ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    رئيس مجلس النواب يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة عيد العمال    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    تراجع حاد في مخزون النفط الأمريكي    مايندسباير للتعليم تطلق أعمالها رسميا في السعودية    تعيين محمد عوض رئيسًا تنفيذيًا للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة    «إياتا»: نمو محدود للسفر والشحن عالميًا بسبب صراع الشرق الأوسط    زراعة الإسماعيلية: انطلاق حصاد القمح ومتابعة يومية لانتظام التوريد    حدائق العاصمة تكشف أسباب انتشار الروائح الكريهة بالمدينة وموعد التخلص منها    مسئول أمريكي: ترامب ناقش مع مسئولين في قطاع النفط حصار موانئ إيران لعدة لأشهر    قيادة سياسية واعية للأراضى المصرية والعربية    تل أبيب تطالب لندن بإجراءات "حاسمة" لحماية الجالية اليهودية عقب هجوم "جولدرز جرين"    خاص | معتمد جمال يدرس استبعاد الجزيري من تشكيل الزمالك أمام الأهلي في مباراة القمة    ذهبية إفريقية بلمسة عبقرية.. عبدالله حسونة يخطف الأضواء في المصارعة    الأهلي يتأهل لنهائي كأس مصر لكرة اليد وينتظر مواجهة محتملة مع الزمالك    أمير أبو العز: ارتداء قميص منتخب مصر حلم الطفولة.. وصلاح مصدر إلهامي    فيفا يعلن زيادة الجوائز المالية ل كأس العالم 2026    مصرع وإصابة 4 أشخاص إثر حادث تصادم بطريق طنطا–بسيون بالغربية (صور)    السيطرة على حريق بأحد المنازل في قرية دموشيا ببني سويف    الداخلية تكشف تفاصيل سرقة محصول القمح من قطعة أرض في الشرقية (فيديو)    ضبط أدوية ضغط وسكر داخل صيدليتن غير مرخصتين وتحملان أسماء وهمية بسوهاج    يسري نصر الله وعمرو موسى يشاركان في ماستر كلاس عن الكاستينج بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    موعد ومكان جنازة والد حمدي المرغني    العوضى ومى عمر فى صورة جديدة من كواليس فيلم شمشون ودليلة    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    خالد الجندي: الخضر نبي وليس وليًا.. وأفعاله لا تُقاس على غير الأنبياء    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    طب كفر الشيخ ينظم فعالية لدعم أطفال الفينيل كيتونوريا وأسرهم بالمستشفى الجامعى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    تأجيل محاكمة 23 متهما بخلية لجان العمل النوعى لجلسة 23 يونيو    فون دير لاين: أوروبا تخسر 500 مليون يورو يوميًا بسبب ارتفاع سعر الوقود    الحكومة تكشف حقيقة وصول خسائر السياحة إلى 600 مليون دولار يوميًا    عاجل الحكومة: تراجع بطالة الشباب إلى 13.2% للفئة العمرية من 15 إلى 29 عامًا    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع القيادات الشبابية    مباحثات فلسطينية أوروبية لبحث سبل تحريك الجهود الدولية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكى بجنود (بدر 2026) بالذخيرة الحية.. صور    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    هندسة المطرية تنظم ملتقاها السنوي للطلاب الوافدين لتعزيز الاندماج الأكاديمي والثقافي    8 أطعمة تساعدك على مقاومة العدوى وتقوية المناعة    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي    دعابة وكلمات دافئة ..كيف نجح الملك تشارلز فى خطابه التاريخى أمام الكونجرس؟    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    الدوري السعودي، موعد مباراة النصر والأهلي والقنوات الناقلة    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    الاتحاد الفلسطينى يطعن أمام المحكمة الرياضية ضد قرار فيفا بشأن إسرائيل    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    9 مصابين في حادث انفجار شعلة غاز ببني سويف    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ملكة مصر تكتب سيرتها بقلم صديقتها
نشر في أخبار مصر يوم 08 - 10 - 2008

كثيرون من أهل مصر والبلدان العربية ربما لا يعرفون عن الملكة فريدة سوى أنها آخر ملكات مصر، وأنها ماتت فنانة تشكيلية تقيم معارضها خارج مصر وداخلها في ''قاعة الشموع'' التي خصصتها لها صديقتها الكاتبة والأديبة د. لوتس عبدالكريم، والتي فيما بعد أنجزت عنها كتاباً تحكي فيه ذكرياتها معها، خصوصاً أن الملكة التي كانت تسكن في حي ثكنات المعادي (جنوب القاهرة) قريباً من فيلا د. لوتس عبدالكريم كانت شبه مقيمة معها في السنوات الخمس الأخيرة من حياتها. وقد صدر أخيراً للدكتورة لوتس عبدالكريم كتاب عنوانه ''الملكة فريدة وأنا سيرة ذاتية لم تكتبها ملكة مصر'' متضمناً صوراً ووثائق تنشر للمرة الأولى، كما تضمن أسراراً من شأنها أن تعيد النظر فيما يخص العائلة الملكية في مصر وكذا علاقتها بضباط ثورة يوليو.
تقول د. لوتس عبدالكريم إن الملكة فريدة ''كانت تزعجها الأصوات العالية والكلمات النابية والموسيقى الرخيصة والأغاني القبيحة والألوان الصارخة، تحب النظام والدقة والانضباط إلى حد الوسوسة، تحب الموسيقى الكلاسيكية والألوان الهادئة والأدب والاحتشام، ذات حس مرهف وذوق رفيع وثقافة وذكاء حاد وشفافية وحدس لا يخيب. تحب الأصالة والبساطة، تمقت الكذب والنفاق، قليلة الثقة بالناس، ذات نزعة صوفية عميقة وزهد وإيمان راسخ بالله خالق المعجزات. تحيط بيتها وكتبها وملابسها وحقائبها بالمصاحف والأحجبة والأدعية والتعاويذ وكانت أيضاً إلى جانب القرآن تحتفظ بالإنجيل وتحفظ كثيراً من كلماته. رسمت لفظ الجلالة في لوحاتها كثيراً بصور شتى وكانت تقول ''أنا أول من رسم لفظ الجلالة وبعدها قلدني الكثيرون''.
وتضيف: إن الملكة فريدة وهي في لحظاتها الأخيرة كان جسدها الجميل مسجى وعيناها مسبلتين وشفتاها مفتوحتين نصف فتحة، تتردد بينهما الأنفاس الأخيرة، يداها الجميلتان تتلقيان في استسلام طعنات الحقن المتصلة بأنابيب المحاليل في الأصابع، في المعصم، في الذراع، في الرقبة، وهي على غير عادتها لا تعترض، لا تصرخ، لا تتأثر، لا تتأوه، وقبل أسبوع فقط من رحيلها، يوم وصولها إلى مصر من رحلة العذاب في سويسرا، كانت تتكلم وتشكو وتخبرني بكل ما حدث في رحلتها التي لم تكن في الحسبان، والتي منعها منها سائر الأطباء وعلى رأسهم د. ياسين عبدالغفار وقد صارحها بخطورة حالتها، ولكنها أيضاً كعادتها لا تستمع الى النصائح وتصر على ما تريده: أريد أن أرى بناتي وأحفادي''.
وتؤكد د. لوتس أن الملكية في ناحية وفريدة في ناحية أخرى تماماً، ورغم ذلك فقد دفعت أخطاء الملكية حتى بعد تركها الملكية، ولم يكن لها ذنب في كل ما حدث لها. رحل فاروق ومعه الأميرات وبقيت هي في قصر الهرم، حيث بدأت رحلتها مع الفن ومع العذاب. وهيأ القدر يوماً فرصة وجودي في باريس في الوقت ذاته الذي كانت تقيم به أحد معارضها الكبرى، هكذا قرأت في الصحف. وطرت فرحاً، سأذهب، سأراها وسأحادثها، تلك الأسطورة التي ارتبطت صورتها في خيالي قديماً بالطهر والكبرياء والجمال الرفيع، وذهبت ورأيتها، رشيقة جميلة تماماً كما تخيلتها، إحدى ملكات الأساطير، لكن حديثي معها كان عابراً، مبتوراً ربما لاضطرابي الشديد أو خجلي أو احترامي. كنت ضمن العشرات من الحضور.
اللقاء الثاني كان أيضاً بتدبير القدر ورغبتي في البحرين، حيث اعتدت السفر مراراً كانت هناك وسط لوحاتها وجماهير محتشدة ترحب بها، لم تمكنني الظروف من البقاء ومحادثتها أكثر من دقائق. وظللت أتابع أخبارها حتى حانت الفرصة، في معرضها الأخير بالقاهرة عرفتني، وجدتها منهمكة في ترتيب الحوامل وتنسيق الأضواء واللوحات، ودهشت أنها تعمل بيدها كل شيء وتجلس على الأرض تعاون العمال وتتسلق الدرج في نشاط لترفع شيئاً أو تنزل أشياء.
بسيطة طبيعية، شعرت بالارتياح، كان هدفي أكثر من مجرد الكتابة عنها في مجلتي ''الشموع'' وحددنا موعدنا للقاء في شقتها صباح أحد الأيام. ومرضت ولم أذهب لكنها بادرت بالاتصال ودعوتي للذهاب. شجعني ذلك، وأسعدني فذهبت. رحت أبحث عن العنوان: المعادي السرايات شارع ،14 شارع صغير هادئ جانبي أين سكن الملكة؟ لا أحد يعرف أن هنا ملكات، لا رقم على العمارة التي وجدتها أخيراً منزل صغير من أربعة أدوار، حديث البناء متواضع المدخل، دلفت، المصعد غير نظيف يحدث بابه صوتاً مزعجاً حين يفتح بالاحتكاك وليس به نور. استعنت بالبواب، لم يتحرك من مقعده ولم يبد أي اهتمام بمكانة من أسأل عنها.
أطفال حفاة يجرون حول السلم وخادمة فلاحة تفتح باب الشقة المواجه تحمل صفيحة زبالة وتصيح في الأولاد.. هذا هو الوسط الذي كانت تعيش فيه ملكة مصر السابقة.
أدق الجرس، تفتح لي خادمة سمينة تربط رأسها بمنديل أسود، وأدخل. الشقة أكثر تواضعاً من العمارة. صغيرة جداً لكنها أنيقة ومنسقة ألوانها بين البيج والرمادي توحي بحزن قاتم.
أول ما قابلت، طاولة صغيرة بجوار الباب عليها صورة الملك فاروق متوجاً وحده، ثم صورة الملكة متوجة في برواز آخر. في الداخل منضدة مستديرة وأخرى مستطيلة عليهما مجموعة من صور الملك والملكة والأميرات والأم والأب والإخوة.
الحادية عشرة صباحاً والشقة الصغيرة تسبح في ضوء الشمس المتدفق من بلكونة صغيرة جداً يحيط بها الزروع والورد، بها أريكة تجلس عليها الوالدة العجوز التي تجاوزت التسعين.
قابلتني سامية.. الفتاة الملازمة للملكة والتي تربت في القصر منذ ميلادها، وهي تنظم مواعيد وأوراق الملكة وتلازمها وتطبخ لها أحياناً.
وكان ضمن برنامجها اليومي الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية على الأقل لمدة ساعة مرة زرتها صباحاً وظلت مختفية في غرفتها ولما طال ذلك قلقت وذهبت لأدفع الباب برفق وإذا بها ممدة في الفراش مغلقة العينين وجو الغرفة مشحون بالموسيقى العنيفة ولم تشعر بقدومي حتى انتهت المقطوعة. أما الموسيقى العربية والأغاني العربية الرخيصة، فكانت تصاب برعب حتى لتوشك على الإغماء، حين يدير السائق مصادفة راديو السيارة على أحد هذه المقاطع.
قوى خفية
كانت الملكة فريدة آخر ملكات مصر تؤمن بأن هناك قوى خفية تحيطها بالشؤم وتسلبها السعادة..
هكذا كانت عقيدتها الراسخة كما تذكر د. لوتس عبدالكريم في شهادتها، تقول: السحر وكيفية التغلب عليه بأي وسيلة على شر هذا السحر، في القرآن الكريم، في كتب الدين، ثم في أعمال بعض من يستعينون بالجان، وكانت تسجل أحاسيسها واعتقاداتها في كثير من لوحاتها خصوصاً في المرحلة الأخيرة، وجوه مخيفة، دماء وأصابع وأظافر وخطوط رهيبة داكنة وعيون مذعورة.
ذات صباح بادرتني هاتفياً في ذعر حقيقي: ''الحقيني، ماذا حدث؟ تعالي، وجدتها تمد لي يديها بخاتم ذهبي كان ملازماً لإصبعها عليه التاج الملكي وقد انكسر من باطن اليد، ونقصت منه قطعة بمقدار ملليمتر. قالت لي: فسري ذلك، صحوت من النوم وجدته في أصبعي بهذا المنظر والأدهى أن هناك قطعة ناقصة منه يعني كسراً غير عادي بفعل غير عادي، وطلبت مني الاتصال بالدكتور مصطفى محمود، فقد يفسر هذه الأمور الخفية ثم الذهاب إلى أحد الصاغة وسؤاله عن خواص الذهب، وكيف يمكن أن يحدث هذا، وضحك د. مصطفى محمود وأجابها متفكهاً: مفيش عفاريت أثناء نومك يمكن أن تفعل هذا بالخاتم.. لكن إذا كان ده خاتم الملك والملك لله وحده فأحسن شيء هو التبرع به للمسجد أي لله. ولم يعجبها كلامه ولم تفرط في الخاتم. وقال الصائغ: ربما استعملت مادة أثناء الرسم أثرت على الذهب فانكسر، ولكنها تصر: (والقطعة المفقودة)''، ولم تقتنع وخلعت الخاتم واحتفظت به في علبة خاصة. وفي الصعيد ذهبنا إلى أحد ''جهابذة'' علم الأرواح والاتصال بالجان وفك طلاسم السحر وقضينا يوماً بأكمله في أحد الأبنية النوبية القديمة وهو يقرأ لها القرآن والرقى ويطلق البخور لمحو تلك اللعنة التي سطرتها نازلي ودفنتها في قبر مجهول منذ خمسين عاماً، ثم أخذت معها أحجبة كثيرة للاستحمام ببعضها وللاحتفاظ بالبعض الآخر كما أمرها الرجل، وحين وصلنا في المساء طلبتني مرتاعة وهي تقول همساً: هل علمت بما حدث؟ لقد اختفى الحجاب وسط المياه التي أعددتها للاستحمام بل تبعثرت المياه وسالت على الأرض ولم أستطع الاستحمام أبداً.
نوبات الاكتئاب
وتؤكد د. لوتس عبدالكريم في شهاداتها على السنوات الخمس التي اقتربت فيها من الملكة فريدة أن كل الجروح والإهانات والآلام بدأت معها منذ كانت صبية فى أول شبابها ومنذ بدأت تتناول المهدئات كما حكت لي. وبعد أول يوم أنجبت فيه ابنتها الكبرى فريال وخاب أمل الملك واثناء انتظاره ولياً للعهد فى كل مرة تحمل بها كانت تعيش على العقاقير والمهدئات طوال فترة الحمل، بل انحدرت إلى تنفيذ الوصفات البلدية للمساعدة على إنجاب ولد. هكذا كان يقتلها التوتر والقلق. ثم تأتي الولادة ومعها بنت أخرى ويشتاط فاروق غيظاً ويقوم جدار غير منظور بينهما وتنهار وتستسلم أكثر للعقاقير، منذ ذلك الحين وهي تعاني نوبات الاكتئاب الحادة، ثم بدأت الجفوة بينها وبين الملك تتسع بعد ذلك إلى أن أصبح الجرح جرحين بعد أن تعرف إلى إحدى وصيفاتها بالقصر، وهي سيدة على جانب من الوقاحة كانت تكيد لها وتجاهر بعلاقتها بالملك، وأدى ذلك بالملكة إلى تحديد علاقتها به حتى أصبحا غريبين تحت سقف واحد. كان ذلك بداية طريق الآلام.
أذكر مرة ونحن في طريقنا إلى المستشفى إثر إحدى نوبات مرضها الأخير كانت تمسك بكلتا يدي وهي ترتجف كأنها تتوسل وتردد: أريد مهدئاً كبيراً قوياً يطفئ كل أحاسيسي فأنسى، أنسى تماماً كل حياتي وأرتاح.
تواصل د. لوتس عبدالكريم شهادتها على سنواتها مع الملكة فريدة قائلة: لم تكن الملكة فريدة تتحسر أبداً على ضياع الملك أو القصور أو الجاه والمجد، بل كانت على استعداد للحياة البسيطة في أي مكان صغير ونظيف ومريح والاستمتاع في حدود استطاعتها لم تكن تياس أو تستسلم، ولم تكن رافضة للحياة. رأيتها يوم اكتشف الأطباء مرضها اللعين ''اللوكيميا'' تقضم التفاحة بشهية وتخبط بقدميها الأرض صائحة مثل الأطفال ''المرض بالشلوت، سأعيش وأتغلب عليه''.
تقول: وأمضي أتحسس ميدالية ذهبية في سلسلة بصدري أهدتها لي في عيد ميلادي، مرسوماً عليها عين مكتوب بها الله، إنه دائماً الخوف من الحسد واللجوء إلى الله. وأسالها يوم عيد ميلادها ماذا تحب أن أهديها فتطلب قرطاً مستديراً من الفضة، هذا القرط وجدته ضمن أشياء تعتز بها تخفيها في درج خاص بها وهي تقول أحب الفضة كثيراً وأتفاءل بها. هكذا كانت تخفي أيضاً عواطفها وربما أظهرت عكس ما تبطن، ولكن كثيراً ما كنت أضبطها متلبسة بتلك العواطف والمواقف الإنسانية.
أمام قبر فاروق
ذات يوم قارس البرد من أيام الشتاء طلبت مني الذهاب معها بسيارتي إلى المقابر، وحين شارفنا مسجد الرفاعي طلبت مني الابتعاد قليلاً ونزلت وحدها تزور قبر فاروق وغابت أكثر من نصف ساعة، ثم عادت محمرة العينين من البكاء. هذه الحادثة تكررت كثيراً ولا يدري أحد لماذا كانت تذهب؟ حقيقة مشاعرها في العودة، أم كانت تسعد بتلك الزيارة أم تكفر عن ذنب لم تقصد إبداً ارتكابه في حق صاحب القبر، طالما قالت رداً على اتهامات أقاربها وذويها، ''لوكنت أعلم أن افتراقي عنه سيسبب له كل تلك المشاكل وسيغير وجه تاريخ مصر كما تقولون ما طلبت أبداً طلاقي منه''.
كان ذلك الشعور بالذنب يلازمها حتى آخر ايامها وكانت تشعر في عذابها بأنها تكفر عن ذنب تخليها عنه في زمن حرج، كان بحاجة فيه الى احتواء مخلص من أقرب الناس اليه وهي تقول: إن فاروق ظل طفلا طوال حياته وبحاجة الى أم ترعاه بعد ان تخلت عنه أمه وانصرفت الى حياتها الخاصة وكانت تغار عليه وتحيطه بسيطرتها وتؤذي من يحبه.
وأسألها في قمة عذابها: لماذا فعلت بنفسك ذلك؟ واستطرد.. كل النساء تعسات، الغنية منهن والفقيرة، ولم أر واحدة تضحي بسهولة بالزوج أو البيت أياً كان وألح في فضولي: لماذا لم تتزوجي؟ كنت جميلة ورائعة وبعد الملك ألف من كان يطمع ويريد ألم تر فيما فعلت جاكلين كنيدى الصواب وهي التي كانت ملكة على أكبر العروش.
ثم أعاود الالحاح، ألم تندمي بعد كل ما أصابك، وكيف تحسين اليوم بمكان فاروق؟ ثم ألم يكن ملكاً. أيحاسب الملوك كما يحاسب الأزواج العاديون؟ أكنت امرأة عادية حتى تغاري وتغضبي. أليس في التاج والعرش مسؤولية تكفي لكبح جماح العواطف وتقييد المشاعر والارتفاع فوق معاني الكرامة والكبرياء والأنوثة أو استبدالها بمعايير أخرى تناسب الملكية؟ ألم تكن لك رسالة تفوق في أهميتها كل هذه المفاهيم وهي تارة تجيب وأخرى تلوذ بالصمت، تارة تجيب بحدة ثم بهدوء ثم بشرود ثم بثورة. إجابات كثيرة ومتعددة ودائما وأبدا تحتفظ لنفسها بالكثير. قالت: هو والد بناتي وهو الذي جعلني ملكة. وقالت: لا أحد يعرف فاروق كما عرفته وكل الناس اساءت به الظنون، لقد كان طيباً وكريماً ونقياً وكان ضحية الذين يملأون القصر وكنا أطفالاً بجانبهم ولا أدنى خبرة بالحياة. لا لم يكن تهوراً مني طلب الطلاق ولكني كنت طفلة لا أبصر النتائج. فاروق لم يكن يريد، لكنهم أجبروه على توقيع وثيقة الطلاق، كما طلبوا مني إرجاع هدايا الزواج: التاج والعقد وكثير من أشيائي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.