لم يفكر يومًا فى السلطة، ولم يسع إليها، بل تمّ إبلاغه قبل أشهر قليلة بأنه يجرى التفكير فيه كزعيم لحزب معارض، حينما حضر للإدلاء بصوته فى انتخابات هذا الحزب فى سبتمبر الماضى، وقال حينها فى تواضع لأعضاء الحزب فى خطاب قبوله للترشح «أنا ممتن للغاية بثقتكم» وكان ترشحه لقيادة الحزب الديمقراطى الوحدوى المعارض بدايته الحقيقية مع السياسة، وهو الذى كان بعيدًا عنها تمامًا، حيث بدأ حياته العملية عام 2000 بالعمل لمدة 15 ساعة يوميا كحارس أمن فى شركة «أرغوس» للتجزئة بشمال لندن، وكانت تداعب مخيلته أحلام بأن يصبح مطورًا عقارياً، لكنه حينما قرر خوض أول اختبار سياسى فى حياته تمكن من أن يحكم أصغر دولة فى أفريقيا، ويحظى بتأييد الشعب ويخطف أضواء السلطة من الديكتاتور يحيى جامع، الذى حكم البلاد لمدة 22 عاماً بالعنف والقمع وأباد معارضيه. إنه آدم بارو، الرئيس الجديد لجمهورية جامبيا الإسلامية، إحدى دول الغرب الأفريقى وأصغر دولة فى البر الرئيسى للقارة السمراء، فلم يتوقع السكان فى جامبيا، أن يتمكن أحد منافسى يحيى، جامع الرئيس المثير للخوف ببطشه، الذى قال يوماً إنه سيحكم لمليار عام، أن يزيحه هذا الرجل ذو الخبرة السياسية المتواضعة ببساطة عن السلطة لكن الوضع اختلف جذرياً مطلع ديسمبر الحالى، بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية التى جاءت بحارس الأمن السابق أداما بارو البالغ من العمر 51 عامًا ليكون الرئيس الثالث للبلاد. ولد آدم بارو فى أسرة متوسطة الحال، فهو منحدر من قرية بأقصى الغرب وينتمى إلى قبيلة الفلان القليلة العدد، أما عشيرة والدته فتنتمى إلى السوسى ذات الأغلبية الساحقة فى البلد، درس بارو الابتدائية فى مسقط رأسه فى كوبا كوندا وتابع فى الثانوية بمعهد إسلامى ثانوى بمنحة؛ وبعد حصوله على شهادة كفاءة متوسطة فى العلوم الشرعية استسلم لجاذبية التجارة، فعمل فى شركة مقاولات بالعاصمة بانجول حتى أصبح مديرًا للمبيعات، وهاجر فى عام 2000 إلى لندن ليحصل على شهادة فى العقارات، وهى دراسة اضطرته للعمل كحارس أمن شخصى، ليغطى تكاليف الدراسة، وهو العمل الذى عاد به إلى بلاده ليصبح حارسا شخصيا لرجل أعمال هو والد زوجة الرئيس الأسبق لجامبيا داوودا كايرابا جاوارا. وتمكن من مدخراته كحارس أمن أن يؤسس شركة عقارات عام 2006، ومنها دخل لعالم الكبار، وبدأ نشاطه فى الحزب الديمقراطى الوحدوى المعرض، وعندما سجن رئيس الحزب، تولى آدم بارو قيادة الحزب مكانه، وتم دفعه دفعاً من خلال الحزب لترشيح نفسه لمنافسة الديكتاتور يحيى جامع فى الانتخابات الرئاسية للبلاد. وبالفعل وقف وراءه الشعب الراغب فى التخلص من قمع وعنف الرئيس يحيى جامع، وأصبح هذا السياسى المغمور رئيساً لجامبيا بعد أن حصل على 45. 5% من الأصوات، مقابل 36. 7 % لجامع وسط انقطاع كامل للإنترنت وجميع الاتصالات الدولية، ومع إغلاق الحدود البرية للبلاد، وبمجرد إعلان فوزه وقف خاطباً فى جموع الشعب، وقال لهم لقد وضعنا خلافاتنا جانباً من أجل مصلحة بلدنا، فلقد تعب شعبنا بسبب 22 سنة من حكم يحيى جامع. ويتطلع الجامبيون الآن إلى حكم آدم بارو بطلته التى تتميز بالهدوء ورباطة الجأش، لإزالة آثار حكم مستبدّ كان سببًا فى تدهور الاقتصاد وتحويل هذا البلد من مقصد سياحى إلى دولة منبوذة إقليمياً، ويتسلم آدم بارو تركة ثقيلة، وسيكون أول قراراته العفو عن رئيس حزبه ورفاقه والمصالحة الوطنية وتصحيح وضعية حقوق الإنسان وتحسين العلاقات مع دول الجوار والبحث عن منفى آمن للرئيس يحيى جامى، حيث كان جامع استولى على السلطة فى انقلاب عام 1994 واكتسب سمعة على مر السنين كزعيم قمعى. وعلى مستوى حياته الخاصة، بارو لديه زوجتان وابنان، وابتسامة دائمة وروح مرحة بعيدة من الغرور، ولكنه سيتسلم وطناً جريحاً يعانى 60% من أفراده من فقر متراكم، شعب يلازمه الرعب والرغبة فى الهجرة، يضاف إلى هذا الخلاف السياسى الذى فجره الرئيس السابق يحيى جامع، الذى خسر الانتخابات، فبعد أن اعترف بهزيمته امام آدم بارو، عاد وألغى اعترافه، وزعم أن الانتخابات شابها العوار ونتائجها غير حقيقية، وهو ما وضع جامبيا فى إشكالية سياسية كبيرة تحاول الدول الأفريقية التدخل فيها لحلها بصورة سلمية. كلام الصورة: