فند مرصد الأزهر لمكافحة التطرف، إحدى الشبهات المثارة حول الاختلاط في الحج بين الرجال والنساء، إذ زعم البعض أنه إذا كان الاختلاطُ مباحًا في الحج فلِمَ لا يُباح في الصلاة، حتى يمكنَ للمرأة أن تُصلي بجوار الرجل؟!! ورد مرصد الأزهر على هذه الشبهة، قائلا: "إن الاختلاط بين الرجال والنساء أباحه الإسلام بضوابطَ مشروطةٍ حين تدعو إليه الحاجة أو الضرورة، فالإسلام يسعى لغلق أبواب الفتن، وعدم إشاعة الفواحش". وقال المرصد، إنه حين نطالع التاريخَ الإسلاميَّ، ونرى المجتمع النبوي كيف كان يعيش، فإننا سنرى أننا أمامَ مجتمع طاهر نقيٍّ لا تُزَاحِمُ النساءُ فيه الرجالَ أو العكس، ومع هذا فلهنَّ كامل الحقوق التي يتمتع بها الرجال، فالنساء شقائق الرجال. واستشهد المرصد، بما رواه الشيخان البخاري (9/ 101)، ومسلم (4/ 2028) في صحيحيهما -واللفظ للبخاري بسنده- «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قال: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ: «اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا»، فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ...» كما كانت المرأةُ تشارك في الحروب، وتحضُر الأعيادَ، وتخرجُ إلى الصلوات ... إلخ، لكن مع التأدُّبِ بآدابِ الشريعة الغرَّاء؛ ففي الصلوات –مثلًا- يَكُنَّ آخرَ الصفوف، لا تختلط صفوفُ الرجالِ بصفوف النساء، ولا يدخلن أو يخرجن مع الرجال. وذكر أن الأمر فى الحج فيسير على النَّهْجِ نفسِهِ، لا مخالطةَ، ولا تداخُلَ بين الرجال والنساء، بل كان الرجال يخرجون من البيت الحرام؛ لتدخلَ النساءُ، فَيَطُفْنَ بالبيت من غير مزاحمةِ الرجالِ لهُنَّ. وتابع: "أخرج الإمام البخاري في صحيحه (2/ 153) بسنده «عن ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ: إِذْ مَنَعَ ابْنُ هِشَامٍ النِّسَاءَ الطَّوَافَ مَعَ الرِّجَالِ، قَالَ: كَيْفَ يَمْنَعُهُنَّ؟ وَقَدْ طَافَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الرِّجَالِ؟ قُلْتُ: أَبَعْدَ الحِجَابِ أَوْ قَبْلُ؟ قَالَ: إِي لَعَمْرِي، لَقَدْ أَدْرَكْتُهُ بَعْدَ الحِجَابِ، قُلْتُ: كَيْفَ يُخَالِطْنَ الرِّجَالَ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ، كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَطُوفُ حَجْرَةً مِنَ الرِّجَالِ، لاَ تُخَالِطُهُمْ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: انْطَلِقِي نَسْتَلِمْ يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، قَالَتْ: «انْطَلِقِي عَنْكِ»، وَأَبَتْ، يَخْرُجْنَ مُتَنَكِّرَاتٍ بِاللَّيْلِ، فَيَطُفْنَ مَعَ الرِّجَالِ، وَلَكِنَّهُنَّ كُنَّ إِذَا دَخَلْنَ البَيْتَ، قُمْنَ حَتَّى يَدْخُلْنَ، وَأُخْرِجَ الرِّجَالُ، وَكُنْتُ آتِي عَائِشَةَ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَهِيَ مُجَاوِرَةٌ فِي جَوْفِ ثَبِيرٍ، قُلْتُ: وَمَا حِجَابُهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، لَهَا غِشَاءٌ، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَرَأَيْتُ عَلَيْهَا دِرْعًا مُوَرَّدًا»، فقول عطاء: «لَمْ يَكُنَّ يُخَالِطْنَ...» وما بعده صريحٌ في أن النساء لم يكن يخالطن الرجال في الطواف بالبيت. وأكد أن الزعم المطروح من أن الاختلاطَ في الحجِّ مُبَاحٌ هو طرح خاطئ، لكنْ، لكَ أن تقولَ: إنَّ الواقع الآن يثبت أن هناك اختلاطًا –فعلًا- بين الرجال والنساء؟!! وهذا صحيح، لكنه ليس الأصل، بل جَازَ للحاجة أو الضرورة؛ لأجلِ التزاحمِ الشديدِ الموجودِ الآن، وأيضًا: فكثيرٌ من الرجال يصطحبون معهم نساءهم، ويخافون الفتنةَ عليهنَّ من الفُسَّاقِ وأصحابِ النَّوَايا السيئةِ الذين يوجَدون في كلِّ مَكَانٍ وزمانٍ، فلا يتركونهنَّ سلعةً أمامَ مَنْ فسدتْ نواياهم، وساءتْ طواياهم بحجة عدم الاختلاط!!