علي مدي سني عمري، طفولتي وصباي وشبابي، التي زخرت بأحداث ومحطات فاصلة في تاريخ هذا الوطن، عشقت الأغاني الوطنية، كانت روحي تهفو وقلبي يرقص فرحا وتطرب أذناي كلما أستمعت أيا من تلك الأغاني التي أرخت لمراحل عظيمة في حياتنا، كنت انتظر الاعياد الوطنية وأصر علي اشباع وجداني بكل تلك الأحاسيس التي تملأ روحي زهوا بوطن نعشق ترابه. من صورة و حكاية شعب، مرورا بالأحضان، وحتي صباح الخير ياسينا وغيرها.. أعشق صوت العندليب وأعود مع مقاطع أغنياته إلي اجواء الحماسة الثورية التي ظللت هذا الوطن، في وقت أنعم الله عز وجل فيه علي شعبه برجل آمن بقضية وطنه وأحبه وأخلص له وعمل كل ما بوسعه ليعيد له كرامته. أمتلأت الحقبة الناصرية بالأمل، وسط سعي حثيث لارساء العدالة الاجتماعية، لكن الحلم لم يكتمل، وبوفاة عبد الناصر في سبتمبر 1970، غابت العدالة إلي يومنا هذا، كانت الاغاني الوطنية في ذاك الزمان زادا ومعينا تنهل منه النفوس العطشي إلي الفخار والعزة والحرية والكرامة، وكانت صوت الشعب المعبر عن كل ما يعتمل بداخله من أحاسيس. كنت ومازلت استمتع بالأغاني الوطنية التي يهتز لها قلبي، وأحرص في كل مناسبة علي هذه العادة الأصيلة فهي غذاء الروح المتجدد، غير أنني و منذ فترة، تحديدا خلال العام الماضي الذي شهد انتكاسة واضحة للثورة، ينتابني شعور هائل بالحزن كلما استمعت إلي الأغنيات التي طالما هزت وجداني عندما أدقق في الكلمات، اقول لنفسي لا يستحق وطني كل هذا الهوان، ولا يستحق شعبي كل هذا التراجع، ولا تستحق بلد الحضارة كل هذه الاصوات التي لا تريد بها إلا تخلفا وجهلا. الخميس الماضي، ذكري احتفالات تحرير سيناء تنازعتني كل هذه المشاعر، كنت كلما استمعت إلي احدي الأغاني التي كانت فيما مضي تنقل روحي إلي فضاءات أرحب، أشعر هذه المرة بحزن دفين، واستعيد أحداثا أليمة ومؤامرات خبيثة تحاك في السر والعلن ضد الوطن وفي القلب منه سيناء، وضد قواتنا المسلحة التي اعتبرها -كباقي المصريين- الحامي والسند وخط الدفاع الأول والأخير، ولكنني رغم كل ذلك علي يقين بأن مصر العظيمة الأبية قادرة علي تجاوز المحنة، هكذا يحدثنا التاريخ.