قيمة مسرحية «عدو الشعب»، التي يعرضها مسرح الهوسابير من إنتاج فرقة لاموزيكا المستقلة. أنها تفضح الشعب الخامل الذي عاش الفساد وقبله راضيا راضخا قانعا بأنه لا بديل وأن عليه أن يتعايش معه وأن يستمر في قبول هذا الهوان، كان لابد من ثورة عند إحساس النخبة ولكنها بالتأكيد مؤجلة، لأن الشعب قد تم تخديره وها هي طرق السلطات الغاشمة في تجميع القضايا وتفويت فرص النهوض المستمرة وإحساس الشعب الدائم بقبول القهر.. هذه فكرة الكاتب العالمي إبسن.. من خلال مسرحيته «عدو الشعب».. اليوم حين تقدمها فرقة مصرية من إخراج المبدعة المثقفة الأديبة الواعية نورا أمين فإنها تعطي هذه الفكرة الأسيرة قيمة مصرية فهي حالة الشعب المصري قبل ثورة 25 يناير وهي حالة أي شعب تمكنت منه الرجعية أن تتوغل في أعصابه وفي كيانه وفي نخاعه حتي استكان وبدلا من أن يثور صار متواطئا ضد نفسه وضد ضميره وضد أبنائه والأجيال.. نورا أمين أظهرت عنصر قهر الشعب ببراعة ووعي نحو الإحساس بضرورة رفض هذا الموت البطيء الأزلي الذي حينما يصيب أمة فإنما يلغيها عن الحضارة لتصير أمة من الموت المستمر المتوارث. المسرحية تقع في خمسة فصول تعتمد علي قيمة التحليل النفسي للشعب والوصول الي حالة الاستكانة التي هي استمرار للفساد والتواطؤ المريض، تبدأ الانتفاضة الأولي وقد برعت نورا أمين في إخراجها بدقة وتقدير للموقف إذ هي الشرارة الأولي من خلال حمام علاجي يرأسه الدكتور توماس ستوكمان، الطبيب المسئول وأخوه بيتر ستوكمان القاضي العام والمسئول الأول في المدينة ورئيس مجلس إدارة الحمام العلاجي والذي صار محور الحدث، إذ إن الدكتور توماس يصر علي فضح الفساد الذي انتشر في الحمام العلاجي من خلال مجموعة من المستثمرين في المدينة وهو ما يفسد صحة أهل المدينة، ويغير من نمط معيشتهم، وتتعارض علي المدي تقارير المستثمرين الساعين للربح السريع فقط مع الطبيب المخلص، ولكن للأسف إن الحاكم الفاسد هو الذي يقرر فساد المستثمرين ويباركه ويتدخل رئيس تحرير جريدة الشعب هو «هوفستاد» ويفضح المستور ويرفض أن يستمر الفساد خاصة إذا طال صحة الشعب.. ويتضامن معه صاحب المطبعة «سيكلاكس». قدمت نورا أمين النص المبدع المبهر في شكل إنساني سياسي فلسفي قلما نجد هذا الإبداع الحي. كما أنها قدمت العرض الصعب في لهجة عامية بسيطة عميقة معا. الفنان طارق الدويري قدم دور الدكتور ستوكمان بدقة مقنعة وتقنية فنية راقية توحي بأنه محور الأحداث.. أما الفنان أحمد السلماوي، فقدم دور رئيس التحرير في واحد من أفضل الأدوار التي ناقشت قضية الإعلام الكاذب المضلل، وفي المقابل كيف يمكن لباحث عن الحقيقة أن يصل الي أعماق الناس وقلوبهم بصدق، مؤكدا أن الشعب لا تخدعه الأكاذيب.. الفنان عماد الراهب قدم دور سيكلاكس الذي يتميز بالدهاء ونعومة الحية.. التي تجتذب الضحية الي أحضانها ثم تنهيه، وقدم الفنان إبراهيم غريب دور بيتر ستوكمان بوعي ودقة.. أما المخرجة نورا أمين فقد قدمت دور زوجة دكتور ستوكمان بعبقرية الأداء السهل الممتنع.. التي أعطت الدور عمقا وبراءة وإمكانية كشف الفساد وبداية مرحلة التنوير.