من أبرز مظاهر مصر ما بعد ثورة يناير، إن لم يكن أبرزها على الإطلاق، ذلك المشهد الذي يقف فيها آلاف المصريين في "طابور" طويل، لكي يدلوا بأصواتهم بكل حرية لأول مرة في تاريخهم، ويقولوا كلمتهم بعيداً عن التزوير وكسر الإرادة. هذا المشهد، الذي تكرر كثيراً منذ استفتاء مارس 2011، شهد العديد من الملاحظات وتناوله البعض بقراءات مختلفة، حول الوزن السياسي لكل فصيل بالشارع، ومدى قدرة استيعاب المصريين للديمقراطية، واستحقاقتها. ومع تعدد الاستحقاقات الانتخابية، لوحظ أن الكتل التصويتية لم تتغير بشكل جذري، فبقي للتيار الإسلامي كتلته، كما هو الحال كذلك بالنسبة للتيار الليبرالي، أو المؤيدين لوجوه النظام السابق "الفلول"، وهو ما وضح بقوة سواء في الانتخابات البرلمانية ومن بعدها انتخابات الرئاسة. وعلى مستوى الانتخابات البرلمانية، فبرغم أن التيار الإسلامي قد حجز أغلبية مريحة بالبرلمان "المنحل"، إلا أن الانتخابات نفسها قد شهدت درجة تنافسية عالية بين مرشحي التيار ومنافسيهم سواء من التيارات الليبرالية والعلمانية، أو المنتمين للحزب الوطني المنحل، وهو الأمر الذي ظهر جلياً في انتخابات الرئاسة نفسها، حيث فاز الدكتور محمد مرسي بمنصب الرئيس، وهو المدعوم من التيار الإسلامي، بفارق ضئيل عن منافسه أحمد شفيق، الذي تم دعمه من قبل "فلول" النظام ومن تيارات ليبرالية عديدة. هذه التنافسية الشديدة، لم تشهدها إلا الانتخابات، ولم تظهر في مشهد الاستفتاء على الدستور، الذي شاركت فيه بالقطع نفس الكتل التصويتية، وهو ما يطرح تساؤلاً حول مدى فكر المصريين في التعامل مع الانتخابات والاستفتاءات. استفتاء مارس 2011، تم تمريره بعد موافقة 14 مليون ناخب في مقابل 4 ملايين، أي بمشاركة 18 مليون، في حين شارك في انتخابات البرلمان 23 مليون، ثم في الرئاسة أدلى 25 مليون بأصواتهم، كما أن درجة التنافسية، تكاد لا تذكر بين الاستحقاقين. هذا الفارق بين الانتخابات والاستفتاءات في مصر، يشير إلى العديد من الدلائل التي تؤثر عليها، فالحشد على الاستفتاء يختلف عن مثيله في الانتخابات، حيث إن الانتخابات يمثلها أشخاص لديهم قدرة على الحشد سواء بالمال أو بالعائلات أو بالانتماء الحزبي، وهو الأمر الذي يقل تأثيره "نسبياً" في الاستفتاءات، حيث لا وجود لأشخاص أو أموال حيث الاختيار واضح "نعم أو لا"، ومهما بلغ الحشد فإنه لن يرتقى، لدرجة الانتخابات. وعلى أية حال، فإن ثمة أمر لا يقل أهمية مما سبق، حيث ما يزال ينظر المصريون للاستفتاءات على أنها أمر يساعد على الاستقرار واستتباب الأمور، وهو ما يعكس درجة الموافقة الكبيرة لاستفتاء مارس 2011 الذي شهدت الفترة التالية له قدر من الاستقرار، وهو الأمر الذي يمكن أن يحرك المصريين خلال استفتاء الدستور، على الرغم مما يبدو من انقسام في الشارع السياسي المصري، فهل سيكسر الاستفتاء القادم، هذه القاعدة، أم سيحسم المصريون حالة الجدل الدائرة حالياً بحسم الصراع على الدستور؟.