجت ماجى من منزلها فى ذلك الصباح، مثلها مثل مئات الأطفال التى يخرجون فى الميعاد نفسه للذهاب إلى المدرسة، ارتدت الزى المدرسى، ووضعت حقيبتها المحملة بالكتب، فوق ظهرها المحنى من ثقل الأفكار التى تحويها الكتب فى نظام تعليمى قتل ذكاء الطفل المصرى، توجهت إلى مترو الأنفاق كالعادة، لتذهب إلى مدرستها فى حلمية الزيتون، فالمترو بالنسبة للسيدات والفتيات الصغيرات يكاد يكون الوسيلة الأكثر أمنا فى ظل مجتمع تمخض فأخرج ماردا اسمه التحرش الجنسى، ركبت ماجى التى لا يتجاوز عمرها الثلاثة عشر عاما عربة السيدات الأكثر أمنا للصغيرات، لم تعبأ بالزحام اليومى الذى تعودت عليه، ولا طول المسافة بين منزلها الكائن فى عزبة النخل ومدرستها فى حلمية الزيتون، ولم يلفت نظرها تلك المرأة المنتقبة التى دفعتها لتركب المترو ولم تعتبرها مجرد طفلة فى عمر أبنائها، كانت تنظر إليها نظرات لم تفهمها ماجى، التى سألتها فى براءة عن سر تلك النظرات التى لا ترى من وجهها سواها، فأجابتها المنتقبة: (إنت متعرفيش أنا هعمل فيكى إيه دلوقتى)، كان على الطفلة أن تبتعد عنها قدر الإمكان، لا أن تنظر إلى نظراتها التى أشعرتها بخوف برىء لا يخرج إلا من طفلة، فأعطتها ظهرها، ولم تلتفت إليها تماما، حتى بعد أن شعرت بشيء ما يعبث فى شعرها، أثرت السلامة وغضت البصر، ولم تستطع الابتعاد عنها كون عربة المترو كانت أشبه «بعلبة السردين»، وعندما جاءت محطة النزول، هبطت من المترو وهى تتنفس الصعداء، الآن فقط تخلصت من تلك النظرات العنصرية الكارهة لكل ما هو مدنى (ولا أقول قبطى)، وبعد النزول، فوجئت بشعرها ملقى فوق ياقة الجاكيت الذى كانت ترتديه فوق زيها المدرسى.
صدمة ماجى، منعتها عن الأكل، والكلام، عبارات ثقيلة، خائفة خرجت من بين شفتيها لتشرح لوالدتها الوضع، ثم التزمت حجرتها، لم تبك، بينما ظلت الدموع متحجرة ونظرات السيدة المنتقبة تطاردها حتى إن وضعت الوسادة فوق رأسها، وحتى إن أغمضت عينيها.. فنظرات حاقدة، لا تخلو من العنصرية، لا ينساها طفل بسهولة.
لم يكن أمام أسرة ماجى سوى الذهاب لقسم الشرطة وتحرير محضر بالواقعة حمل رقم (3841 لسنة 2012) بقسم الزيتون، مناشدين وزير الداخلية بسرعة ضبط السيدة المنتقبة التى أدلت الطفلة بشكل عينيها التى لم تر سواهما.
هذا ما حدث يوم الثلاثاء الماضى، وأغلب الظن أن الشرطة لن تتمكن من الوصول إلى تلك المنتقبة، فكم من الجرائم ترتكب باسم النقاب، فكيف يعثرون على امرأة خبأت وجهها عن العالم، ليبقى سلوكها القبيح وممارساتها ضد طفلة فى عمر الزهور.
ما حدث لماجى، سيجعلها حتما تكره المسلمين، لن تنشأ نشأة سوية فى مجتمع يمارس الاضطهاد ضد الأقباط، هكذا ستظن، ستظن أن كل المسلمين بهذا القدر من التخلف العقلى والمرجعية المتشددة التى لا تسمح بالآخر، لن تدرك أن ذلك التصرف من تلك المرأة، هو سلوك مرضى، وعدوانى تستحق عليه الذهاب إلى أقرب عيادة للأمراض النفسية، مجرد سلوك فردى، لسيدة وضعت الوشاح فوق عقلها قبل أن تضعه على وجهها، فليس كل المسلمين بهذه البشاعة، ولا يعبر ذلك التصرف عن سماحة الإسلام فى شىء، فالإسلام للأسف تحول على أيدى المتأسلمين من دين سامى، إلى دين مظهرى، لا يضم سوى من ربى ذقنه، ومن خبأت وجهها هم فقط، من يمثلونه، ويمارسون العنصرية الدينية على الجميع، سواء كانوا على نفس ديانتهم، أو أصحاب ديانات أخرى.
إذا رجعنا إلى النظرية الأشهر فى علم النفس، وهى نظرية « الدوافع»، التى تفسر كل تصرف يقوم به الإنسان على أنه سلوك، والسلوك هو أى فعل أو رد فعل يقوم به الإنسان ويكون قابلا للملاحظة، سندرك أن دافع تلك المرأة هو الانتقام، تنتقم من الأقباط فى طفلة صغيرة لم تر من الدنيا قبحها ووحشيتها، الانتقام منهم لأنهم صاروا جالسين على قلوبهم فى بلد تحولت إلى حكم إسلامى، ينادى فيه بتطبيق الشريعة الإسلامية، اعتبرتها ضيفة ثقيلة فى بلدها، ضيفة لا تسير بمنطق وأخلاق المجتمع الإسلامى الذى أنعم عليها بالمواطنة والعيش معهم فوق نفس الأرض وتحت ذات السماء، فهى كى تبقى سالمة لابد أن تخبئ « صليبها» وتدفن وجهها فى ثوب من القماش.!
يتحول المجتمع المصرى فى ظل خروج من يستغلون الدين من جحورهم إلى مجتمع مادى، يبحث عن الربح، فتلك المنتقبة قد يكون هناك من أفهمها أن قص شعر فتاة قبطية قد يدخلها الجنة، أو يثنى الفتاة عن الكفر – فى وجهة نظرها – كونها ذات ديانة أخرى، صار الدين فى عهد الإسلاميين، أغلى سلعة.. وأسهل وسيلة للربح، يكفى أن تطلق اللحية، وتحك رأسك فى سجادة الصلاة بقوة حتى تظهر الزبيبة، ثم تقرأ كتابين من شيوخ التطرف الذين لا يعبرون عن الدين حتى تقود الناس، لكن.. مصر لن تكون ذلك البلد الذى يصمت على من يطغون فى البلاد ويعيثون فى الأرض فسادا.. باسم الدين.