السعي الى الطيبات من صفات المتقين وإنّ الأصل في الأكل الطاهر هو أنّه يباح أكلها، والانتفاع بها، وغير ذلك، وهذا لما ورد من الأدلة العامّة من الكتاب والسنّة، قال الله سبحانه وتعالى:" يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً "، البقرة/168، وقوله سبحانه وتعالى:" هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً "، البقرة/29، وما رواه أصحاب السّنن، أنّ رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - قال:" الحلال ما أحلّ الله في كتابه، والحرام ما حرّم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو ما عفا عنه "، حسّنه الألباني. وبالتالي فإنّه لا حرام في استعمال ما كان طاهراً، سوى ما كان مسكراً أو ضارّاً للنفس، قال الحجاوي الحنبلي في زاد المستقنع في أول كتاب الأطعمة:" الأصل فيها الحلّ، فيباح كلّ طاهر لا مضرّة فيه "، وأمّا فيما يخصّ الطّاهر المستقذر فإنّه يكره أكله كراهة تنزيه، وقال المرداوي الحنبلي في الإنصاف:" يكره أكل الغدة وأذن القلب على الصّحيح من المذهب "، وقال ابن قدامة في المغني:" لأنّ النّفس تعافهما وتستخبثهما ". فأمّا ضابط أكل ما كان مستقذراً فإنّه يعود إلى عرف أهل كلّ زمان ومكان، وبالتالي فإنّ فالعرف يختلف عند اختلاف الأزمنة والأمكنة، لأنّ مان مستقذراً عند أهل بلد وتعارفوا على استقذاره قد لا يكون مستقذراً عند الآخرين، فقد كره النّبي - صلّى الله عليه وسلّم - أكل الضبّ، وعافته نفسه؛ لأنّه لم يكن بأرض قومه، مع أنّ بعض الصّحابة كانوا يأكلونه، وذلك كما جاء في صحيح مسلم؛ وبالتالي فإنّ هذا يدلّ على أنّ بعض النّاس قد يعافون شيئاً أو يستقذرونه، ولا يعتبر ذلك دليلاً على تحريمه. هذا وقد ذهب المالكيّة ومن وافقهم إلى أن ضابط الخبيث المحرّم هو:" ما حرّمه الله مما كان خبيثًا بذاته مما فيه ضرر على الأبدان أو العقول "، قال القرطبي في التفسير:" مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ الطَّيِّبَاتِ هِيَ الْمُحَلَّلَاتُ، فَكَأَنَّهُ وَصَفَهَا بِالطِّيبِ، إِذْ هِيَ لَفْظَةٌ تَتَضَمَّنُ مَدْحًا وَتَشْرِيفًا. وَبِحَسَبِ هَذَا نَقُولُ فِي الْخَبَائِثِ: إِنَّهَا الْمُحَرَّمَاتُ ". وجاء في شرح زاد المستقنع لحمد الحمد:" مذهب الجمهور أنّ ما استخبثه العرب ذوو اليسار من سكان الحاضرة في المدن والقرى أنه محرم، وهذا مذهب أحمد في المشهور... ومذهب مالك أنه ليس حرامًا "، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، قال:" وهو قول أحمد وقدماء أصحابه "، وعلى ذلك فهو الرّاجح في هذه المسألة.