سعر الذهب يتراجع 2% أسبوعيًا.. وعيار 21 يسجل 6960 جنيهًا    تراجع المديونية المتراكمة لشركاء الاستثمار في إنتاج البترول والغاز    نائب محافظ الفيوم يتابع آخر المستجدات بملف "التحول الرقمي" ومسابقة "القيادات المحلية"    10 مايو.. تسليم قطع أراضٍ بنشاط ورش وأخرى سكنية بمدينة طيبة الجديدة    استقبال 166226 طنا من القمح المحلي بشون وصوامع الشرقية    هام من السياحة بشأن موسم الحج 1447-2026    وزير الكهرباء يبحث مع "شنايدر إليكتريك" التوسع في مبادرة تحسين كفاءة الطاقة    مستشارة بالناتو: تحركات البنتاجون تؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها    القاهرة الإخبارية: الاحتلال الإسرائيلي يجدد إنذارات إخلاء لبلدات في الجنوب اللبناني    وزير الخارجية يستقبل نظيره السوري غدًا في القاهرة    جماعة أصحاب اليمين الإرهابية تخضع للتحقيق.. لماذا تخشى بريطانيا من تورط إيران في الهجمات على اليهود؟    الإمارات تعلن عودة الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي    اتحاد السلة يعلن مواعيد مباريات نهائي دوري السوبر للسيدات    أربيلوا قبل مواجهة إسبانيول: دفعنا ثمن غياب العقلية من نقاطنا    وزير الشباب يتفقد أعمال تطوير مركز الطب الرياضي بمدينة نصر    كامل أبو علي يتفقد مشروع الاستاد الجديد للنادي المصري    برشلونة يعلن حصول رافينيا وبيرنال على التصريح الطبي قبل مواجهة أوساسونا    بلاغ يقود المباحث لضبط المتهم بالتنقيب عن الآثار في المنوفية    السيطرة على حريق بموقع تصوير "بيت بابا 2" دون خسائر بشرية    انقلاب سيارة ملاكي واصطدامها بالجزيرة الوسطى بكورنيش الإسكندرية    إحالة أوراق متهم بتزوير شهادة ميلاد طفلة والتعدي عليها لمدة 6 أعوام في الإسكندرية للمفتي    الحرارة الآن 34 درجة على القاهرة الكبرى.. تحذير عاجل من الأرصاد بسبب حالة الطقس    الأوقاف الأردنية: خطط بديلة لنقل الحجاج وضمان أداء المناسك بأمان    مدير إدارة طور سيناء التعليمية ينفي رصد أي شكاوى في اليوم الأول لامتحانات النقل بالتعليم الفني    اليوم.. ختام الدورة 12 من مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    وزيرة الثقافة: مشاركة مصر في معرض الرباط للكتاب تعزز القوة الناعمة    كشف أثري في الإسكندرية يلقي الضوء على تطور الحياة الحضرية عبر العصور    أول تعليق من مخرج "بيت بابا 2" بعد حريق لوكيشن التصوير    الدكتور خالد عبدالغفار: الصحة النفسية حق أساسي لكل مواطن    محافظ المنوفية يتفقد المركز التكنولوجي والصحة بسرس الليان    هاجمتهم إسرائيل.. نقل 59 ناشطا من أسطول الصمود إلى تركيا    مصطفى الفقي: المشير طنطاوي كان مرشحًا لمنصب نائب الرئيس قبل عمر سليمان    تكريم تدريسية من كلية المنصور الجامعة في فعالية علمية بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية    ذكريات الهضبة في ليلة "الحكاية"، 15 صورة من حفل عمرو دياب بالجامعة الأمريكية    أكاديمية الفنون تحتفل بذكرى تحرير سيناء بحفل لفرقة أم كلثوم للموسيقى العربية    الأوقاف تُحيي ذكرى وفاة الشيخ محمد عبد العزيز حصّان.. من أعلام التلاوة    السر الكامن في فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين    القبض على المتهمين بسرقة 250 ألف جنيه من سيارة بمدينة الشيخ زايد    تشييع جنازة نعمان الوزير كبير مشجعي النادي الإسماعيلي إلى مثواه الأخير (صور)    وزارة الشباب والرياضة تطرح وظائف جديدة في 3 محافظات.. تخصصات متنوعة ورواتب تنافسية    عاجل نائب رئيس الوزراء: القطار الكهربائي السريع شريان تنموي يعزز الاقتصاد ويربط أنحاء الجمهورية    تأجيل محاكمة موظف بتهمة التربح في القطامية ل 13 مايو    باكستان تؤكد للكويت استمرار الجهود الداعمة للسلام بالمنطقة    رجال طائرة الأهلي يواجه البوليس الرواندي في نهائي بطولة إفريقيا للأندية    قافلة سرابيوم الطبية.. نموذج رائد لجامعة القناة في تعزيز الشراكة المجتمعية    أطباء بنها الجامعي ينجحون في إجراء 3 عمليات بجراحات القلب والصدر    تشكيل آرسنال المتوقع لمواجهة فولهام في البريميرليج    حوار| رئيس اتحاد عمال الجيزة: إطلاق ملتقيات للتوظيف.. وخطة لخفض البطالة    بتكلفة تجاوزت 8.5 مليار جنيه.. إصدار مليون قرار علاج على نفقة الدولة خلال 3 أشهر    رئيس الرعاية الصحية: تخليد أسماء شهداء الفريق الطبي على المنشآت الصحية    «الإفتاء» توضح حكم زيارة قبر الوالدين وقراءة القرآن لهما    ليلة الوفاء، ميادة الحناوي تستعيد زمن الفن الجميل فوق خشبة موازين    بعد وقف إطلاق النار| ترامب يعلن انتهاء العمليات العسكرية ضد إيران    سامي الشيخ يدبر مكيدة لعمرو يوسف في «الفرنساوي»    الأزهر للفتوي يوضح مكانة العمل في الإسلام    البابا تواضروس الثاني يفتتح لقاء الشباب: "نور وملح" بالنمسا    هل يجوز توزيع الأملاك بالتساوي بين الأبناء؟.. أمين الفتوى يجيب    فاضل 25 يوم.. موعد عيد الأضحى المبارك 2026 فلكيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



نشأة النشاط الجمالي في الطبيعة والأدب والفن
نشر في المصري اليوم يوم 22 - 11 - 2010

تمارس الطبيعة نشاطها الجمالي منذ بدء الخليقة ، قبل ممارستها لنشاطها الوظيفي (الحياتي أو الكوني) في العديد من مفرداتها وصورها . فشروق الشمس في مطلع كل صبح ومغيبها في نهاية اليوم بشكل متوال ومنتظم دون انقطاع ، وتدرج ضيائها ما بين السطوع والتوهج والخفوت وتدرج لونها ما بين النصوع والبهتان وحركتها في نصف دائرة عبر الفضاء السماوي اللامتناهي في زرقته بدءاً من وراء النصف الذي يبدأ في الإظلام برحيلها عنه وتعامدها المتدرج في منتصف النصف الثاني من الكرة الأرضية والتي تسقط أشعتها وضياءها المتدرج على مدى النهار حتى غيابها الذي يوهم الناظر إلى آخر مدى لرؤية البحر على شاطئ مدينة ساحلية بأنها تغطس في آخر حدود البحر.
كما تمارس نشاطها الجمالي في تدرج ألوان الأزهار والورود وتدرج ألوان أوراق الأشجار وتنوعها . وفي حركة الطير في خفقان أجنحته في سباحته الفضائية علواً وهبوطاً وحطاً على فروع الشجر ، أو انقضاضاً على فرائس ضعاف الطير. وكذلك تمارس نشاطها الجمالي في حركة الأمواج في هياج البحر ، وفي سكون حركة أمواجه ، وفي تدرج ألوان مياهه ما بين الزرقة والخضرة والدكنة والشفافية ، حسب تضاريس كل منطقة . وتمارس الطبيعة نشاطها الجمالي أيضاً في تضاد أشكال جبالها ، ما بين الارتفاعات الشاهقة والمتوسطة والمنخفضة ، وتباين ألوانها ما بين الحمرة والصفرة والخضرة ، والتضاد بين الأسود والأبيض أو المشوب بالحمرة والزرقة أو الخضرة معاً . وكذلك تمارس نشاطها الجمالي في تنوع الأحجام في الطبيعة ربما في البقعة الجغرافية الواحدة ما بين الجبال والأحجار المتفرقة والزلط بأنواعه والرمال الناعمة والرمال الخشنة ، كما تمارس نشاطها الجمالي في مجاورة النار للماء والوحوش للبشر والغابات للصحاري في تداخل ماء النهر العذب في البحر . فهذا التدرج في العنصر الواحد شكلاً ووظيفة كغناء الطيور وشذى الأزهار والورود وحفيف أوراق الأشجار وصرير الرياح وصفيرها عند احتكاك التيارات الهوائية بجذوع الأشجار وأغصانها وبمنحدرات الجبال وبعواء الذئاب والكلاب وثغاء الغنم ونهيق الحمير وصهيل الخيول وشحيج البغال وطنين الحشرات وزئير الأسود وتقافز القردة على فروع الأشجار في الغابات وظلال الأشياء والبشر في مراحل من النهار وتبادلية الليل والنهار ، تلك الثنائية الخالدة المتضادة في حركة دائبة منها المرئي رؤية العين وغير المرئي والمسموع وغير المسموع ، كل تلك الصور هي شواهد حقيقية على الوظيفة الجمالية لتفاعل كل الموجودات في الطبيعة ما بين التوافق والتناقض.
ولأن (الإنسان تلميذ الحيوان) كما يقول الفيلسوف المادي اليوناني ديموقريطس الأبديري Democritus of Abdera (460-370ق.م) فلقد تعلم من الطبيعة (فالغناء من الطيور والعصافير والموسيقى من صفير الرياح في احتكاكاتها بالجبال وفروع الأشجار في الغابات وبناء المساكن من العناكب) وهكذا، ومع تزايد خبراته وتجاربه تحول من أكل اللحوم النيئة إلى أكلها مشوية ومطهية فوجد مذاقها أفضل . ومع تمدنه وتحضره تزايدت قدرته على التحبيذ والتفضيل والنبذ فصار يفضل شيئاً وينصرف عن أشياء ، وعندئذٍ تملك القدرة على الحكم والتقدير فصار يقدر ما يريد وما لا يريد ويمايز في اختياراته وفقاً لممارساته ومن ثم أصبحت له إرادة ، وشيئاً من الاستطاعة وتلك كانت بداية تكوين الحس التفضيلي عنده تبعاً للحاجات الحياتية الضرورية (الغذاء – الكساء - السكن ) حُباً في البقاء المتطور والآمن . ومع كل ممارسة يمارسها قد يتعرف على جديد يكتشفه ، ومع كل اكتشاف تسهل أموره الحياتية ومع تكرار الممارسة يتحسن أداؤه ، ويتمرس على الشيء فيمارس عمليات تحسين أدواته وأشيائه تسهيلاً للعمل وتوفيراً للوقت وللجهد ، ومن ثم يتطور حسه وحساسيته نتيجة لتطور أدواته التي هي بمثابة أدوات إنتاج تتيح له البقاء الأنفع والأرفع والأكثر أمناً . من هنا أنصت للطبيعة مندهشاً لما تصدره من أصوات لها إيقاعات ومماثلات أو متشابهات ، وأمعن النظر إلى ما حوله مما حوته البيئة بكل متناقضاتها ومتماثلاتها فحاول محاكاتها سواء بالصوت أو بالحركة ورويداً رويداًَ أفلح في تقليد الطيور فصار له الغناء وفي تقليد الرياح فصار له الصفير الموسيقي بوساطة خامة بيئية هي (البوصة) فصنع آلات إيقاعية ونفخية بدائية تماماً كما صنع أدوات القنص توفيراً للطعام وأدوات القتل توفيراً للحماية وللأمن حباً في البقاء ، وأحياناًَ عشقاً للتفوق على كائنات أضخم إشباعاً لنوازع غير سوية . وهكذا كانت مسيرته في اتجاهين متلازمين أولهما : اتجاه تأمين حياته ، والثاني : اتجاه تحسين هذه الحياة. فيمثّل الاتجاه الأول البعد النفعي وهو بُعد تحتمه ضرورة البقاء والحفاظ على الجنس ، ويمثل الاتجاه الثاني البعد التحسيني أو التجميلي وهو بُعد تكميلي تحتمه ضرورة الترويح عن النفس شأنه شأن الطيور. فهي تغرد في وقت صفاء وخلاء ذهن من متاعب الطيران بحثاً عن القوت هنا أو هناك ، وشأن الوحوش في ما يصدر عنها من أصوات ما بين الزئير والنعير والصهيل والعواء إعلاناً عن وجودها وربما تنفيساً عن حالات ضيق أو كبت وربما لتصنع خطاب تواصل مع الغير من بني جنسها أو من فصيلتها ، وشأنه شأن القرود في مداعبتها بعضها بعضاً في تقافزها هنا وهناك استعراضاً لمهاراتها ؛ إذن فلا بأس من استعراضه لمهاراته . أليست له كبقية الكائنات مهارات يفتخر بها ويرغب في الإعلان عنها . وهو عبر ذلك كله يمارس عملية التمتع والترويح عن الذات ؛ وهل للجمالية هدف أفضل من الترويح عن النفس والتمتع بما نرى أو نسمع أو نشعر؟.
من الملاحظ أن بدايات الإحساس بجمالية ما يفعل ذلك الإنسان في بداياته الأولى ، تلك التي يعرفها أساتذة تاريخ الفن وتاريخ التذوق الفني حيث يربطون ما بين محاكاة الإنسان للطبيعة وظهور بعض الرجال الأول في العصور القديمة الذين برزوا في عمليات المحاكاة (محاكاة الصيد والقنص إذ يحاكي رجل منهم الصياد ويحاكي الآخر الحيوان في معركة غير متكافئة على المستوى الجسمي والعقلي التي ينتصر بها الإنسان الأول على الوحش المفترس . إذ يوظف الحاكي المحاكي خياله في نسج قصة انتصاره على ذلك الوحش ويزين لرفاقه في (السهراية) على ضوء وهج النار المشتعلة صورة بطولته واشتعال ذكائه . ومن هذا التزيين تحسيناً لصورته ؛ بدأت فكرة تجميل الفعل المحاكي ومن ثم تطورت أساليب الحكي مع تطور أساليب المعيشة ، حتى صارت إلى ما صارت إليه المدنية والحضارات بظهور الملاحم والقصائد المطولة ، التي تتأسس ككل تخييل أدبي على الصور والأخيلة والموسيقى ، وفنون الصياغة ما بين الإظهار والإخفاء والتقديم والتأخير والحذف والاستطراد والحشو والتكثيف والتشبيهات والاستعارات وألوان المجاز ، فصارت الكتابات والفنون إلى ما صارت إليه من شاعرية التعبير قصاً أو رواية أو مسرحية أو سيناريو أو قصيدة لها أبعادها الجمالية جنباً إلى جنب مع أبعادها الغنائية أو الدرامية أو التشكيلية لتتأكد مقولة : " التعبير الفني : عبارة عن مشاعر مصورة أو مجسدة بالكلمات في حالة حركة متوازية . تنصهر فيها التناقضات ، وتتسق مع المتماثلات في وحدة الإنتاج الإبداعي. فهي إذن مشاعر عاملة من خلال الصوت البشري ، كهدفٍ محددٍ يسعى الفنان – حالة التمثيل – للوصول إليه ؛ عن طريق الشدة والدرجة والنوعية ، تحقيقاً لدافع ما من خلال شكل ممتع ومقنع في آن . وهو لكي يمتع لابد وأن يتنوع ، وأن يتشكل بعناصر فنية فيها توافقات ، وتعارضات ، واستعارات وتوريات. وهو لكي يقنع فلابد وأن يكون واضحاً في خطابه مركزاً على مناط القول تأكيداً للمماثلات المعنوية ومؤطراً للمقارنات الفكرية ؛ لذا فهو يحتاج إلى تبسيط وتركيب في آن واحد ، وإلى تلوين في الصوت وفي الحركة والإيماءة والإشارة بما لا يخل بالتوازن الأدائي في التعبير إظهاراً للتوافق في صورة المسموع والمرئي . مع ملاحظة أن الصورة الجمالية تتبدى في التعبير الأدبي الدرامي أو الفني المراوغ مسرحياً أو سينمائياً "
إذن فالمفارقات والمقاربات المتوازنة والمتوافقة في الصورة الواحدة صوتية كانت أم مرئية هي التي تخلق جمالية التعبير في الفنون الزمانية وجمالية التشكيل في الفنون المكانية كما يقول جان برتلمي إذ أن تفارق الألفاظ وتناسق الألوان والخطوط ينتميان لتناسق النغمات .
ولما كانت للآداب والفنون مدارس متعددة ما بين كلاسيكية ورومانتيكية وطبيعية وواقعية ورمزية وتكعيبية وسيريالية وتسجيلية وملحمية وعبثية فمن البداهة أن لكل منها جمالياتها . فتصوير حقائق الإنسان في علاقته مع الكون لها جمالياتها التي لازمت أعمال كبار كتاب المسرح اليوناني ( اسخيلوس وسوفوكليس ويوربيديس وأريستوفانيس) ومن تبعهم كسينيكا عند الرومان أو ترنتيوس أو من استظل بأسلوبهم تحت مظلة أرسطو ، كما أن تصوير مشاعر الإنسان في جيشانها وتدفقها العارم بما تقوم عليه الرومنتيكية مغاير في جمالياته لجماليات الكلاسيكية ، فجماليات الرومنسية عند الشاعر الفرنسي فيكتور هوجو Victor Marie Hugo (1802-1885م) في (البؤساء) وجماليات وليم شكسبير William Shakespeare (1564-1616م) في مزجه للصورة الكلاسيكية مع الجو الرومنتيكي تختلف عن جماليات الطبيعية التي تصور تفاصيل الحياة الاجتماعية وحقائقها ، من خلال زوايا مختارة ، وكذلك تختلف جماليات الواقعية في تصوير مثالية الأفعال والأشياء عن جماليات التعبيرية ؛ التي تعكس في صورها ذاتية الإنسان ولاشعوره Subconscious في معاناته التي تختلف عنها جماليات الرمزية في تصوير جوهر الفكر الإنساني المجرد . وكذلك تختلف جماليات الوحشية التي تعنى بتصوير غرائز الإنسان وحالات التحرر الشعوري بما يغاير جماليات السيريالية التي تهتم بتصوير الخيال الجامح للإنسان واستجلاء الحقيقة عبر اللاوعي. وفي حين يرى المستقبليون والعبثيون في تصوير عدمية الوجود فكراً ومادة وعقائد هدفاً وتعبيراًعن فقدان الجمال ، فإن الملحمية تعيد تصوير حقائق التغير والحراك الاجتماعي كشفاً عن الظواهر الاجتماعية فتشير إلى أن الجمال لا يخلو من تشويه ، وأن القبح أو التشويه لا يخلو من جمال. وكذلك يرى أصحاب المسرح التسجيلي من خلال تصويرهم لحقائق التغير التاريخي وطبيعة الحراك بكشف الظاهرة التاريخية نفس الذي رأته الملحمية في مسألة البعد الجمالي .
فالجمالية إذن تختلف باختلاف المدارس الأدبية والفنية في المسرح وفي السينما . غير أن جميع المدارس الأدبية والفنية على السواء تتوحد فيها نبرة الصدق في التعبير حتى يصبح كل إنتاج أدبي أو فني إنتاجاً إبداعياً . وفي ذلك يقول الشاعر والكاتب المسرحي الفرنسي بيير كورني Pierre Corneille (1606-1684م) : " إن أهمية المسرحية لا تتوقف على ما فيها من الحوادث الشائعة والمواقف العاطفية المؤثرة والألوان المحلية الفائقة ، بل على ما فيها من تصوير صادق للغرائز والمشاعر الإنسانية الخالدة ، التي يلتقي فيها أبناء البشر جميعاً ، ولا تنفرد بها أمة دون أخرى مهما تغير الزمان واختلف المكان ".
على أن من المهم الالتفات إلى تلازم التعبير الجمالي مع التعبير الدرامي أو التعبير التشكيلي في المسرح أو في السينما ذلك أن " التعبير وحده قد يؤدي إلى "الفن للفن" إذا أسرف في الهيام بجمال الشكل والتأنق في المبنى على حساب المعنى والمضمون "
والتفسير وحده كذلك قد يؤدي إلى "الفن الملتزم إذا أسرف في التقيد بمعنى خاص ومضمون معين ليس إلى التحرر والاستقلال عنهما " ويضيف الحكيم : " فالفن للفن هو حبس للفنان في هيكل الشكل " وبعيداً عن الآداب والفنون فإن تأمل إحدى الآيات القرآنية من سورة يوسف يكشف لنا عن التتابع الجمالي للمشهد القرآني :
" أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار
يحلون فيها من أساور من ذهب
ويلبسون ثياباً خضراً من سندس واستبرق
متكئين فيها على الأرائك
نعم الثواب وحسنت مرتفقا "
المشهد يبدأ بتحديد المنظر (جنات عدن) ومعلوم ما بها من أشجار وأطيار وأنهار وحور عين – ثم إلى هيئة أهلها إذ يتدرج الوصف القرآني للمشهد في جنات عدن ليكشف عن أول ما تلتفت إليه العين التي تنظر إلى الآخر حيث الزينة (الحلي) ثم يتدرج ليصف الزي ونوعه ولونه . ويتدرج ليصف الأثاث والتكوين الحركي من حيث هيئة الجلوس أو الاضطجاع منتهياً بتحديد السببية فهذه الجلسة السعيدة في حالة التزين والتزيي والطمأنينة في جنات عدن هي مكافأة من الله لأولئك الذين أطاعوه وأدوا ما عليهم من واجبات نحو الله ، ونحو أوامره.
وإذا كنا نرى الآية الكريمة تبدأ في وصف نعيم جنات عدن بمناظرها المتخيلة وبالزينة التي يتزين بها أهلوها ؛ فإن الأمر يختلف في الأسلوب الأدبي والفني ففي مسرحية (برلمان النساء) لأريستوفانيس . تبكر براكساجوره في مناجاتها من المشهد الافتتاحي لخطابها في الفجر صبيحة تنفيذها لمؤامرة الانقلاب البرلماني النسائي تبكر بمصباحها بوصف مادته ثم تشكيله على هيئته ثم مكملات الشكل أو زخارفه وبعد ذلك نفعه أو قيمته الوظيفية :
" إيه يا قنديلي المنير
صانع الفخار من الطين شكلك
واستكملك
طين ولكن زي نور الشمس تهدي خطونا
لما تتملّى علينا بطلتك وبطلعتك "
وحول ذلك يأتي توكيد جون درايدن John Dryden (1631-1700م) في كلامه حول آليات توظيف الشاعر لملكة الخيال إذ يقول : " .. أول النعم في خيال الشاعر الابتكار الحق ، أو إيجاد الفكرة ، وثانيها : التصور أو التنويع الذي يستنبط أو يشكل تلك الفكرة ، كما يمثلها الحكم بما يناسب الموضوع ، وثالثها:فن القول أو فن إظهار تلك الفكرة وتزويقها ، بعد أن تم إيجادها والتنويع فيها ، بكلمات ذات مغزى ، مناسبة ، رنانة : فحيوية الخيال تبدو في الابتكار، والخصوبة في التصور ، والدقة في التعبير " ولاشك أن جماليات الصورة تختلف في العرض المسرحي عنها في النص المسرحي ، وقد لا تختلف إذا اقتصرت في النص على التعبير الكلامي المعتمد على تقنية الكناية أو الاستعارة ، ومثالها كثير في النصوص المسرحية منها ما قالته الليدي مكبث فور انتهائها من تلطيخ حارسي مخدع الملك دنكن بدم الملك القتيل لتوحي لرجال البلاط بعد ذلك بأنهما قاتلاه : " لقد ذهبت يدي بدمه My hands are of your colour " كناية عن دم الملك . وما قالته (هيلين) بطلة مسرحية بيتر شيفر :
" الإنسان حين لا يكمل أي شيء حتى النهاية فلا يمكن لأحد أن يحكم عليه " ، " صياغة الجمال هي المبرر لحياة الإنسان " ، "يجب أن نكون كالآلهة عندما نشرع في خلق عالم جديد " ، " ذلك الرجل كان قاتلاً للجمال وليس في العالم كله جريمة أبشع من هذا " ، "من أذل الإنسان أذل الإله داخله " ، " أي عقاب أجدر من هذا يوقع على رجل شن حرباً ضد الصور – أن لا يرى أية صورة طوال حياته "، " لا تعش أبداً تلعن الدهر ، بل كن قاضياً هذا حقك "
وما قالته شخصية (الحكيم الثاني) في مسرحية (توراندوت أو مؤتمر غاسلي الأدمغة): "من سمع بجيش كسب معركة في جو من الحرية الكاملة " وما قالته شخصية (ميفستوفوليس) في مسرحية (فاوست كما أراه) للشاعر الفرنسي بول فاليري Paul Valéry (1871-1945م) : " من يؤاكل الشيطان يجب أن تكون ملعقته طويلة " وقول كليبر في سليمان الحلبي " لا أريده أن يدفع أريده أن يركع " في رده على المهندس جابلان الذي يناقشه في مبالغة طلب الفدية من الشيخ السادات .
هذه الصور الجمالية في لغة الحوار المسرحي للعديد من النصوص فيها من جماليات المضمون إلى جانب جماليات التشكيل الأسلوبي ما يرقى بها إلى مصاف الحكمة أو المثل السائر . وهي صور لابد أن يحتفي الممثلون - الذين يؤدون الأدوار التي حمّلها مؤلفو النصوص المسرحية - بصور جمالية في لغة الحوار ، حتى يضيئوا تلك الصور إضاءة تليق بتلك الصور ويزنوها بميزانها الجمالي والمضموني .
ولعل من الأمثلة على جمالية الصورة المسرحية الشعبية التي لا تمحي من الذاكرة تلك الصورة الجمالية الصوتية ذات الدلالة النقدية الساخرة في عرض المسرحية العرائسية (الليلة الكبيرة) حيث ينادي بائع الحمص على بضاعته في سوق المولد فتأتيه سيدة من عامة الشعب راجية :
" حمص حمص قبل ما يرعص عالنار يرقص
ست : يسترك هات حبة بقرش
المجموعة : هاهاها هأو " وهنا يتصل طلبها بالتهكم الجماعي بما يعكس جماليات استهتار البائع بطلبها .
وفي التكوين الحركي الذي يقف فيه حمار العمدة منفرداً أمام شاشة الأراجوز ما يعادل تشكيلياً ومن ثم جمالياً وقوف العمدة نفسه وهو على ظهر حماره أمام الشاشة نفسها في مرة تالية ، وهو يردد (الوصفة) الإرشاد المغلوط الذي وصفه له من قبل أحد أولاد البلد.
" تمشي كده على طول على طول لحد ما تلاقي عماره
دي وصفة سهلة .. مع السلامة يا بو عمه مايله "
أما إذا حللّنا جماليات السينما ، فهي لطبيعة اعتماد الفن السينمائي على لغة الصورة تبدو متفوقة على جماليات المسرح فالوقوف عند جماليات الصورة في فيلم ( يوميات نائب في الأرياف) عن قصة توفيق الحكيم على سبيل المثال متنوعة ومتعددة . ولقد ساعد على ذلك أن المخرج (توفيق صالح) أحد رواد الواقعية في السينما المصرية - والذي أخرجه عام 1968م - قد عوّل كثيراً على الريف المصري بمناظره الخلابة ما بين الحقول والحدائق والترعة والمقابر ومحطة السكة الحديدية وفوضى الصعود إلى القطار البدائي أو الهبوط منه ، هذا إلى جانب جماليات التكوينات الجماعية لجموع الفلاحين في حجز المركز أو على شاحنات مكدسين كالبهائم للدعاية للباشا المرشح الدائم والإجباري في انتخابات مجلس الأمة عن المركز ، إلى جانب جدليات (الردح) بين زوجة المأمور وزوجة وكيل النيابة ، تلك التي ترتدي تمهيداً لها كل واحدة منهما جزءاً من زي زوجها (زوجة المأمور ترتدي سترته الرسمية وطربوشه وزوجة وكيل النيابة ترتدي طربوشه) وتصعدان كل إلى سطح مسكنها في مواجهة عينية حضورية وجهاً لوجه وقولاً بقول في مباراة (ردح) وتنابذ بما يجسد جماليات صورة شعبية لا مثيل لها إلاّ في أحد الأحياء الشعبية في القاهرة كحي (البغالة) أو حي (سوق السلاح) أو في الإسكندرية كحي (السيالة) أو حي (زعربانة) . ومن الصور الشعبية الجمالية في ذلك الفيلم صورة (القاضي) المنتدب وهو يعلق سلة مليئة بخيرات الريف في إحدى يديه ويتأبط أوزة في يده الأخرى وهو يصعد داخل عربة قطار الريف . ولا تنسى صورة تقييد مجموعة من الفلاحين بحبل طويل عند القبض عليهم وسحبهم إلى مكتب وكيل النيابة . فكلها تعكس جماليات الصورة الطبيعية في حياة الريف المصري . والأمر نفسه قريب من ذلك أيضاً في فيلم (حسن ونعيمة) (لعبد الرحمن الخميسي) . كما تعكس اللقطات الجمالية في فيلم (شفيقة ومتولي) سيناريو وأغاني (صلاح جاهين) وبطولة (سعاد حسني) و(أحمد زكي) وإخراج (علي بدرخان) ، تعكس حياة الناس البسطاء في صعيد مصر وتعكس صورة المولد التي بهر بها (صلاح جاهين) وصّورها في أروع ما تكون الصورة الأدبية الشعبية متضافرة مع صور فلاحي مصر في زمن السخرة عند إجبارهم من خلال التجنيد الإجباري (الجهادية) على حفر قناة السويس ، وذلك عبر خيط جمالي يجسد جدلية الجبر الاجتماعي والسلطوي الواقع على فتاة جميلة فقيرة ووحيدة وعلى أخيها ورفقائه في السخرة مما عرضها للعوز والاستسلام للضعف أمام الحاجة في ظل ملاحقة دنيئة لفتى ماجن هو ابن عمدة القرية الذي لا يتركها حتى تسقط تحته سقطة عمرها التي ساقتها إلى الفسق بتحريض امرأة دلاّلة تزين لها الفسق . لتنتهي في فراش مورّد أنفار تابع تبعية مباشرة للخديوي توفيق الذي يجبرها على قضاء ليلة حمراء معه تكتشف فيها مازوكيته وتكتشف دوره مع عشيقها في تسخير فلاحي مصر في حفر القناة في مشهد تشخيصي احتفالي وشعبي بهيج يقوم بدور التورية على المطارحة الغرامية بين (شفيقة) والباشا توفيق أو (توتو).
هكذا دارت مسيرة النشاط الجمالي دورتها في الطبيعة وفي الأدب وفي الفن المسرحي والسينمائي .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.