كتبت غادة ماهر / عدسة: أحمد حمدى حلوان..فيها عين جارية..تسر الناظرين..تخرج من باطن الأرض بسر إلهى لم يكتشف بعد..فيها شفاء للناس..عمرها كما تناقلته ألسنة البشر أكثر من مئة قرن..لم يمسسها سوء من إنس ولا جان.. تدرس فى كتب تاريخ المرحلة الابتدائية بشكل مقتضب..لا تتعدى سطرًا واحدًا.. فتخرج أجيال وراء اجيال لا يفقهون عنها شيئا.. سوى اسمها.. فلا يعلمون ان هذه العيون يخرج منها الماء شفافاً وصافياً إلى سطح الأرض وعند ملامسته للهواء يغطى الماء بطبقة من الكبريت المخلوط بملح الكالسيوم،.. فهذه المياه من أغنى العناصر الشفائية الطبية لكثير من الأمراض مثل الأمراض الجلدية والآلام الروماتيزمية والمفصلية .. توجهت اليها للمرة الاولى فى حياتى .. لأراها عن قرب..ألمسها..أشم أريجها.. أتفحص منبعها الربانى.. لعلي أجد ما يكفى لعلاج ابنى من الحساسية الجلدية.. توقعت ان اجد لافتة كبيرة مكتوبًا عليها «عين حلوان..فيها شفاء للناس » ولكن ظني خاب..فلم أعرف مكانها إلا بسؤال المارة من اهالي الحي.. من أمام محطة مترو عين حلوان وعلى الضفة المقابلة لها ارض كبيرة محاطة بسور له باب واحد رئيس فقط.. دخلت بصحبة الزميل المصور أحمد حمدى، استقبلنا الخفير حارس العين.. هى دى عين حلوان ؟ بادرته بسؤال.. قال نعم..هى فين ممكن ادخل اشوفها..اتفضلى.. سبحان الله..سبحان الله..هكذا ردد لسانى.. غرفت غرفة بيدى..لها رائحة مختلفة وملمس ليس له مثيل..طلبت من الحارس إحضار زجاجة مياه فارغة لأملأها وهكذا فعل الزميل احمد الذى كان يعانى من حبوب فى وجهه، وراح يغسل وجهه بمنتهى الحماس والقوة.. ليخبرنى بعد ساعات باختفاء الحبوب نهائياً. سألت الحارس مرة اخرى بعد أن تركنا نعيش أجمل لحظات مع مياه كبريتية من صنع الله تعالى. هو محدش بييجى هنا؟ المكان ده كان مزدحم بالناس زمان.. كانت تأتى النساء بأطفالهن المرضى ورجال يعانون من الحكة المستمرة أو الدرن.. ولكن بمرور الوقت الإهمال ضرب المكان كله ولم يعد أحد ياتى هنا على الاطلاق. والمكان ده كان عامل إزاى كان فيه بائعين يسترزقوا منه واماكن لجلوس الأسر.. وصنابير متعددة تخرج منها المياه، ومكان على هيئة حمام سباحة.. حتى يحصل المواطنون على ما يكفيهم بسهوله وراحة.. وفجأة عندما اكتشف الخفير هويتنا بعد تصوير المكان الذى تحول لمقلب زبالة..انتفض وقال..لو سمحتم اتفضلوا عشان «متأذونيش». أخذنا زجاجات المياه المملوءة بالمياه الكبريتية وخرجنا من الارض..ودار فى ذهنى تاريخ عين حلوان الذى اكتشف عام 1939 عندما انفجرت عين ماء من باطن الارض كمية الكبريت المعالجة تصل فيها الى 27%. تقع عيون حلوان فوق مستوى النيل بما يقرب من 33م ويبعد عنها النيل بمسافة تقدر بحوالي 4كم. ذكرها المصريون القدماء في حجر رشيد باللغة الهيروغليفية باسم «عين-آن» حيث اعتبرها المصريون القدماء نوعاً من الأعمال الخيرية الإلهية، وزاد الاهتمام بهذه العيون في عصر الخليفة عبد العزيز بن مروان حيث اجتاح مدينة الفسطاط مرض الطاعون في عام 690م فأرسل الخليفة كشافين لكي يكتشفوا مكانًا صحيًا لإقامته، فتوقفوا في حلوان وفيها أسس حكومته وأقام ثكنات للجنود ونقل الدواوين إليها، ثم اندثرت بعد ذلك لتظهر في عهد الخديوي عباس الأول. ففي عهد الخديوي عباس وبالتحديد عام 1849م كان الجيش يعسكر بالقرب من حلوان وتصادف أن أصيب العديد من الجنود بالجرب وكان أحد هؤلاء الجنود يتجول في الصحراء ناحية التلال فاكتشف مياهًا غريبة تحتوي على كبريت وما إن اغتسل فيها حتى تناقصت حكة الجلد وشفي منها، فأخبر رفاقه بالأمر وشفوا مما أصابهم، ووصلت أخبار هؤلاء العسكر للخديوي فأرسل الجنود المصابين بالأمراض الجلدية والروماتيزمية إلى عيون حلوان وكان يتبعهم كذلك العديد من المدنيين، ويقيمون في خيام ويحفروا حفراً صغيرة ليخرج بها الماء الشافي. في صيف العام 1868م أرسل الخديوي إسماعيل لجنة لدراسة هذه العيون وأصدر بعدها فرماناً ببناء منتجع حراري، وتم الانتهاء منه عام 1871م وبني فندق بالقرب منها، وقد عهد بإدارة المنتجع عام 1872م إلى الدكتور رايل ؛ وهو أحد الباحثين الذين درسوا تأثيرات مياه حمامات حلوان الطبية. وفى عام 1899م افتتح عباس حلمي الثاني عيون حلوان الكبريتية بعد تشييد مجموعة الحمامات الحالية واندفع السائحون إليها من مختلف البلدان وهنا بدأت حلوان تصبح منتجعًا سياحيًا وخاصة بعد تخصيص فندق .. ومع مرور الزمن .. حل الإهمال مكان الاهتمام ، وأغلقت أبواب العين أمام المارة.. ولكن مهما طالت يد العبث ستظل عين حلوان لها حارس ربانى حتى آخر العمر.