استيقظت الطفلة مى صاحبة ال5 أعوام، مع أول ضوء للشمس، تهرول مسرعة لتبديل ملابسها وتجهيز حقيبتها، للذهاب إلى الحضانة، تغتسل وتطلب من أمها أن تمشط لها جدائل شعرها وتربطه بالفيونكة، وبعد أن تفرغ أمها تقوم مى ببراءة الطفولة بتقبيل خدى أمها، قائلة إنتى حبيبتى يا ماما، ثم تذهب لترتمى بحضن والدها تقبله ليفهم أنها تداعبه، وتستحى أن تطلب منه بشكل صريح مصروفها والسندوتشات، تضع مصروفها فى جيبها والسندوتشات داخل حقيبتها ولأول مرة تقبلهم جميعاً، وكأنها تعرف بأنها ستعود محمولة على الأعناق، وأنها القبلة الأخيرة، جدها ينتظرها ويقوم بتوصيلها لباب الحضانة بقرية الشراينة بسمالوط، وقلبه يعتصر عندما تترك يده وتهرول إلى داخل حضانتها. دخلت مى الحضانة وخلال فسحة الأطفال ما بين الحصص، تقوم بالصعود على أرجوحة داخل فناء الحضانة، ولم تمر سوى لحظات لتهوى من أعلاها فى غفلة من العمال والمعلمين، ويرتطم رأسها البريء على أرض صلبة، الأطفال هرعوا والعمال، ولكن مى كانت تنظر لهم بعينيها والدماء تغرق المكان، تم نقلها بسرعة لمستشفى سمالوط العام، ويحاول الأطباء إسعافها وتنشيط الدورة الدموية وعمل تنفس صناعى بالأكسجين، ولكن السر الإلهى كان قد خرج، خرجت روحها الطاهرة لتلقى ربها، ماتت مى قبل أن تبدأ حياتها ولكن لا يمكن أن يوجه الاتهام لأى أحد فى الحضانة إنه الإهمال ولا عقوبة.. ماتت بدون ثمن. خبر مصرعها وقع على أمها كالكارثة التي حطت فوق رأسها، تهرول مثل المجنونة للمستشفى، تحتضن طفلتها على سرير المشرحة قبل التكفين، تظل فى حالة صراخ وهياج حتى يغشى عليها، وتفيق ودموعها على خدها، غير مصدقة. ماتت «مى»، ماتت فرحتى وروحى فى الدنيا، ماتت وأزفها إلى تربتها قبل أن أزفها يوم فرحها، القرية جميعاً شيعت جنازة مى فى موكب حزين يدق جرس الإهمال الذي يقتل أعز ما نملك فلذات أكبادنا والذين نستودعهم داخل جدران الحضانات والمدارس أمانة فى أعناق العاملين بها، فهم بمثابة الأمل لهم ولكن هيهات فلا حياة لمن تنادى، الإهمال سيد الموقف وكم من ضحية تفقد حياتها يومياً، حالة من اللغط وتكيل الاتهامات الصحيحة والباطلة فى شائعة وفاة الطفلة مى وفور وصول الخبر لمدير أمن المنيا اللواء فيصل دويدار، يكلف العميد عبدالفتاح الشحات، رئيس المباحث الجنائية بالمديرية، بسرعة عمل التحريات اللازمة لكشف غموض الحادث واستجلاء الحقيقة، لتكشف التحريات، بأن الطفلة مى أحمد محمد سقطت أثناء اللهو من على أرجوحة داخل الحضانة، ولا توجد شبهة جنائية فى الواقعة. وبسؤال جد الطفلة، أمام النيابة العامة، قرر بأنه عقب قيامه بتوصيل الطفلة إلى حضانة نور البيان الخاصة، بقرية الشراينة، سقطت من أرجوحة أثناء لهوها داخل الحضانة، وأضاف أنه علم بذلك من أحد العاملين بالحضانة، وأن العامل قام بنقل الطفلة إلى المستشفى ولفظت أنفاسها الأخيرة داخل المستشفى، ولم يتهم أحداً بالتسبب فى ارتكاب الواقعة. نعم الأم والأب والجد لم يتهموا أحدا بقتل مى .. فهو الإهمال الذى عشش فى حياتنا كيف لا يعتني المسئولون بالحضانة بسلامة الأرجوحة وهى التي يلعب ويلهو عليها عشرات الأطفال؟ كيف لا يحاسبون على إهمالهم وتتساءل الأم: ماتت مى أم قتلت؟ إلى من أوجه اتهامى مِن مَن آتى بحق ابنتى كى ترتاح روحها.. وكى يرتاح قلبى؟.. ماتت مى قتلتها الأرجوحة بل قتلها الإهمال!