مجلس جامعة بني سويف يستهل جلسته بتقديم التهنئة بعيد العمال    15% تراجعا في أسعار الشحن والتأمين للنقل البحري مع هدوء التوترات بالمنطقة    الثلاثاء.. غرفة السياحة تعقد جمعيتها العمومية العادية لمناقشة الميزانية والحساب الختامي والتقرير السنوي    حسام الحداد يكتب: أزمة مضيق هرمز تضع أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد على حافة الهاوية    طرح تذاكر قمة الأهلي والزمالك في الدوري المصري    إصابة شخص إثر انقلاب سيارة ربع نقل جنوب العريش    النيابة تصرح بدفن جثمان مسن سقط من القطار بإمبابة    أمام 6 آلاف مشاهد.. حفل تاريخي لأصالة في العاصمة الفرنسية باريس    استوديو الباليه الروسى آنا بافلوفا يختتم عامه الدراسى بأوبرا الإسكندرية    وصول قادة دول مجلس التعاون الخليجى لحضور القمة التشاورية فى جدة    وزير البترول: تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي للمعادن يونيو المقبل    مصطفى عزام يستقبل بعثة منتخب اليابان للناشئين    وكيل شباب جنوب سيناء يهنئ بطل السباحة البارالمبية بشار محمد لفوزه ببطولة الجمهورية    شريان جديد يربط الأهرامات بالعاصمة الإدارية في ملحمة هندسية عالمية    شهادة ادخار جديدة بالبنوك لمدة 3 سنوات وبأعلى فائدة شهرية.. اعرف التفاصيل    ضبط سائق نقل بالبحيرة استخدم إضاءة خلفية قوية تعرض حياة المواطنين للخطر    تحرير 46 محضرا لمخابز بلدية لمخالفتهم مواصفات الإنتاج بالبحيرة    دفاع المتهمين بقضية التعدى على أب ونجله بباسوس يطلب التأجيل لعدة طلبات    مايكروسوفت وأوبن إيه آي تعيدان صياغة شراكتهما.. ما الجديد وماذا تغير؟    افتتاح المعرض السنوي الفني لطلاب مركز الفنون التشكيلية بجامعة طنطا    الحرس الثورى وقوائم الإرهاب البريطانية.. كيف علقت طهران على تحركات لندن؟    هيثم دبور: فيلم مشاكل داخلية 32B يناقش العلاقة الإنسانية بين الأب وابنته    فى ذكرى ميلاده.. نور الشريف أيقونة الدراما المصرية وصائد الجوائز    بدر عبد العاطى يفتتح غرفة حفظ الوثائق المؤمنة بمقر وزارة الخارجية    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    طب قصر العينى جامعة القاهرة يُطلق الملتقى العلمى المصرى الفرنسى لأمراض الكبد    وزير الصحة يبحث تعزيز التعاون مع مركز السياسات الاقتصادية بالمعهد القومي للتخطيط    عاجل- السيسي يشدد على دعم مصر لأمن وسيادة دول الخليج والعراق والأردن خلال اتصال مع رئيسة وزراء اليابان    ارتفاع تدريجي في الحرارة وشبورة ورياح حتى الأحد.. الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس خلال الأيام المقبلة    قصر ثقافة أبو تيج بأسيوط يحتفي بذكرى تحرير سيناء ويكرم المبدعين    المسلماني: النيل الثقافية تقيم مؤتمر ماسبيرو للموسيقى برئاسة جمال بخيت يونيو القادم    افتتاح المعرض الجماعي «فن الباستيل» بممر 35    عبور دفعات من شاحنات المساعدات والأفراد من معبر رفح البري    وكيل أوقاف أسيوط يستقبل الشيخ عطية الله رمضان أحد نجوم مسابقة دولة التلاوة    عودة فيتينيا تعزز قائمة باريس سان جيرمان لموقعة بايرن ميونخ    رئيس محكمة الأسرة سابقا: معظم المطالبين بتخفيض سن الحضانة يريدون استرداد المسكن وإسقاط النفقة    وزير التعليم العالي يترأس اجتماع مجلس إدارة هيئة دعم وتطوير الجامعات    لاعب الأهلي السابق بعد الخسارة من بيراميدز: الأحمر بلا شخصية    وزير التعليم العالي يبحث مع السفير البريطاني تعزيز التعاون المشترك    اقتصادية قناة السويس تستقبل السفير الصيني لبحث فرص الاستثمار بالموانئ والمناطق الصناعية وتعزيز التعاون الثنائي    جيش الاحتلال ينذر سكان قرى وبلدات في قضاء بنت جبيل بالانتقال إلى قضاء صيدا    التصريح بدفن طالب دهسته سيارة على صحراوي المنيا الغربي    التأمين الصحي: 577 ألف منتفع بنسبة تغطية 71.3%... وتقديم آلاف الخدمات الطبية بالمحافظة    الصحة: مستشفى دمنهور التعليمي يعالج حالات القسطرة الكلوية المستعصية من مختلف المحافظات    رئيس تضامن النواب تكشف حقيقة وصول مشروع قانون الأحوال الشخصية    كرة طائرة - النهائي لن يكون مصريا.. تحديد طريق الأهلي وبتروجت في بطولة إفريقيا    6 مستشفيات متخصصة تحصل على الاعتماد الكامل و12 على الاعتماد المبدئي من «GAHAR»    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    محافظ قنا يعتمد جداول امتحانات نهاية العام 2026 لصفوف النقل والشهادة الإعدادية    صدام أمريكي إيراني بمقر الأمم المتحدة بسبب منع انتشار الأسلحة النووية    الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية: حرية الملاحة غير قابلة للتفاوض    أرض الفيروز بعيون أهلها .. عيد التحرير.. سيناء تنتصر بالتنمية    الرئيس السيسي: ضرورة ربط المناطق الكثيفة سكانياً بوسائل نقل صديقة للبيئة    لاعب الزمالك السابق: صراع الدوري مشتعل حتى النهاية.. والحسم في الجولة الأخيرة    بعد الفوز على الأهلي.. تعرف على فرصة بيراميدز للتتويج بلقب الدوري    البابا تواضروس الثاني يصل النمسا في ثاني محطات جولته الخارجية    أمين الفتوى يكشف حكم إخراج الأضحية من زكاة المال(فيديو)    تسليم مساعدات مالية ل30 عروسة من الأيتام وتكريم حفظة القرآن ببني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلاج على نفقة الدولة.. نظام فاسد ومُُفسِد
نشر في المصري اليوم يوم 17 - 02 - 2010

أتابع هذه الأيام، بشىء من الدهشة والعجب والأسى، ما يدور هذه الأيام من مساجلات ومناقشات حامية الوطيس تحت قبة مجلس الشعب وعلى صفحات الصحف وفى وسائل الإعلام المختلفة حول موضوع «العلاج على نفقة الدولة»، بما فى ذلك من تهديد ووعيد من عدد كبير من أعضاء مجلس الشعب، وما أعلنته ونشرته وزارة الصحة من قوائم بأسماء أعضاء بالمجلس يسيئون استخدام هذا النظام المفترض أنه لعلاج الفقراء وغير القادرين ويبالغون فى مطالبهم وتوصياتهم.
وقد يتعجب البعض مثلى من السؤال البسيط: ما علاقة أعضاء مجلس الشعب بعلاج المواطنين؟ هل هم أطباء؟ أم خبراء بالمجالس الطبية يقررون من يستحق العلاج ومن لا يستحق ويحددون تكلفته؟ أم هم أهل بر وتقوى فينفقوا على الضعفاء والمساكين- ولكن من «جيب الحكومة»- ويستأثروا هم بالدعوات الصالحات؟ أم هم وسطاء فيما لا يجب أن تكون فيه واسطة؟ أم هم سماسرة؟!
جزء من الإجابة عن هذه الأسئلة يمكن أن نفهمه من الصورة الواقعية التى عرضها الكاتب المتميز أحمد الصاوى بصحيفة «المصرى اليوم» منذ عدة أيام، لموقف شاهده بعينه فى مكتب الدكتور عبدالحميد أباظة، مسؤول الاتصال السياسى بوزارة الصحة، والمفوض بتوقيع قرارات العلاج على نفقة الدولة التى يأتى بها النواب، حيث شاهد أحد نواب الحزب الوطنى يدعو للدكتور أباظة ويقول له بصراحة وبنص الكلمات المنشورة: «بصراحة أنا قلت للوزير إنه لولا القرارات اللى بيمضيها الدكتور أباظة كنا سقطنا كلنا فى الانتخابات» وزاد على ذلك بقوله: «الحكومة وقفت كل حاجة.. التعيينات والخدمات ومعدش فاضل غير العلاج»!!
هذه الصورة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الغالبية من نواب مجلسى الشعب والشورى حريصة كل الحرص على بقاء هذا النظام، لتبقى هذه العلاقة غير المستقيمة بينهم وبين وزارة الصحة، التى بموجبها يضمنون أن يلجأ إليهم كل من يدهمه المرض أو يصيبه حادث بدائرته.
لقد عملت لفترة طويلة بمنشآت صحية تابعة لوزارة الصحة، وأتيح لى ليس فقط التعرف عن قرب على مثالب ومفاسد هذا النظام العلاجى الشاذ لعلاج المواطنين، الذى لا مثيل له فى أى دولة فى العالم، ولكنى كنت فى القلب منه بصورة يومية لعدة سنوات، وحاولت جهد استطاعتى تسخير هذا النظام لما هو مفروض أن يُسخر له، وهو علاج الفقراء وغير القادرين بدون وساطة وبدون أن يراق ماء وجوههم..
وبقدر ما أستطيع قاومت ضغوطاً ووساطات وإلحاحات لا أول لها ولا آخر، فقط من أجل أن تبقى هناك أسرة جاهزة لاستقبال من يستحقها فعلاً من المرضى والمصابين الفقراء ومحدودى الدخل.. وكنت أتلقى يومياً العديد من كروت التوصية والرسائل والاتصال سواء من أعضاء بمجلسى الشعب والشورى أو العاملين بمجالات الإعلام المختلفة أو من بعض كبار رجال الدولة فى المؤسسات والوزارات المختلفة بما فيها وزارة الصحة، ودائماً كان سؤالى الأول لأى أحد من هؤلاء الذين يحملون التوصيات هو: لماذا ذهبت إلى عضو مجلس الشعب أو لجأت إلى أحد للتوصية؟
هل حاولت أن تأتى إلى المستشفى للكشف واتبعت التعليمات المعُلنة فى كل مكان، وكنت فعلاً من المستحقين للعلاج الجراحى أو الدوائى، ووجدت تقصيراً من أحد فى تقديم الخدمة؟ بالطبع كانت هناك حالات فهمت منها أن هناك بعض العاملين بالمستشفى- موظفين أو ممرضين أو حتى أطباء من ضعاف النفوس- حاولوا استغلال المريض المحتاج من خلال استغلال ثغرات هذا النظام الفاسد لعلاج المواطنين الفقراء.. وكان تصرفى مع من يثبت تورطه فورياً وقاطعاً.. ولكن فى كثير من الحالات كان المرضى يقولونها لى بصراحة أن «مكتب عضو مجلس الشعب بدائرتهم ومندوبيه يعرضون على الناس خدماتهم فى هذا الشأن».
ولا يفصحون بأكثر من ذلك.. والله وحده يعلم ما إذا كان ذلك يتم من أجل ضمان صوت المواطن، أو من أجل تربح ما، ولكنه فى الغالب الأعم ليس لوجه الله ولا لمصلحة الفقير!! أقول فى الغالب الأعم، وأعوذ بالله من التعميم والتفتيش فى الضمائر، إننى صادفت نواباً لا يطلبون شيئاً إلا لمن يستحق فعلاً ولا يقدر على الوصول للمكان، وبطريقة إنسانية رائعة مجردة من كل غرض وهوى، أذكر منهم مثلاً سيدة فاضلة نائبة عن إحدى دوائر محافظة القليوبية وعضواً آخر بالشورى عن محافظة أسوان..
ولكنى فى الوقت نفسه مررت بتجربة شخصية مع أحد أعضاء مجلس الشعب منذ ثلاث سنوات تقريباً، كان يحضر إلى المستشفى بالقاهرة أسبوعياً من دائرته بإحدى قرى الدلتا وبصحبته ميكروباص ملىء عن آخره بمواطنين، ويحمل فى يده طلبات علاج على نفقة الدولة لهم، لا أعرف من أين أحضرها وأين تم الكشف عليهم وتحديد ما يجب عمله لهم، ويأتى هو فقط لإدخالهم المستشفى مع وعد منه بأنه سيحضر قرارات العلاج لهم فى خلال ساعتين بعد استكمال الأختام بالمستشفى!!
ولما لم أوافق على أسلوبه هذا الذى اعتاده لسنوات، خاصة بعد أن أسرَّ إلىَّ أحد هؤلاء المرضى بأن العضو المحترم يتلقى منهم مبالغ مالية لتسهيل أمر علاجهم على نفقة الدولة ودخول المستشفى، طلبت منه أن يتبع تعليمات المستشفى التى تطبق على الجميع، فهددنى بالويل والثبور، وراح يشكونى لوزير الصحة مراراً وتكراراً، بل تقدم باستجواب أو طلب إحاطة للوزير- لا أتذكر بالضبط- عما يحدث فى المستشفى الذى أعمل به مما يراه سيادته مخالفات جسيمة!
وأحمد الله أن وزير الصحة من نوعية الرجال الواعين الواثقين الذين لا يخشون فى الحق لومة لائم. لم يقتصر سوء استغلال منظومة العلاج على نفقة الدولة على غالبية أعضاء مجلسى الشعب والشورى وبعض الإعلاميين، ولكن امتد هذا حتى إلى الحكومة نفسها، ومثال ذلك ما نشرته الصحف المستقلة والمعارضة منذ عدة أيام لقرارات علاج عيون لوزير المالية والجباية الغالى، فى أكثر مراكز العالم تقدماً بالولايات المتحدة الأمريكية، التى قارب مجموعها المليون جنيه، وهى قرارات صادرة من رئاسة مجلس الوزراء ووقع عليها شخصياً الدكتور أحمد نظيف، وكان أغرب ما فيها ما جاء فى سطرها الأخير أن تخصم قيمة هذا العلاج من ميزانية علاج المواطنين، التى أفهم منها أنها من الميزانية المخصصة للعلاج على نفقة الدولة للفقراء ومحدودى الدخل..
ولك أن تتعجب مثلى لماذا لا تتحمل ميزانية مجلس الوزراء نفقات علاج أحد وزرائه، ولو حتى بالمساهمة إذا ما كان يرغب فى العلاج بالخارج؟!
يقودنى كل ذلك إلى ما أدعو إليه من ضرورة إعادة النظر بصورة شاملة فى كل ما يندرج تحت هذا العنوان غير المحدد «العلاج على نفقة الدولة». وكنت منذ حوالى ثمانى سنوات ومع بداية الارتفاع الجنونى المتصاعد فى تكلفة العلاج على نفقة الدولة قد كتبت عدة مقالات فى صحيفة الأهرام حول هذا الموضوع، بل قدمت ورقة للمناقشة حوله بمركز دراسات الإدارة العامة التابع لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بدعوة كريمة من الأستاذة الدكتورة سلوى شعراوى، التى كانت ترأس المركز فى هذا الوقت، وقام المركز بطبع ورقة البحث هذه والمناقشات التى دارت حولها لتكون متاحة أمام من يهمه الأمر..
وقد خلصت فى ذلك الوقت- أى منذ حوالى ثمانى سنوات- إلى أنه يجب أن يتم اتخاذ قرار حازم وحاسم بإلغاء هذا النظام لعلاج الفقراء ومحدودى الدخل.. فقد كان المعروف حتى بداية النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى أن العلاج على نفقة الدولة هو نظام من أجل حالات محدودة ومحددة تتطلب العلاج بالخارج سواء لظروف المرض أو المريض، وتُعتمد من أعلى الجهات بالدولة.. ورويداً رويداً بدأ التوسع فى استخدام التعبير كنظام لعلاج الفقراء ومحدودى الدخل فى مستشفيات الدولة، وسرعان ما أصابه نمو سرطانى عشوائى، وبدون دراسات وافية علمية واقتصادية واجتماعية، أدت إلى زيادة ميزانيته من مبلغ يقل عن المائة مليون جنيه ليتعدى مبلغ المليار جنيه خلال أقل من ثلاث سنوات..
تم ذلك كله بدعم وتأييد وزير صحة سابق، ربما كانت لديه نوايا حسنة تجاه المواطنين الفقراء ولكن بالتأكيد كان يبعث برسالة سياسية إلى القيادة السياسية بأنه يضع نظاماً لحشد التأييد السياسى لهم وللحزب الحاكم بغض النظر عما يسببه هذا النظام من مشاكل متوقعة تضر بميزانية وزارة الصحة كما تضر بحالة المستشفيات وبأحوال الأطباء الشرفاء، وتفتح الباب على مصراعيه للعديد من التجاوزات الأخلاقية والانحرافات التى طالت الجميع بما فى ذلك شركات الأدوية والمستلزمات الطبية..
والغريب أن القيادة السياسية فى ذلك الوقت لم تكلف نفسها عناء البحث فيما كان يعلنه الوزير تلك الأيام ويتفاخر به وهو أن مجالسه الطبية تصدر الآلاف من قرارات العلاج يومياً، التى كان يمكن أن توحى لكل ذى عقل أن هناك فوضى وعدم انضباط فى صدور هذه القرارات وفى التحقق ممن يستحقها أولاً.. فباركت رؤوس الدولة هذا النظام، ونحَّت جانباً الموضوع الأولى بالاهتمام وهو إصلاح نظام التأمين الصحى الشامل وتوسيع مظلته.. بل تم غض الطرف عما نشر فى هذه الأيام عن رغبة هذا الوزير فى حصد تأييد شعبى عارم داخل مجلس الشعب بتقديمه عشرين قرار علاج على نفقة الدولة بقيمة عالية لكل منهم بدون أسماء عليها، ليضع العضو اسم من يريد، على سبيل الهدية أو المنحة.. وكله على نفقة الدولة!!
أدى هذا النظام الفاسد إلى عملية إفساد كبرى فى المجتمع طالت الجميع بدءا من شركات المستلزمات الطبية والكثير من ضعاف النفوس من الأطباء، صغارا وكبارا، ومرورا بالعديد من الموظفين بالمستشفيات والمجالس الطبية التى تكونت بها ما يشبه العصابات لإصدار القرارات أثرت ثراء كبيراً وانتهاء بالعلاقات الاجتماعية الأسرية، حيث رأيت مرارا وتكرارا تلك الصورة البشعة لأولاد متيسرين وقادرين يستخرجون قرارات علاج لوالديهم على نفقة الدولة ويستكثرون أن ينفقوا مليماً عليهم طالما أن هناك ميزانية دولة مستباحة يمكن أن تنفق بغير حساب وهناك الطرق الملتوية التى تمكنهم من ذلك.. فلماذا يتذكرون بر الوالدين والإحسان لهم؟!
العديد من الأطباء فى المستشفيات الجامعية لم يتلقوا التدريب الكافى لعدم وجود ميزانيات لتوفير الأجهزة والمستلزمات بمستشفياتهم، فكان البديل هو العمل فى المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة حيث النظام الفاسد الذى يتيح لهم فرصة التدريب على عمليات جراحية، حتى لو كان المريض ليس فى حاجة ماسة لها، طالما أن هناك من سيدفع الحساب من ميزانية الدولة التعيسة، والله وحده يعلم عدد الآلاف من العمليات التى تمت تحت راية هذا النظام، بدون أن يكون المريض فى حاجة حقيقية لها.
ارتبط ذلك أيضاً بفساد أكبر مارسته شركات المستلزمات الطبية، بعمل تربيطات مع الأطباء الذين يصرون على استخدام مستلزمات بعينها، نظير أن تدفع له الشركة مقابل ذلك، ولتحدد الشركة ما تراه من قيمة لمستلزماتها طالما أن الدفع كله فى النهاية من جانب الحكومة، وظل تعطيل ومقاومة عمل أى مناقصة لهذه المستلزمات هدفاً لهذه الشركات نجحت فيه بامتياز.
وعلى الجانب الآخر تأثرت دخول الأطباء الشرفاء تأثراً كبيراً.. فإذا جاءه المريض القادر فى عيادته الخاصة وأخبره الطبيب مثلاً أنه يحتاج لإجراء جراحة ويحدد له ثمناً معقولاً يجد الإجابة على الفور: ألا يمكن أن أجريها على نفقة الدولة؟ وبعض ضعاف النفوس من الأطباء يوافق على الحصول على ثمن بعيادته الخاصة مقابل أن تكون باقى التكلفة على حساب الدولة التعيسة!!
لا يتسع المجال لأكثر من ذلك لإيضاح سوءات هذا النظام العشوائى، ولن أتحدث عن «العصابات» التى تتاجر فى القرارات، والتى يعلمها الجميع.. ولكنى وصلت فى النهاية إلى أنه مهما حاولت الدولة القيام بما تسميه «ترشيد» أو «إصلاح» لهذا النظام، فإن ما يضعونه من ضوابط وعقبات لن يقف إلا أمام المريض الفقير حقاً والمستحق فعلاً للعلاج على نفقة الدولة ولن يؤثر بأى شكل على أصحاب النفوذ والوساطات.
إذن ما الحل لعلاج هؤلاء الفقراء ومحدودى الدخل الذين لا يقل عددهم عن نصف الشعب المصرى فى تقديرى؟! الحل هو فى إلغاء هذا النظام كليةً، وإيقاف مهزلة المجالس الطبية والقرارات الصادرة عنها.. وعودة منظومة العلاج المجانى للفقراء ومحدودى الدخل فى جميع المستشفيات.. بمعنى آخر أن تتم زيادة ميزانية العلاج المجانى لجميع المستشفيات والمراكز الطبية التى تجرى بها عمليات كبرى ومتقدمة، وأعتقد أن نصف ما يصرف الآن تحت بند «العلاج على نفقة الدولة» كفيل بذلك..
وأن تلزم جميع المستشفيات الحكومية، أى التابعة لوزارة الصحة والمؤسسات التى تتبعها، بأن تخصص أربعين فى المائة من أسرّتها للعلاج المجانى للفقراء وغير القادرين، وأن تخصص أربعين فى المائة أخرى لعلاج متوسطى الدخل والذين تنفق عليهم جهات عملهم بأسعار اقتصادية تحقق هامش ربح طفيفاً، ويبقى عشرون فى المائة للعلاج بأسعار المستشفيات الاستثمارية لمن يرغب فى الإقامة بدرجات أعلى من ناحية الفندقة.. وتستخدم أرباح العلاج بأجر بالإضافة إلى الاعتمادات العادية بالميزانية العامة للمستشفيات فى تحسين المستشفيات ورفع أجور الأطباء وهيئة التمريض والعاملين.. على أن تبقى الميزانية التى تخصصها الوزارة للعلاج المجانى منفصلة، وهى التى بموجبها يدخل المريض فوراً إلى المستشفى ويُعالج بدون إهانات أو قرارات أو وساطات..
وعلى وزارة الصحة وجهاز المحاسبات أن يقوما بتقييم كل مدير مستشفى عام سنوياً تقييماً صادقاً محايداً أساسه كيف أنفق ميزانية العلاج المجانى، وكم مريضاً عالج وهوياتهم.. وليستمر ويكافأ الصالح وليذهب ويعاقب الطالح. وبنفس الأسلوب تكلف وزارة التعليم العالى بتدعيم ميزانية العلاج المجانى للفقراء ومحدودى الدخل بالمستشفيات الجامعية، وترفع وزارة المالية يدها عن أى تبرعات من أهل الخير لها.. ولا مانع أيضاً أن تشارك مستشفيات تابعة لجهات أخرى مثل القوات المسلحة وغيرها فى منظومة العلاج المجانى للفقراء بتخصيص جزء من أسرّتها لهذا الغرض.. فكلنا أبناء وطن واحد وكلنا فى قارب واحد شئنا أم أبينا. فقط كل ذلك يستلزم دولة قوية لا رخوة وأيادى واثقة لا مرتعشة وإرادة صلبة لا هشة.. ربما تكون تلك هى المسألة على أرض مصر فى الوقت الراهن.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.