أكد الشيخ الدكتور عبدالمحسن بن محمد القاسم، إمام وخطيب المسجد النَبَوِيّ، على أهمية حسن ظنّ العبد بخالقه سبحانه، الذي بيده كل شيء، رزقه وصلاح أمره كله. وأوضح « القاسم» في خطبة الْجُمُعَة التي ألقاها اليوم بالمسجد النَبَوِيّ الشريف، أن من ثمار الإيمان بأسماء الله وصفاته حسن الظنّ به جلّ وعلا، والاعْتِمَاد عليه وتفويض الأمور إليه. وبين ثمرة حسن الظنّ بالله في العديد من المواقف، مُشِيرًَا إلى سيّر الرسل عليهم السلام الذين نالوا المنزلة الرفيعة في معرفتهم بالله ففوّضوا أمورهم إِلَيْهِ حسن ظنٍ منهم بربهم، فإبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ ترك هاجر عند البيت وليس بمكة يومئذٍ أحدٌ، وليس بها ماء ثمّ ولّى إبراهيم منطلقًا فتبعته وقالت: "يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي، الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقَالَتْ له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله الذي أمرك بهذا؟ قال, نعم, قَالَتْ: إذن لا يضيعنا" رواه البخاري، فكان عاقبة حسن ظنها بالله مَا كان، فنبع ماء مبارك, وعمر البيت، وبقي ذكرها خالدًا، وصار إسماعيل نبيًا، ومن ذريته خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. وأَفَادَ أن بني إسرائيل لحقهم من الأَذَى مَا لا يطيقون، ومن عظم الكرب يبقى حسن الظنّ بالله فيه الأمل والمخرج، فقال موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ لقومه: «اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ قَالُوا أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ». وتابع: واشتد الخطب بموسى عَلَيْهِ السَّلَامُ ومن معه، فالبحر أمامهم وفرعون وجنده من ورائهم وحينها «قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ»، فكان الجواب من النبي الكليم شاهدًا بعظيم ثقته بالله وحسن ظنّه بالرب القدير: في قوله تعالى: «قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ»، فأتى الوحي بما لا يخطر على بال، كما جاء بقوله تعالى: «فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِين ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ». وأضاف أن أعظم الخلق عبودية لله وحسن ظنٍ به، نبينا محمد صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، آذاه قومه فبقي واثقًا بوعد الله ونصره لدينه، قَالَ له ملك الجبال إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ويوحده، لا يشرك به شَيْئًَا» رواه البخاري. ودلل على ذلك بأنه -صلى الله عليه وسلم- في أشد الضيق وأحلكه لا يفارقه حسن الظنّ بربه؛ إِذْ أخرج من مَكَّة وفي الطريق أوى إلى غار فلحقه الكفار وَإِذَا بهم حوله، فيقول لصاحبه مثبتًا إياه: «لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا» قَالَ أبو بكر الصديق رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: (قلت للنبي صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثْنَيْنِ الله ثالثهما» رواه البخاري، ومع مَا لاقاه من أَذَى وكرب وإِخْرَاج من بلده وقتال من كل جانب، إلا أنه واثق ببلوغ هذا الدين إلى الآفاق على مرّ العصور، وكان يقول: (ليبلغن هذا الأَمْر مَا بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدرٍ ولا وبرٍ إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل) رواه أحمد. وأشار إلى أن الصحابة رضوان الله عليهم أشد الخلق يقينًا بحسن ظنّهم بالله بعد الأنبياء، فقال تعالى: «الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» الآية 173 من سورة آل عمران، موردًا قول عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: «أمرنا رسول الله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًَا أن نتصدّق فوافق ذلك مالًا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يَوْمًَا فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عه وسلم: مَا أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله. وواصل: وأتى أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْه بكل مَا عنده، فقال له رسول الله صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أبقيت لأهلك، قَالَ: أبقيت لهم الله ورسوله) رواه أبو داوود، وخديجة سيدة نساء العالمين, جاءها النبي صَلَّى الَّلهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أول مَا بدأ الوحي فقال: (لقد خشيت على نفسي) فقَالَتْ خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أَبَدًَا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق» متفق عليه.