كأن البلد غير البلد، وكأن الناس غير الناس، وكأن القيم قد تغيرت فى يوم وليلة، وغيرتنا معها، وجعلتنا بلا طيبة بلا نخوة، بلا إيمان، بلا رحمة، بلا تعاطف، وأغرقتنا فى غربة وفقر وصراع فى كل مكان: فى الأزقة، فى الشوارع، فى المواصلات العامة، فى أماكن العمل، فى أى وقت ولأتفه الأسباب يا مثبت العقل يا رب. حب يتوارى تدريجياً خلف المصالح الضيقة، الكل ينهش فى الكل ويدوس على الكل، المال هو الغاية يهون من أجله كل شىء، يضاعفه من يملكه ويفتش عنه من يفتقر إليه، والنتيجة الكل يأخذ من الكل، ويخسر بسبب الكل، المقاول يريد أن يربح من المهندس، والمهندس يريد أن يربح من صاحب العمل، وصاحب العمل يريد أن يربح من المدرس، والمدرس يريد أن يربح من المحامى، والمحامى من العامل، والعامل من الفلاح والفلاح من التاجر، يا مثبت العقل يا رب. أيادينا ليست ممدودة من أجل العمل، بل ممدودة لجيوب بعضنا البعض، مما أدى لهواننا على بعض، ولم يعد مستغرباً، أن يتفنن الأخ فى إيذاء أخيه، أو يسرق أباه، أو يغتصب أمه أو يقتل عمه...إلخ. ما الذى حدث للمجتمع المصرى، أقصد المجتمع الذى كان مصرياً؟ لماذا استحل بعضه بعضاً بهذه الصورة؟ ومن هؤلاء الذين يسرقون ويغتصبون ويقتلون ويرتشون ويهربون الآثار ويحتكرون الأرزاق ويرتكبون الجرائم والفظائع دون اعتبار لأى دين أو قانون أو حتى إنسانية الإنسان؟ وإذا لم يكونوا منا فأين نحن منهم؟ أليس صمتنا عنهم دليلاً على رضائنا عنهم وعن أفعالهم وتشجيعاً منا لهم على ارتكاب المزيد من أعمالهم الإجرامية؟ يا مثبت العقل يا رب. ما يحدث الآن بيننا وحولنا وتحت سمعنا وبصرنا من فظائع يؤكد أننا غيرنا، تبدلنا وتحولنا واعتدنا أن يسلط علينا من أفعالنا. صباح يوم الثلاثاء الماضى وقعت مذبحة فى أتوبيس شركة المقاولون العرب بعد قيام السائق بفتح النار عشوائياً على زملائه ثم يصطحب القتلى والمصابين بدم بارد لمقر الشركة، مشهد مزق الإحساس بالأمن والأمان، حاولت أن ألوذ بقلمى لأعبر عن مشاعرى الغاضبة، لكننى فشلت، ربما لفظاعة الجريمة، ربما لإحباطى من جرأة الشر على استباحة الأبرياء ببساطة يندى لها الجبين، ربما لتحول الجريمة إلى عادة مقيتة دون أن يكون لها سقف، والحقيقة، لم ينقذنى من جفاف الكتابة سوى هذه الرسالة التى وصلت إلى بريدى الإلكترونى من الشاعر المتميز عبدالرحمن فهمى، التى حاول من خلالها تفريغ مشاعره حول هذه الحادثة البشعة، ووجدتها رغم بساطتها خير معبر عما يجيش فى نفسى، لذلك عرضتها دون تدخل منى، تقول الرسالة: (السيد الدكتور/ طارق عباس طالعتنا الصحف اليوم بخبر لا ولم أستوعبه حتى لحظة كتابتى لكم.. إلام نحن ذاهبون؟! المشهد جثامين تحملها الأعناق هل هو حادث طريق أم أنه انهيار منزل على رؤوس قاطنيه.. أم هو هزة أرضية تراقصت معها البنايات وهؤلاء هم الضحايا.. أم هو غارة إسرائيلية على قطاع غزة أو مدرسة بحر البقر أو مصنع أبوزعبل.. وفوجئت بأنه للأسف لا هذا ولا ذاك وإذا بالخبر الصاعقة أتوبيس شركة يقل العاملين من بيوتهم ذاهبين وساعين إلى أرزاقهم متجهين لمحل عملهم الذى يبنى ويعمر.. وفجأة وعلى غير توقع يتحول سائق الحافلة إلى وحش يحمل بندقية آلية يصوبها لصدور زملائه يقتلهم، وبدم بارد يكمل رحلته إلى محل عمله إنه الزلزال الذى هز أركانك يا مصر.. إنه انهيار الإيمان بالاستقرار الاجتماعى الذى ميزنا من يوم أن أوجدك الله يا بلدى.. إنه بركان يقذف بحمم لم نعرفها أو نألفها من قبل.. سيدى الدكتور طارق عهدنا الحوادث سابقاً خلاف ثأر.. انتهاك عرض.. سرقة بالإكراه.. حتى لو كان اغتصاباً.. أما كوننا نرى فى مصر مثل هذا الإعصار ومصر تحديداً.. اغتصاب حياة الآمنين.. اغتصاب أحلامهم!! اغتصاب الأمان لبلد ما كان يميزه هو الأمان.. كوارث أخلاقية تدمرنا وتمهد لمجهول أظنه سيكون بداية النهاية. أسئلة متداخلة كثيرة تلح على رأسى فلا أستطيع الإجابة عنها. أنحن سيدى فى مصر حقاً.. أهذا هو الرجل الذى يقولون عنه إنه طوال ثلاثين سنة لم يُعرف عنه غير قويم الخلق؟! ألم يرهم بشراً؟! تخيلت نفسى الشهيد ولسان حالى ينطق بكلمات مزجت بدمه: صبح الجدع يتوضى لجل فرض الله وصبّح على أمه وداعتله رعاك الله وأم العيال وصيته ما ينسى ذكر الله باس الولاد نايمين وقام نزل لقضاه صبّح على السواق وبسمته سبقاه وسلم على أحبابه وفجأة يااا ولداه رصاصة الغدر من غير ما ينطق آه راح الصبى آخرته وسره مات وياه ندعوك يا الله فى صحبة المصطفى خلى شهيدنا معاه يا مثبت العقل يا رب.